من المحيط الهندي إلى الهادئ.. اتفاقيات تكتب قواعد اقتصاد القرن

الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يتحدث إلى رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، خلال اجتماع ثنائي في قصر أكاساكا في طوكيو- اليابان- الاثنين 23 من أيار 2022 (AP)

ع ع ع

“نكتب القواعد الجديدة لاقتصاد القرن الـ21″، “سنساعد اقتصادات جميع بلداننا على النمو بشكل أسرع وأكثر عدلًا، سنفعل ذلك من خلال مواجهة بعض التحديات الأكثر حدة التي تعرقل النمو “، هذا ما قاله الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في أثناء إعلانه اتفاقيات تجارية مع منطقتي المحيط الهادئ والهندي.

واجه بايدن معضلة بشأن التجارة في آسيا، ولم يستطع الانضمام إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ التي كان سلفه، دونالد ترامب، انسحب منها عام 2017، إذ أصبحت العديد من الصفقات التجارية ذات الصلة، بغض النظر عن محتواها، سامة سياسيًا للناخبين الأمريكيين، الذين ربطوها بفقدان الوظائف.

لأجل ذلك، أطلق بايدن، خلال زيارته الحالية إلى طوكيو، العاصمة اليابانية، صفقة تجارية جديدة مع 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ اليوم، الاثنين 23 من أيار، بهدف تعزيز اقتصاداتها، في حين حذر الأمريكيين القلقين بشأن ارتفاع التضخم من أنه “سيكون عبئًا” قبل أن يشعروا بالارتياح.

يشير إعلان اليوم إلى بدء المحادثات بين الدول المشاركة لتحديد ما سيكون في نهاية المطاف في إطار العمل، لذا فإن الأوصاف في الوقت الحالي طموحة إلى حد كبير، بمعنى أنها طريقة للولايات المتحدة لوضع علامة التزامها بالبقاء قوة رائدة في آسيا.

يركّز الإطار على مزيد من التكامل لاقتصادات المحيطين الهندي والهادئ، ووضع المعايير والقواعد، لا سيما في مجالات جديدة مثل الاقتصاد الرقمي، ويحاول أيضًا ضمان وجود سلاسل توريد آمنة ومرنة، وفقًا لمستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان.

التوقيت وتفعيل الاتفاقية

لا تتعلق فكرة الحاجة إلى معايير جديدة للتجارة العالمية بالاستياء بين الناخبين الأمريكيين فقط، بل تعتبر اعترافًا بالمشكلة التي تسبب بها الوباء في تعطيل النطاق الكامل لسلاسل التوريد، وإغلاق المصانع، وتأخير سفن الشحن، وانسداد المواني، والتسبب في ارتفاع التضخم على مستوى العالم.

أصبحت نقاط الضعف هذه أكثر وضوحًا، في أواخر شباط الماضي، بعد أن أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بـ”غزو” أوكرانيا، ما تسبب في قفزات عالية بشكل خطير في تكاليف الغذاء والطاقة في أجزاء من العالم.

اعترف بايدن، الذي كان يتحدث في مؤتمر صحفي بعد إجراء محادثات مع رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، بأن الاقتصاد الأمريكي يعاني من “مشكلات”، لكنه قال إنها “أقل أهمية من بقية العالم”.

وبمجرد بدء المحادثات، من المتوقع أن تستمر المفاوضات من 12 إلى 18 شهرًا، وهو جدول زمني صارم لاتفاق تجاري عالمي، وفقًا لمسؤول في إدارة بايدن، أصر على عدم الكشف عن هويته لمناقشة الخطط، وأضاف أن بناء توافق داخل الولايات المتحدة سيكون أيضًا أمرًا أساسيًا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء “أسوشيتد برس“.

من الدول الأعضاء

يتكون الإطار من 13 عضوًا، بما في ذلك الولايات المتحدة، وتمثّل هذه الدول 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وهي: أستراليا وبروناي والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا ونيوزيلندا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام.

أكدت الدول في بيان مشترك أن الاتفاقية ستساعدها بشكل جماعي على “إعداد اقتصاداتنا للمستقبل”، بعد تداعيات الوباء والحرب في أوكرانيا، ولا تزال التفاصيل بحاجة إلى التفاوض بين الدول الأعضاء، ما يجعل من الصعب على أمريكا تحديد كيف ستفي هذه الاتفاقية بوعد مساعدة العمال والشركات الأمريكية مع تلبية الاحتياجات العالمية أيضًا.

يقول النقاد، إن إطار العمل به أوجه قصور كبيرة، فهو لا يقدم حوافز للشركاء المحتملين عن طريق خفض التعريفات أو تزويد الموقعين بإمكانية وصول أكبر إلى الأسواق الأمريكية، بحسب ما ذكرته وكالة “أسوشيتد برس“.

وقد لا تجعل هذه القيود إطار عمل الولايات المتحدة بديلًا جذابًا للشراكة عبر المحيط الهادئ، التي مضت قدمًا من دون الولايات المتحدة بعد انسحاب الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، بينما تسعى الصين، الشريك التجاري الأكبر للكثيرين في المنطقة للانضمام إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ.

من يمكنه الانضمام؟

وفقًا للبيت الأبيض، فإن الإطار سيكون منصة مفتوحة، لكنه واجه انتقادات من الحكومة الصينية بأن أي اتفاق يمكن أن يكون عصبة “حصرية” من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في المنطقة.

بالإضافة إلى وجود حساسيات تجاه الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في حين أن تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي، والتي تزعم الصين أنها مقاطعة “منشقة” عنها استثنيت من الانضمام.

يعتبر هذا الاستبعاد جديرًا بالملاحظة، لأن تايوان شركة رائدة في تصنيع رقائق الكمبيوتر، وهي عنصر أساسي في الاقتصاد الرقمي الذي سيكون جزءًا من مفاوضات الاتفاقية.

من المرجح أن إدراج تايوان في الإطار الاقتصادي، كان سيثير غضب الصين. يدعم هذا الاحتمال تصريح مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، الأحد 22 من أيار، إذ قال إن الولايات المتحدة تريد تعميق شراكتها الاقتصادية مع تايوان بما في ذلك قضايا التكنولوجيا وتوريد أشباه الموصلات على أساس “واحد لواحد”.

الركائز والالتزامات

ستتمحور المفاوضات مع الدول الشريكة حول أربع ركائز أو مواضيع، مع تقسيم العمل بين الممثل التجاري للولايات المتحدة ووزارة التجارة، وسيتولى الممثل التجاري الأمريكي محادثات حول ركيزة التجارة “العادلة”.

من المحتمل أن يشمل ذلك جهودًا لحماية العمال الأمريكيين من فقدان الوظائف، إذ أدى دخول الصين إلى “منظمة التجارة العالمية” عام 2001 إلى تسريح عمال صناعيين بشكل كبير.

تسببت خسائر الوظائف هذه في تدمير أجزاء من الولايات المتحدة، وأغضبت الناخبين وساعدت في تعزيز الصعود السياسي لدونالد ترامب كرئيس، والذي انسحب من الشراكة عبر المحيط الهادئ بمجرد أن أدى اليمين الدستورية عام 2017.

ستشرف وزارة التجارة على المفاوضات بشأن الركائز الثلاث الأخرى: مرونة سلسلة التوريد، والبنية التحتية وتغير المناخ، والضرائب ومكافحة الفساد. ثمة تفاصيل إضافية تتمثل في أنه يمكن للبلدان اختيار الركائز التي تريد الانتماء إليها، وليسوا مطالبين بدعم كافتها.

خلال الفترة التي قضاها بايدن في كوريا الجنوبية، سلّط الضوء أيضًا على الاستثمارات في المصانع الأمريكية من قبل شركة “هيونداي” لصناعة السيارات وشركة “سامسونج” للإلكترونيات العملاقة.

السباق مع الصين

تأتي الاتفاقية الجديدة في وقت تعتقد فيه أمريكا أن لديها الأفضلية في منافستها مع الصين. في الأسبوع الماضي، نشرت “بلومبيرغ إيكونومكس” تقريرًا يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنحو 2.8% في عام 2022 مقارنة بـ2% للصين.

قوّض التباطؤ الافتراضات القائلة بأن الصين، التي كانت تحاول احتواء فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) من خلال عمليات الإغلاق الصارمة الأخيرة، ستحل تلقائيًا محل الولايات المتحدة باعتبارها الاقتصاد الرائد في العالم.

وقال مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، جيك سوليفان، إن حقيقة أن الولايات المتحدة ستنمو بوتيرة أسرع من الصين هذا العام، وللمرة الأولى منذ عام 1976، هي مثال صارخ تمامًا على الكيفية التي ينبغي أن تنظر بها دول هذه المنطقة في مسألة الاتجاهات والمسارات.

وصف البيت الأبيض إطلاق الإطار الاقتصادي الهندي والمحيط الهادئ، المعروف أيضًا باسم “IPEF”، بأنه إحدى أكبر اللحظات برحلة بايدن في آسيا، وجهوده المستمرة لتعزيز العلاقات مع حلفاء المحيط الهادئ، من خلال كل ذلك، راقب مسؤولو الإدارة عن كثب القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين في المنطقة.

وصف بايدن، الذي يقوم بزيارة تستغرق خمسة أيام إلى كوريا الجنوبية واليابان، التحالف الأمريكي الياباني بأنه “حجر الزاوية للسلام والازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”، وشكر اليابان على “قيادتها القوية” في الوقوف بوجه روسيا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة