ع ع ع

حسام المحمود | جنى العيسى | لجين مراد

انعقد، في 9 و10 من أيار الحالي، مؤتمر “بروكسل” في دورته السادسة بالعاصمة البلجيكية، حاملًا على أجندته حجم الاحتياجات الإنسانية في سوريا، دون أن يأتي بجديد على المسار السياسي المتعثر، رغم مناداة المؤتمر بالقرار الأممي “2254”، الذي ينص على الانتقال السياسي في سوريا.

المؤتمر الدولي الذي عقد أولى دوراته عام 2017، ليكون استكمالًا للمؤتمرات الثلاثة الأولى التي استضافتها الكويت بين عامي 2013 و2015، ومؤتمر “لندن” عام 2016، لم يختلف كثيرًا في جولته الماضية عما جاء به من قبل، سوى غياب روسيا عن المؤتمر في ظل حالة توتر سياسي خانقة تعيشها مع دول الاتحاد الأوروبي، منظمة المؤتمر، منذ “غزو” موسكو أوكرانيا، في 24 من شباط الماضي، ما يعني بالضرورة مع غياب النظام، غياب من يمكن أن يمثّله أو يتحدث باسمه في المؤتمر، بينما وُجهت الدعوة لـ”الائتلاف السوري المعارض” لحضور المؤتمر.

وعلى نطاق التعهدات المالية للملمة نزيف حاجات السوريين المتفاقمة مع دخول الثورة السورية عامها الـ12، وتأثيرات الحرب الروسية على أوكرانيا وتبعاتها الاقتصادية، رفع المؤتمر سقف تعهداته المالية التي تسيّدها الاتحاد الأوروبي.

وبحسب الأرقام، وبمقارنتها بما تعهدت به الدول طوال سنوات انعقاد المؤتمر، فصيغة التعهدات مقاربة لسابقاتها، دون ما يضمن ترجمة تلك الأرقام على الأرض، وتنفيذ الدول للمبالغ التي تبنت تقديمها، إلى جانب تصاعد الحاجة الإنسانية في العام الحالي وفق إحصائيات أممية تؤكد ذلك على أكثر من مستوى.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع مجموعة من الخبراء والمحللين الاقتصاديين والسياسيين والمعنيين بالمؤتمر، الجدوى السياسية للمؤتمر وآلية انعقاده واختيار المتحدثين باسم السوريين، إلى جانب مدى انعكاس التعهدات المالية للدول المانحة على الأرض، سواء داخل سوريا، أو في دول جوارها، التي تحتض ما لا يقل عن 5.5 مليون لاجئ سوري.

بغياب موسكو.. السقف ليس مرتفعًا

ما جدوى “بروكسل” سياسيًا؟

على مدار سنوات انعقاده، شدّد المؤتمر على ضرورة الانتقال السياسي في سوريا، وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي “2254”، المفضي إلى ذلك، كما ربطت دول الاتحاد الأوروبي، أكبر مانحي المؤتمر، عملية إعادة الإعمار في سوريا بخطوات جدية في سبيل الانتقال السياسي.

وقبيل انعقاد المؤتمر بأيام، أوصت عدة منظمات حقوقية الدول المانحة في المؤتمر باتخاذ مجموعة إجراءات لإبعاد المساعدات عن أي نوع من أنواع التسييس، إذ نشرت منظمة “سوريون من جل العدالة والمساءلة”، في 6 من أيار الحالي، تقريرًا دعت خلاله مع مجموعة من المنظمات لتفعيل دور الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في إدارة المساعدات المقدمة من قبل المانحين، وضرورة الحرص على عدم السماح للمتهمين بارتكاب انتهاكات إنسانية، باستغلال الوضع الإنساني للمدنيين.

الابتعاد عن تسييس المساعدات على أسس تمييزية، وقضية الترحيل القسري للاجئين السوريين، والنهوض بعملية السلام، والتعامل مع العقوبات وضمان مراجعتها، كلها توصيات دعت المنظمات المؤتمر للتعامل معها، في الوقت الذي اتخذ به المؤتمر طابعًا غلب عليه الجانب الاقتصادي.

عضو الهيئة السياسية في “الائتلاف السوري المعارض” يحيى مكتبي، الذي حضر فعاليات المؤتمر، أكد في حديث إلى عنب بلدي، أن دعم الحل السياسي لم يغب عن المؤتمر، لكن الظروف معقدة بما يحول دون تقدم العملية السياسية، خاصة بالنظر إلى موقف داعمي النظام، وعدم الجدية في التعاطي مع الحل السياسي.

وقال مكتبي، إن المؤتمر خُصص لجمع التبرعات التي تصب في المسار الإنساني، وإن “الائتلاف” يؤكد عدم إمكانية التوصل إلى حل مستدام لكارثة إنسانية عبر حل إنساني فقط، إذ يجب التوصل إلى حل سياسي جدي بتطبيق القرارات الدولية وبيان “جنيف 1” والقرار “2254”.

وحول الفائدة من انعقاد المؤتمر، لفت مكتبي إلى مخالفة أرقام التعهدات للتوقعات، عازيًا ذلك للظروف الدولية وما مر به العالم من تحدي فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، وتباطؤ الاقتصاد الدولي، وحرب روسيا على أوكرانيا، موضحًا أن المبالغ التي قدمتها الدول تعتبر جيدة قياسًا على تلك الاعتبارات، كما شدّد على عدم القدرة على تقييم المؤتمر خارج ما عُقد من أجله، وهو موضوع التبرعات.

مكتبي يرى أن الملف السوري عاد بقوة خلال المؤتمر ليكون ضمن النقاشات ودائرة البحث، مع ضرورة عدم رفع السقف عاليًا كون الحالة السورية ليست بسيطة على إطلاق، نتيجة وجود مجموعة فاعلين إقليميين ودوليين على الساحة السورية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى إعادة نشاط الملف السوري على قائمة اهتمامات الدول بعد مروره بحالة ركود في الفترة السابقة.

موقف الاتحاد الأوروبي حيال سوريا باقٍ على حاله، فلا يمكن التطبيع أو رفع العقوبات أو إعادة الإعمار قبل انخراط النظام السوري في عملية انتقال سياسي، والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم “2254”. الحرب الأخيرة على أوكرانيا لها آثار مؤكدة على سوريا، سواء كانت إنسانية (الآثار المحتملة على العمليات عبر الحدود) أو اقتصادية أو سياسية، مع الإشارة إلى أن الوضع في سوريا كان يتدهور بالفعل حتى قبل “غزو” أوكرانيا.

القائم بأعمال بعثة سوريا في الاتحاد الأوروبي، دان ستوينيسكو، لعنب بلدي

سيدة سورية نازحة تحمل صندوق مساعدات إنسانية في مدينة إدلب شمال غربي سوريا- 19 من شباط 2020 (AFP)

غياب روسي

موسكو الغائبة عن المؤتمر قلّلت من شأنه قبيل أيام قليلة من انعقاده، إذ اعتبرت الخارجية الروسية، أن تنظيم المؤتمر السادس لـ”دعم مستقبل سوريا والمنطقة” في بروكسل، دون دعوة دمشق وموسكو، “لا قيمة له”، وفق ما نقلته قناة “روسيا اليوم”، في 7 من أيار الحالي.

ووصفت الخارجية المؤتمر بأنه تحوّل، دون مشاركة ممثلي سوريا وروسيا وبعد فقدانه الرعاية الأممية، إلى تجمع لـ”شلّة” من الغربيين، “ليس له أي قيمة مضافة بالسعي الحقيقي لحل المشكلات الإنسانية الملحة في سوريا بعيدًا عن أي تسييس وضمن إطار المبادئ الإرشادية المعترف بها دوليًا للدعم الإنساني”.

وفي مقابلة مع عنب بلدي، قال القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، دان ستوينيسكو، ردًا على غياب موسكو، “لقد قمنا بدعوة الشركاء الذين لديهم مصلحة حقيقية للمساهمة بالسلام في العالم، وهذا ما أثبتت عكسه روسيا من خلال اعتداءاتها على أوكرانيا”.

السبب السياسي لاستبعاد روسيا دورها في أوكرانيا، وليس سوريا، إذ أكد المتحدث “مواصلة الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه دفع الجهود العالمية للضغط على روسيا لوقف عدوانها العسكري فورًا على أوكرانيا، والانسحاب من جميع أنحاء البلاد مع الاحترام الكامل لوحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها واستقلالها”.

وشدد على أن “الاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من شركائه، حمل رسالة واضحة الى المحافل الدولية برفض العدوان العسكري الروسي على أوكرانيا”.

حضور روسيا مؤتمرات “بروكسل” السابقة، رغم ضلوعها بجرائم حرب في سوريا، أثار استياء السوريين، بسبب عدم اتخاذ الاتحاد الأوروبي قراره استبعاد موسكو في السنوات السابقة، بالنظر إلى آثار تدخلها في سوريا.

مسؤول قسم المناصرة والتواصل في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، الدبلوماسي السوري داني البعاج، أوضح في حديث إلى عنب بلدي، أن ما يمنع الاتحاد الأوروبي من اتخاذ القرار سابقًا هو “القانون الدولي” الذي يعتبر أن تدخل روسيا في سوريا “شرعي” باستدعاء من حكومة النظام “الشرعية”، التي لا تزال تحتفظ بمقعدها في الأمم المتحدة.

وأكد البعاج أن ما يجري في أوكرانيا “عدوان وحرب” قامت به دولة ضد دولة، فالموقف السياسي وموقف الأمم المتحدة بهذه الحالة يختلف.

ويرى المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، أن الحل السياسي مرتبط بما هو اقتصادي في سوريا، وأن مؤتمر “بروكسل” يسعى لوضع أرضية أساسية للحل الاقتصادي عبر تفعيل أكبر للخدمات وتأهيل البنى التحتية، موضحًا في الوقت نفسه أن اعتبار المؤتمر اقتصاديًا أو ماليًا فقط يعني تفريغه من مضمونه، إذ لن تكون هناك تعهدات في حال توقف السعي نحو حل سياسي، وهذا ما يفسر غيابًا عربيًا شبه تام عن تعهدات المؤتمر باستثناء إسهام قطري خجول.

وأشار المحلل الاقتصادي إلى اختلاف بين الأسلوب الأوروبي والعربي، وتحديدًا الخليجي، فيما يتعلق بالتعهدات، فالأوروبيون يدفعون بالمنحى المالي في سبيل تسهيل التوصل إلى الحل السياسي، بينما تفضّل الدول الخليجية عدم الدفع قبل التوصل إلى حل جذري للقضية، وليس التعامل مع شق من المشكلة دون الآخر.

وحول الفارق بين الدورة الأخيرة وسابقتها من المؤتمر، أكد الدبس أن المؤتمر نسخة مكررة تعاد توصياتها سنويًا، إلى جانب تعهدات بتبرعات قد لا تفي بها الدول بالكامل، كون المؤتمر لا يخرج بقرارات ملزمة أصلًا، لكنه حمل في دورته الحالية رسائل أوروبية لروسيا، وتلويحًا ربما بإبعادها عن الملف السوري وهو أمر غير واقعي، كما أن المكاسب السياسية من انعقاد المؤتمر غائبة، وفق رضوان الدبس.

لا ضفة للنظام.. الأمم المتحدة لا ترعى المؤتمر

ما معايير اختيار المشاركين

شاركت في المؤتمر مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، وأوسع نطاق ممكن من المجتمع الدولي، والمنظمات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، والمؤسسات المالية الدولية (IFIs)، ومنظمة “الصليب الأحمر” و”الهلال الأحمر”، والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، وممثلو منظمات المجتمع المدني السورية، بحسب موقع الاتحاد الأوروبي.

وأفسح المؤتمر، ضمن فعاليات يحددها على مدار اليومين، المجال لمنظمات المجتمع المدني السورية، والمنظمات الأممية الحاضرة، للحوار حول القضايا المعيشية والمجتمعية التي يعاني منها السوريون اليوم على اختلاف المناطق التي يعيشون فيها، داخل أو خارج سوريا.

منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ، جوزيب بوريل ، يتحدث في مؤتمر صحفي خلال المؤتمر السادس للاتحاد الأوروبي حول دعم مستقبل سوريا والمنطقة في بروكسل ، بلجيكا- 10 أيار 2022.(Xinhua)

للحضور معايير

يعتبر مؤتمر “بروكسل” منصة للحوار بين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني من داخل سوريا والمنطقة، وكذلك في الشتات، وبين الدول المضيفة للاجئين والشركاء التنفيذيين المشاركين في الاستجابة السورية والاتحاد الأوروبي.

ويرسل المتحدثون من خلال هذه الفعاليات رسائل يختارونها في مختلف القطاعات التي ينبغي أن تسهم التعهدات الناتجة عن المؤتمر في تقليص حجم أثرها السلبي على السوريين، سياسية كانت أم اقتصادية.

وخلال دورة العام الحالي من المؤتمر، لم يكن لمنظمات المجتمع المدني العاملة في سوريا حضور فيزيائي كبير في “بروكسل”، واقتصرت معظم مشاركاتهم عبر الإنترنت، وفق ما أوضحه المدير التنفيذي لمنظمة “بيتنا”، أسعد العشي، المشارك في فعاليات المؤتمر، في حديث إلى عنب بلدي.

وحول آلية انتقاء منظمات المجتمع المدني التي يُسمح لها بالمشاركة في المؤتمر، أو الأشخاص المستقلين المشاركين في الفعاليات، قال الناشط الإنساني والمهتم بقضايا العدالة الاجتماعية وسيم الحاج، في حديث إلى عنب بلدي، إن ترشيحات الحاضرين تكون عادة من تجمعات مدنية داخل سوريا، أو من منظمات دولية أو أممية.

ولمعرفة تفاصيل إضافية حول آلية انتقاء الحضور، تواصلت عنب بلدي مع المكتب الصحفي للاتحاد الأوروبي، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى ساعة نشر هذا الملف.

المصدر الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي – 26 من آذار 2021

حضور النظام في المؤتمر “شبه معدوم”

يعتبر النظام السوري مؤتمر “بروكسل” منذ انطلاقته في عام 2017، “مُسيّسًا، ولا يعكس أي حرص حقيقي على مساعدة الشعب السوري”، إذ لم يُدعَ إلى أي موسم منه.

إلا أن منظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق سيطرته كان لها حضور “واسع” عند بدايات انطلاقه، بحسب آراء استمعت إليها عنب بلدي من ناشطين ومسؤولين حضروا المؤتمر حينها.

بينما لم يكن لهذا الحضور “وجود ملحوظ” وفقًا لعدد من حاضري مؤتمر “بروكسل” في دورته السادسة، قابلتهم عنب بلدي.

كما أوضح وسيم الحاج، الذي كان أحد حاضري المؤتمر السادس، أنه لم يلحظ وجودًا أو حديثًا خلال يومي المؤتمر لمنظمات عاملة في مناطق سيطرة النظام، سواء كمتحدثين أو كحضور.

الأمم المتحدة مشاركة لا راعية

شاركت الأمم المتحدة خلال السنوات السابقة في رعاية مؤتمر “بروكسل” إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لكنها اختارت هذا العام حضور المؤتمر كمشاركة فقط، كأي من الدول أو المنظمات المدعوة، دون أن يكون لها أي دور في التنظيم، ما اعتبره البعض “تراجع اهتمام” بالملف السوري.

مسؤول قسم المناصرة والتواصل في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، الدبلوماسي السوري داني البعاج، أوضح في حديثه إلى عنب بلدي، أن سبب ذلك قد يكون “تجنب إحراج الأمم المتحدة” بسبب عدم دعوة روسيا لحضور المؤتمر.

وأضاف البعاج أن الأمم المتحدة منظمة حيادية، والدول الأعضاء فيها يجب أن تكون كلها على قدر من المساواة في مثل هذه المؤتمرات، لذا يشترط في رعايتها للمؤتمر دعوة الجميع، وهذا ما لا يريده الاتحاد الأوروبي.

والاتحاد الأوروبي كيان سياسي مخوّل باختيار المدعوين إلى المؤتمر دون أن يسبب ذلك له أي إحراج سياسي أو دبلوماسي.

جانب من الحضور في مؤتمر “بروكسل 6” (موقع المؤتمر)

تعهدات “بروكسل 6”.. لا تسمن من جوع

في وقت يمضي فيه 60% من السوريين أيامهم قلقين من قدرتهم على تأمين وجبتهم التالية، تسعى منظمات أممية ومحلية للتعامل مع الوضع الإنساني في سوريا، والحد من الأثر السلبي لرداءة الواقع المعيشي للسوريين في الداخل السوري، وفي دول جوار سوريا أيضًا، وهي الأردن والعراق ولبنان وتركيا.

وقبيل انطلاق مؤتمر “بروكسل”، طلبت الأمم المتحدة أكثر من 10.5 مليار دولار لعام 2022، بحسب بيان لقادة المنظمة حول سوريا والمنطقة.

في المقابل، تطلب دول الجوار المضيفة للاجئين السوريين سنويًا مليارات الدولارات التي تتجاوز ما تتعهد به الجهات المانحة خلال مؤتمرات “بروكسل”.

الحاجة الهائلة تبتلع الأثر

حذّرت عشرات المنظمات قبيل مؤتمر “بروكسل 6” من مستقبل “كارثي” ينتظر السوريين جرّاء تدهور معظم القطاعات المؤثرة على الحياة في سوريا ودول الجوار، وسط مخاوف من انخفاض حجم التعهدات عن السنوات السابقة في ظل وجود أزمات اقتصادية عالمية.

مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إحدى المنظمات المشاركة في المؤتمر، بسام الأحمد، شدد في حديث إلى عنب بلدي على عمق الحاجة الإنسانية في سوريا.

وقال الأحمد، إن الحاجة غير مسبوقة في سوريا بالإشارة إلى الأزمات العديدة التي عايشها السوريون خلال العامين الماضيين، كخسارة المواسم الزراعية جراء العوامل المناخية والصقيع والجفاف، وارتفاع أسعار مختلف أنواع السلع الأساسية، وكل ذلك مترافق بارتفاع حاد في مستوى التضخم الاقتصادي عالميًا بالنسبة لدول طبيعية تمتلك بعض المناعة الاقتصادية، وهي أمر معدوم في سوريا، ما يضاعف تأثير تلك الأزمات العالمية عند إسقاطها على الواقع السوري.

ويستبعد الأحمد ظهور أثر واضح للتعهدات والتبرعات جرّاء العدد الهائل للسوريين الذين يحتاجون إلى المساعدات، والذي يعتبر رقمًا غير مسبوق في الحالة السورية، في إشارة إلى أكثر من 14 مليون سوري بحاجة للمساعدة الإنسانية وفق منظمات أممية.

التعهدات المقدمة اليوم هي الحامل الرئيس للسوريين داخل وخارج البلاد، ونقطة ارتكاز أساسية لا يمكن الاستغناء عنها مهما كان أثرها الظاهر محدودًا.

مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بسام الأحمد

وبحسب توقعات مدير مكتب تركيا وشمالي سوريا لـ”الجمعية الطبية السورية الأمريكية” (سامز)، الدكتور مازن كوارة، فلا مؤشرات على اختلاف أثر التعهدات بشكل كبير خلال العام الحالي مقارنة بالأعوام الماضية، فالاحتياجات بازدياد والوضع الاقتصادي نحو الأسوأ، وأهمية المساعدات في تصاعد متواصل.

وأضاف كوارة، خلال حديث إلى عنب بلدي، أن الالتزامات بالتعهدات تضع الاستجابة الإنسانية بحد مقبول مقارنة بالمستوى المطلوب، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذه التعهدات ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للسوريين.

عوامل تحدّ من أثر التعهدات

بعد الإعلان عن أرقام التعهدات في مؤتمر “بروكسل”، التي اقتربت من 6.4 مليار يورو، لعام 2022، وفق ما ذكره موقع الاتحاد الأوروبي، فمن المفترض أن تساعد هذه التعهدات الناس في سوريا والدول المجاورة التي تستضيف اللاجئين السوريين.

وتعتبر المبالغ المذكورة مؤشرًا مبشرًا بالقدرة على تلبية الحاجة الكبيرة بالنسبة للبعض، في حين يرى آخرون أن العجز عن رؤية التأثير الواضح للتعهدات خلال المؤتمرات بوابة لتساؤلات كثيرة حول أسباب غياب الأثر الواضح لتلك التعهدات.

المدير التنفيذي لمنظمة “بيتنا”، أسعد العشي، قال في حديثه إلى عنب بلدي، إن نقص التمويل وضعف الكفاءة في التعامل مع الأموال المقدمة للمنظمات وسرقة المساعدات في بعض الأحيان، تعتبر أبرز العوامل التي تحدّ من أثر التعهدات.

ولا تعتبر التعهدات ملزمة للدول أو الجهات المانحة، إذ تقدم بعض الجهات مبالغ أكثر مما تعهدت، بينما تفرض ظروف معيّنة على جهات أخرى أن تقدم مبالغ أقل من المعلَن عنها، بحسب ما قاله مدير مكتب تركيا وشمالي سوريا في “الجمعية الطبية السورية الأمريكية” (سامز)، الدكتور مازن كوارة.

كما تظهر مناشدات المنظمات الأممية، والجهات الفاعلة في سوريا ودول الجوار فجوة بين المبالغ التي يتطلبها الواقع السوري وأرقام التعهدات، وفق كوارة.

وأرجع كوارة سبب تصاعد الحاجة في مناطق سيطرة المعارضة إلى أن معظم مبالغ التعهدات تصب في صناديق منظمات الأمم المتحدة التي تقدم القسم الأكبر من الدعم لمناطق سيطرة النظام، وعزا ذلك إلى وجود كثافة سكانية عالية في مناطق سيطرة النظام، رغم ارتفاع الكثافة السكانية في شمال غربي سوريا أيضًا.

تسييس وتلاعب

في ظل غياب الحل السياسي في سوريا، واضطرار العديد من المنظمات للتعامل مع مختلف الأطراف الفاعلة محليًا، لعب تسييس المساعدات أو سرقتها دورًا أساسيًا بزيادة حجم معاناة السوريين والعجز عن سد حاجتهم.

ويعتبر النظام السوري وحليفه الروسي أبرز الأطراف التي أظهرت التقارير دورها بتسييس المساعدات من خلال الضغط على المجتمع الدولي لمنع تقديم المساعدات “عبر الحدود”.

كما تظهر مطالبات النظام بالسيطرة على قطاع المساعدات، من خلال إجبار المنظمات على التعامل معه بشكل دائم، وجود فائدة اقتصادية له.

وهو ما تسعى إليه موسكو، بوقف آلية “المساعدات عبر الحدود” المنحصرة حاليًا بـ”باب الهوى” على الحدود مع تركيا، واستبدال آلية “المساعدات عبر الخطوط” بها، ما يعني حصر توزيع المساعدات بيد حكومة النظام السوري بدمشق، وهو ما ينتظر السوريون التصويت عليه في تموز المقبل، تاريخ نهاية صلاحية القرار الأممي لآلية “المساعدات عبر الحدود”.

وبحسب ما قاله القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، دان ستوينيسكو، يشعر الاتحاد الأوروبي هذا العام بقلق بالغ إزاء احتمال عدم تجديد قرار الأمم المتحدة المتعلق بالعمليات عبر الحدود، والذي من المتوقع أن يصدر في تموز المقبل.

في الواقع، على الرغم من الاستعداد لهذا الاحتمال، لا يوجد بديل عملي لتقديم المساعدات “عبر الحدود”، نظرًا إلى الاحتياجات الإنسانية الهائلة. وهذا هو السبب في أن الاتحاد الأوروبي سيواصل الدعوة إلى تقديم الاستثناءات الإنسانية وفتح المعابر الحدودية أمام العمليات وعدم تسييسها. إن وضع الشروط أمام المعونات الإنسانية الموجهة لملايين الأشخاص لأسباب سياسية تتسم بالأنانية، ليس خيارًا قابلًا للتطبيق.

وتعتبر التعهدات أقل من الحاجة التي تراها المنظمات الفاعلة في سوريا، إذ اعتبر فريق “منسقو استجابة سوريا” أرقام التعهدات “مخيّبة للآمال”.

وأوضح الفريق في تقريره، الصادر في 10 من أيار الحالي، أن أرقام التعهدات مقاربة لعام 2021 الذي قدمت خلاله الدول أكثر بنحو 60% مما تعهدت به دون أن يحد ذلك من تدهور الوضع المعيشي في مختلف مجالات الحياة الأساسية.

وبحسب دراسة أجراها باحثون من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومركز أبحاث مركز العمليات والسياسات، فإن حكومة النظام السوري تسحب ملايين الدولارات من المساعدات الخارجية، من خلال إجبار وكالات الأمم المتحدة على استخدام سعر صرف أقل.

مدير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أكّد وجود اتهامات للنظام السوري بتقديمه أموال المساعدات لجهات معيّنة على حساب جهات أخرى، مشيرًا إلى الأثر السلبي الذي ينتج عن تسييس المساعدات.

واعتبر الأحمد أن جميع الجهات مستفيدة، بما فيها دول الجوار التي يتعامل بعضها مع اللاجئين كورقة ضغط سياسية أو اقتصادية.

اجتماع وزراء خارجية الدول المشاركين في مؤتمر “بروكسل 6” (موقع المؤتمر)

ست سنوات على “بروكسل”

“بروكسل 6”

من أصل 6.7 مليار دولار أمريكي، تعهّد الاتحاد الأوروبي بأكثر من خمسة مليارات يورو، مع أكثر من 3.24 مليار دولار من المفوضية الأوروبية، و71.7 مليار دولار من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وبذلك بقي الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أكبر المانحين الذين يدعمون الناس في سوريا والمنطقة منذ عام 2011، حيث حشد 27.4 مليار يورو (28.6 مليار دولار) بشكل عام.

“بروكسل 5” 2021

تعهد المانحون الدوليون في مؤتمر “بروكسل” الخامس، بتقديم 4.4 مليار دولار أمريكي لعام 2021، وحوالي ملياري دولار لعام 2022 وما بعده، كمساعدات إنسانية للمقيمين داخل سوريا، وللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم في المناطق المجاورة.

وفي بيان صادر عن الرئيسين المشاركين للمؤتمر من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد انتهاء المؤتمر في 30 من آذار، قالا إن مؤسسات مالية ومانحين دوليين أعلنوا تقديم قرابة سبعة مليارات دولار على شكل قروض ميسّرة.

وكانت الأمم المتحدة طالبت، في 29 من آذار 2021، بتوفير أكثر من عشرة مليارات دولار، يحتاج إليها 24 مليون شخص في سوريا والدول المجاورة، بأشكال مختلفة من المساعدات الإنسانية.

“بروكسل 4” 2020

تعهدالمانحون الدوليون في مؤتمر “بروكسل” الرابع، الذي عُقد في 30 من حزيران 2020، بتقديم مساعدات إنسانية لسوريا وخمس دول مجاورة بقيمة 5.5 مليار دولار للعام 2020، مقابل 2.2 مليار دولار للعام 2021، إضافة إلى قروض ميسّرة تصل إلى 6.7 مليار دولار.

وطالبت الأمم المتحدة حينها المانحين بدعم 11 مليون سوري محتاجين إلى مساعدات إنسانية في جميع أنحاء سوريا، ونحو ستة ملايين في بلاد اللجوء.

وفي 16 من تشرين الأول 2020، أعلنت “المفوضية الأوروبية” تجاوز المانحين الدوليين لتعهداتهم المعلَنة في مؤتمر “بروكسل” الرابع، إذ قدموا مبلغ خمسة مليارات دولار أمريكي في 2020.

وأوضحت المفوضية في تقريرها أن الدعم المعلَن ذهب إلى الداخل السوري وخمس دول مجاورة تستضيف اللاجئين (لبنان وتركيا والأردن والعراق ومصر).

وشاركت روسيا لأول مرة في مؤتمر “بروكسل 4″، واعتبر نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فرشينين، حينها، أن “القضايا الرئيسة لسوريا، سواء كانت عودة اللاجئين أو تقديم المساعدة الإنسانية ودفع العملية السياسية، لا ينبغي أن تناقَش من دون ممثلين عن الحكومة الشرعية”.

“بروكسل 3” 2019

تعهد المانحون الدوليون في المؤتمر بتقديم سبعة مليارات دولار لعام 2019، و2.4 مليار دولار لعام 2020، وقدّمت المؤسسات المالية الدولية حوالي 21.02 مليار دولار على شكل قروض ميسّرة.

وفي بيان الجلسة الختامية للمؤتمر، المنعقد بين 12 و14 من آذار 2019، في العاصمة البلجيكية، تعهدت الدول المجتمعة بتخصيص المبلغ للنازحين داخل سوريا واللاجئين في الدول المجاورة لها، وذلك لعام 2019، وفق ما ذكرته المفوضية الأوروبية عبر موقعها الرسمي.

الأمم المتحدة أعلنت آنذاك حاجتها إلى تسعة مليارات دولار لتغطية احتياجات السوريين عام 2019، إلا أن المؤتمر حصد سبعة مليارات من حاجة المنظمة، مقابل 11.7 مليون سوري بحاجة إلى المساعدة والحماية، إلى جانب حرمان أكثر من مليوني طفل سوري من التعليم، ووقوع ما يقدّر بـ83% من السوريين تحت خط الفقر حينها، وفق الأمم المتحدة.

“بروكسل 2” 2018

تعهد المانحون الدوليون في مؤتمر “بروكسل” الثاني بتقديم مبلغ 4.4 مليار دولار، لدعم المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة داخل سوريا وفي المنطقة خلال عام 2018، و3.4 مليار دولار للفترة بين عامي 2019 و2020، وأعلنت بعض المؤسسات المالية الدولية تقديم حوالي 21.2 مليار دولار على شكل قروض ميسّرة.

وكانت الأمم المتحدة أعلنت حاجتها لنحو تسعة مليارات دولار، لتغطية احتياجات ما يزيد على 13 مليون سوري، وأكثر من خمسة ملايين لاجئ خارج البلاد، بحاجة إلى المساعدات الإنسانية الفورية.

“بروكسل 1” 2017

تعهد المانحون الدوليون خلال المؤتمر بتقديم ستة مليارات دولار لدعم السوريين عام 2017، و3.73 مليار دولار كتعهدات متعددة السنوات للفترة بين عامي 2018 و2020، وأعلنت بعض المؤسسات المالية الدولية حينها، عن تقديم حوالي 30 مليار دولار على شكل قروض ميسّرة.

وكانت الأمم المتحدة أعلنت حاجتها إلى ثمانية مليارات دولار لتغطية احتياجات السوريين عام 2017.

مقالات متعلقة