الشاعر العراقي مظفّر النوّاب يخلّي محطة الشعر العربي ويسافر

الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

“مرّة خلّيهم محطة وإنت سافر، إنت والدخان وصبرك والمطر”.

هذه بعض من نصائح الشاعر العراقي، مظفّر النوّاب، التي أملاها في وقت سابق على قلبه، ليريحه من عناء الناس، ويقيه خيبته بهم، واليوم قرر ذلك القلب اتباع النصيحة بحذافيرها، ليخلي المحطة ويسافر بصاحبه عن حياة أُريق نصفها على شرف استقرار مفقود في بلد ما، بعد خروجه من بلده، العراق، متنقلًا بين بلاد الله الواسعة.

وبعيدًا عن مسقط رأسه، بغداد، توفي مظفّر النوّاب في الإمارات، في الغربة التي كان وصفها سابقًا في قصيدته “قافية الأقحوان”، بأنها “جليد في حريق”، إذ نقلت وكالة أنباء العراق (واع)، أن النوّاب توفي اليوم، الجمعة 20 من أيار، في مستشفى “الشارقة” بالإمارات.

عاش النوّاب 88 عامًا، شهد خلالها من مآسي العالم العربي أضعاف ما عاش من أفراحه، فكان شاهدًا على احتلال فلسطين، وحرب الخليج ، والاحتلال الأمريكي للعراق، ثم ثورات الربيع العربي، التي أتت في الثلث الأخير من حياته، ما عزز ضرورة الرحيل والانتقال عبر المكان، وأخرج السفر من سياقه اللطيف، ليحوله إلى ضرورة.

ورغم أن القصيدة السابقة كُتبت حين كان صوت “أبو عادل” عاليًا، ولم يتعب بعد الطين في جسده، وكان إلقاؤه الشعري مادة دسمة لا للاستمتاع وإضفاء الشعور على النص فحسب، بل ولدراسة الاختلاف والفرادة في توحّد الشاعر بنصّه، فإن النص جاء حاملًا إعلانًا مسبقًا بعتب لم تخفِه مكابرة الشعراء، فيقول النوّاب، “آه كم عذنبي جسمي على روحي وصاحت بي أرحني سيدي خمس ثوانٍ”.

فاتحة الطريق

النوّاب من مواليد الكرخ، في العاصمة العراقية بغداد، وأحد أفراد عائلة ذات خلفية أدبية وثقافية، تنتمي إلى البيت الهاشمي، كما كان جدّه شاعرًا بالعربية الفصحى واللغة الفارسية أيضًا.

أنهى النوّاب دراسته الجامعية في جامعة” “بغداد”، وأصبح مدرسًا، لكنه طُرد من عمله لأسباب سياسية، بعد سنوات من التحاقه بالحزب “الشيوعي” حين كان طالبًا جامعيًا.

عذاب الروح الذي تحدّث عنه الشاعر ليس مقرونًا بالسن مقدار ارتباطه بالتجربة، وحساسية الشاعر المضاعفة تجاه الأمل والحزن، بما يحيي روح الرثاء في أعماله الفنية، فالقصيدة تشتاق أيضًا إلى زمن آخر، ربما لا يحاكي ولا ينسجم مع زمن كتابتها وإلقائها.

“أين ذيّاك الغدير؟  أين ظلي في السواقي ورؤى قلبي تصلي؟ وحصيرٌ كان في الدنيا سريري، أكثير أنني أملك في الدنيا حصيرًا؟!”.

وقبل الشعر، يعكس النوّاب صورة التمسك بالحياة والتعطش لها، ربما لتحقيق اتزان بين ما يعيشه المرء من آمال وأحلام، وما يلقاه من انكسارات وهزائم في المقابل، فباستخدام ملعقة طعام فقط حفر طريق هروبه من سجن “الحلة”، حين كان محكومًا بالسجن المؤبد، بعد إعدام جرى تخفيفه، والتهمة الكلمة والموقف السياسي طبعًا، في بلاد تباهي بشعرائها، لكنها ضاقت بكلمة النوّاب في ذلك الوقت.

وفي عام 1969، صدر عفو بحق معارضي نظام الحكم في العراق، فعاد النوّاب إلى التدريس، قبل أن يغادر العراق متنقلًا بين بلاد وعواصم عدة، مثل سوريا، ولبنان، ومصر، والجزائر، والسودان، وسلطنة عمان، وإرتيريا، وإيران، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة.

وإلى جانب النص الفصيح الذي غلّف الغضب تعدد موضوعات قصائده، كتب مظفّر النوّاب العامّية والشعر العراقي المحكي، وكان نفسه وبذات الوزن والحضور هنا وهناك، فالشعور يختار قالب القصيدة وجمهورها، وربما عمرها، وهذا ما يفسر ربما، مقاومة قصائد النوّاب عامل الزمن، وحضورها المتواصل، سيما المغنى منها أيضًا.

الوطن، والحزن، والاغتراب وتأثيره طالما أن الغربة فرض لا قرار، والحب، والنساء، والهمّ البشري، وخيبة الأمل، والحلم، والفرح، ومحاربة النسيان دون طائل، كلّها محاور ومواضيع سجّلت حضورها في أرشيف النوّاب، دون أن تطغى على بعضها، ودون أن تغطي القيمة الجمالية في إحداها على الأخرى، فالأبعد من وصف الشعور ومحاولة تجسيده أو خلقه، محاولة فلسفته، وتبريره وتفسيره، وربما لهذا قال النوّاب قبل عام تقريبًا “”مُتعبٌ منّي، ولا أقوى على حملي”.

كتب “أبو عادل” في السياسة، وقدّم بصوته ونصّه رفضًا للواقع العربي، والأنظمة السياسية الدكتاتورية التي تديره بالعصيّ والسياط، وتضعف بنيته الداخلية ومكوّنه الاجتماعي بزرع آذان وعيون السلطة بين الناس، ما يفقد البلاد مناعتها ومنعتها أمام عدوان أو غزو، فانتقد الحكام العرب دون أن يستثني، ووضع إصبعه على جرح العربي، ولم يكتفِ بالإشارة فقط، فطوّع الرمزية والوضوح والمباشرة في نص واحد ناصع الهوية، “ولقد أصرف ممنوعًا من الصرف وإن قيل محال”.

إنتاج يعبّر عن نفسه

وللنوّاب مجموعة من الدواوين الشعرية، والكتب التي ناور خلالها في الأسلوب، سيما فيما يتعلق بالشعر المحكي، فبعد اعتماده لهجة الجنوب العراقي التي لم تحقق له الوصول المرجو، لصعوبة فهمها وغناها بغير المألوف من المصطلحات، عاد النوّاب إلى كلاسيكيات اللغة، واعتمدها في أعماله اللاحقة.

تراوح إنتاج مظفّر النوّاب الشعري الموثق بالكتب المطبوعة بين عامي 1996، حين صدر له ديوان “الأعمال الشعرية الكاملة لمظفّر النوّاب”، وعام 2019، حين صدر له “حجام البريس”.

وبين التاريخين صدر عام 2010، “مظفّر النوّاب شاعر الثورات والشجن”، وشارك في تأليف الكتاب أوس داوود يعقوب.

وفي 2008، “للريل وحمد”، بعد عام فقط من صدور “الأعمال الكاملة”.

وكالإنتاج الموسيقي والغنائي، تطغى شهرة بعض القصائد على غيرها، سيما حين يمنحها الشاعر مباركته الصوتية، بما يقربها خطوة إضافية من القارئ الذي سيصيّره الصوت مستمعًا.

ومن أبرز قصائد النوّاب في هذا الصدد، “عبد الله الإرهابي”، و”القدس عروس عروبتكم”، و”ضوضاء”، و”عروس السفائن”، و”وتريات ليلية”، و”قمم قمم” التي وصّفت اجتماعات “القمة العربية” التي تعقدها الدول العربية بشكل دوري، دون أن تخرج بأبعد من بيان ختامي، لا يعالج مشكلة قائمة، أو يقي من أخرى محتملة الوقوع.

الشاعر الثوري، وشاعر الثورات والشجن، و”أبو عادل”، وغيرها من الأسماء والألقاب، أُطلقت على أحد أبرز القامات الشعرية المعاصرة على مستوى الوطن العربي، لكن ما يتذكره الناس بعد ذلك كلّه، مظفّر النوّاب، باعتبار أن الألقاب لا تشكّل فارقًا حين يغدو الاسم نفسه لقبًا وقيمة فنية وجمالية.

وفي “قافية الأقحوان” أيضًا وصف النوّاب المشهد من زاوية القارئ وزاويته أيضًا، لأنه “شاعر عشق وضياء وأغانٍ، شاعرٌ للناس ألا ييأسوا، أحكي، وإن فكّر بعض الناس يحتز لساني”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة