“العجاج” والانهيار البيئي

ع ع ع

إبراهيم العلوش

تجددت عواصف “العجاج” في الرقة ودير الزور وعموم البادية السورية، في الأسبوع الماضي، وأضافت مأساة جديدة للأهالي بالإضافة إلى مآسيهم التي تعد ولا تحصى من نتائج الحرب على السوريين، وقد يبدو الحديث عن التلوث البيئي رفاهية للبعض، إلا أنه بالنسبة للذين يكابدون من نتائجه أكثر من ضرورة.

تأتي هذه العاصفة بعد عاصفة سابقة أتت قبل أسابيع، وقد توفي العشرات ممن سُجلوا في المراكز الطبية وممن لم يُسجّلوا، بالإضافة إلى اختناق المئات ولجوئهم إلى الوصفات الشعبية كتبليل القماش وإغلاق المنافذ وحماية الأطفال خاصة من ذوي الإصابة بالربو والمشكلات التنفسية.

يقول تقرير معهد “ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (سيبري- SIPRI) الصادر قبل أيام، إن العالم على وشك خسارة السلام فيه لأسباب متعددة، منها الحروب وعدم الكفاءة السياسية في مواجهة الأخطار، والانهيار الاقتصادي والانهيار البيئي، ولا يمكن صناعة السلام كما يقول التقرير إلا بحماية الطبيعة والحفاظ على الحياة فيها.

وقد عانى السوريون من هذه الأخطار جميعًا سواء خلال الحرب، أو من خلال تصحر العقول السياسية في النظام السوري واعتمادها على شجرة الطائفية الشوكية في تحليل أسباب الاحتجاجات التي اندلعت في ربيع 2011، وإطلاق أيدي المخابرات، و”الشبيحة”، وضباط المدفعية، والقوات الجوية “البطلة” في تدمير البلاد، بحجة وأد المؤامرة على عرش آل الأسد.

وتصديقًا لعلاقة السلام بالبيئة التي أشار إليها التقرير، فإن إهمال النظام لمكافحة التصحر الذي انتشر في الأرجاء السورية قبل 2011 هو أحد المساهمين في تقويض الأمن، فنزوح حوالي مليون سوري عام 2009 من مناطق الحسكة والجزيرة السورية بسبب التصحر والجفاف ليعملوا في محيط دمشق بالأعمال المؤقتة وغير المنتجة، بعدما كانوا مزارعين وأصحاب قطعان من الماشية، هو ما حوّل هذه الكتلة البشرية إلى قوى فاقدة للأمل في حياة كريمة، بالإضافة إلى هجرة مئات الآلاف باتجاه لبنان والأردن ودول الخليج، ما تسبب بتغيرات اقتصادية أوقفت سلاسل الإنتاج الزراعي، وأثّرت على قطاع البناء والصناعات التحويلية النامية.

أما الحديث عن التشجير والحملات المليونية لزراعة الأشجار المدعومة من المنظمات الدولية، فقد بيّن “العجاج” أنها مجرد أكاذيب و”بروباغندا” يتقن صناعتها نظام الأسد، فـ”العجاج” لم يفارق الجزيرة السورية ولا البادية السورية المهمَلة منذ موجته الشهيرة عام 1928، وكانت مواسمه الربيعية والخريفية بمنزلة خنق جماعي لسكان المدن المنكوبة بهذا “العجاج” الذي لا يزال يتصدّر المشهد في البادية، مع جحافل “داعش” التي انضم إليها الكثير من أبناء الفلاحين الذين جفّت أراضيهم، وصارت “داعش” منتجًا من منتجات التلوث البيئي والسياسي الذي تعاني منه سوريا.

بالإضافة إلى التلوث البيئي، يحذر تقرير معهد “ستوكهولم للسلام” من انتشار التسلح ومن انعدام الأمن ومن تزايد عدد اللاجئين، وهذا كله متوفر في سوريا إلى حد كارثي، ويحذر التقرير السياسيين بأنهم لا يقومون بواجباتهم من أجل وقف تدهور السلام، وهذا يتجلى بوضوح عبر تعامل نظام الأسد باستخفاف تجاه المأساة التي تحل بالبلاد، والاستمرار باعتبارها مجرد مؤامرة يقوم بها الشعب السوري “المتخلف وغير المؤهل للحرية” للتخلص من حكم عائلة الأسد.

أنباء “العجاج” تتداولها وكالات الأنباء الدولية، وتظهر لقطات عابرة من الرقة ومن دير الزور، وتطوي ذكرها إلى أخبار أخرى تاركة الناس يختنقون فيه، نتيجة عدم توفر الكهرباء ووسائل التهوية وانهيار النظام الصحي الذي أسهمت روسيا بتدميره وبجدارة قبل أن ترحّل قواتها إلى أوكرانيا لتبدأ بتدمير جديد، يثبت عظمة قادتها الذين يعيشون في أحلام الماضي.

و”العجاج” لا يقتصر تأثيره على الحياة البشرية، بل يمتد إلى التأثير على الإنتاج النباتي والحيواني ويفاقم المشكلات الاقتصادية، ويخرّب الكثير من البنى التحتية مثل شبكات الكهرباء والأبنية الفقيرة بالإضافة إلى ترحيل التربة الزراعية، وقد يوقف الاستثمار في المناطق التي يجتاحها بسبب التشكيك بجدوى الاستثمار في هذه المناطق. ويستشهد البعض بالصحفي الأمريكي توماس فريدمان، الذي يقول إن المنطقة تم تخريبها سابقًا بالقوى الاستعمارية، وستتكفل قوى الطبيعة والتلوث بتدمير ما تبقى فيها.

إذا كانت الشواطئ تعاني من انتشار القمامات البلاستيكية فيها، وتهدد الحياة البحرية في أعماق البحار، فإن “العجاج” يهدد الحياة البشرية والنباتية والحيوانية، وهو قاتل صامت ليس له ضجيج مثل الصواريخ والبراميل المتفجرة، وينذر بسيول جديدة من النازحين، ومن المهاجرين، تاركين أرضهم التي تحالفت كل عوالم محاربة السلام فيها، من انتشار التسليح، إلى الانهيار الاقتصادي وانعدام الأمن وصولًا إلى التصحر والتلوث الذي يقوده “العجاج” والإهمال في الجزيرة السورية.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة