رجال الدين ومديح الموت

ع ع ع

إبراهيم العلوش

غابت المغفرة والمحبة عن بعض رجال الدين، واستثمروا طوال السنوات الماضية في الموت والوعيد بالعذاب الأليم، وكأنهم يسابقون سلطات المخابرات التي حوّلت حياة الناس إلى جحيم، وجسدت زنازينها نظريات عذاب القبور التي استثمر فيها الكثير من الدعاة من أجل أن يكسبوا المكانة والهيبة في المجتمع.

بعض رجال الدين في الطوائف الإسلامية والمسيحية قاموا بالتحريض على المذابح والترحيل الجماعي للسكان في سوريا، ولعل الميليشيات الدينية الإيرانية أحد أبرز الأمثلة التي تعلن الكراهية للآخر وتطالب بإبادته، وفي حالات التسامح القصوى تقبل بالتهجير من أجل إسكان أفراد الميليشيات الأفغانية والعراقية في بيوت المهجّرين، وبرز في صفوف النظام العديد من الأمثلة على ذلك، مثل العقيد علي خزام ذي المكانة الدينية والرمزية في طائفته، والذي ارتكب أبشع المجازر في دير الزور وفي غيرها، والشيخ شعبان منصور في حمص الذي كان الأب الروحي لميليشيات “النمر” و”شبيحة” سهل الغاب، ويقابله كبار المسؤولين في النظام وصولًا إلى وزير الدفاع الروسي شويغو. وتجاهل الكثير من رجال الدين المسيحي المذابح حولهم، ورفضوا الدفاع عن المحبة التي نادى بها السيد المسيح بحجة الحفاظ على حلف الأقليات، واستخدم النظام عصام زهر الدين في تدنيس المساجد في بداية الثورة علّه يورط الطائفة الدرزية التي رفضت الانخراط في المذبحة السورية.

وفي المقابل، فإن رجال الدين المموّلين من الخليج والذين عملوا كشرعيين في الفصائل المسلحة، كانوا يبجّلون الموت ويمارسونه ضد الآخر، بحجة التكفير، وبحجة تطهير بلاد المسلمين من الكفار، ولم يكتفوا بالوعظ والتحريض على الموت، بل تورطوا في القتل وفي التعذيب، وتبرير القسوة، وتجاهل الضحايا ومشاعرهم ومشاعر عائلاتهم المذهولة من تحوّل رجل الدين عن المغفرة، والرحمة، والتحية بالسلام، إلى مجرد تابع لحملة السلاح و للممولين في الخليج وفي غيره من البلدان التي تعج بالأفكار السلفية المختلطة بادعاء النقاء العرقي للعرب، ومن أبرز أهوالهم المذابح التي ارتُكبت ضد الكرد في الشمال السوري أيام “داعش”، وبشكل جنوني، ضد مسلمين سنة ولكنهم ليسوا عربًا، واكتفوا باتهام كل الأكراد بأنهم شيوعيون وكفار، وما إلى ذلك من “البروباغندا” المألوفة في ذلك التنظيم الديني الوحشي وأمثاله التي تتعاطف مع طروحاته.

وهذه المأساة ظهرت أيضًا عند عدد من رجال الدين من الطوائف المسيحية، فالأب كيريل بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، أرسل مبعوثه الذي ظهر في العام 2015 ليبخّر الطائرات الروسية وهي تنطلق لتدمّر المدن والقرى، والمستشفيات والمدارس، في كل أنحاء سوريا المتمردة على نظام الدكتاتور الفاسد. وهو الآن يوافق على تدمير أوكرانيا التي لها نفس الدين ونفس الطائفة، ولكن النفاق والخوف من بوتين هو ما يجعله يتجاهل المحبة في الدين المسيحي، وينخرط في حروب التدمير الوحشية سواء في سوريا أو في أوكرانيا، خاصة أنه كان مع بوتين في جهاز “الكي جي بي” أيام الاتحاد السوفييتي.

وعلى عكس البطريرك السابق نصر الله صفير، تجاهل البطريرك اللبناني بشارة الراعي مأساة السوريين، ولم يلتفت إليهم بالمحبة ولا بالدعوة لوقف القتل العلني الذي يمارسه نظام الأسد ضدهم، بل تميز في دعم حليفه حسن نصر الله الذي كان يباهي بالمجازر التي يرتكبها في سوريا بحجة الدفاع عن المقامات الدينية الشيعية في سوريا. وحتى بعد انفراط عقد التحالف مع “حزب الله”، فإن البطريرك لم ينظر إلى السوريين في لبنان نظرة إنسانية تليق بممثل دين المحبة بكل أسف، ولا يزال مع حليفه الآخر الرئيس ميشال عون يدعوان إلى إعادة السوريين إلى مغارات المخابرات السورية التي حوّلت عشرات الألوف منهم إلى القبور في مختلف المعتقلات السورية.

هذا التطرف الديني والمذهبي الذي ارتكبه بعض رجال الدين تسرّب إلى تفكير المؤمنين الصغار، وصار عقيدة عند الكثير منهم، فإذا مات أحد يسألون أولًا هل هو كافر أم لا، وهل يحق الترحم عليه؟ وكأنهم ممثلو رب العالمين على الأرض، وهذا ما أحال حياة الناس إلى دوامة من التطرف، أو الخوف من المتطرفين، الذين غالبًا ما يتسمون بالعنف، وبالقدرة على إلغاء الآخر بجرة قلم، أو بتصريح على مواقع التواصل الاجتماعي. والأمثلة على ذلك كثيرة اعتبارًا من الترحم على شيرين أبو عاقلة، والترحم على بعض الدعاة المناهضين للتطرف، وصولًا إلى الترحم على الأب باولو، ما شكّل مستنقعًا آسنًا للتطرف والعنف علقت فيه العقول والمشاعر، وغاب التسامح والقبول بالآخر المختلف مهما كان ذلك الاختلاف صغيرًا أو كبيرًا.

البذرة التي زرعها عدد من رجال الدين المستهترين بالمجتمع والحياة الإنسانية، تنامت واحتلت الكثير من العقول، وصار التخلص من تأثيرها شديد الصعوبة، فالمجتمعات التي مرّت عليها “داعش” أو “النصرة” أو “أحرار الشام” لا يزال بعضها يردد الكثير من ادعاءاتهم، ومن دعواتهم إلى العنف والتكفير، ولا يزال الكثير من السوريين يعانون من الكراهية التي يحرّض عليها حسن نصر الله ضدهم، وهو يعلن بأنه تابع إيراني ينفذ تعليمات المرشد خامنئي، بالإضافة إلى التجاهل والاحتقار الذي يعاني منه السوريون لمجرد كونهم لاجئين.

الآن أوشكت الحرب على الانتهاء، فهل تنتهي مقولات الكراهية والموت والدعوة إلى إلغاء الآخر جسديًا ومعنويًا، وهل يستطيع رجال الدين لجم المتطرفين منهم وإرغامهم على التوقف عن نشر الكراهية والتغني بالموت، وإعادة قيم السلام والغفران التي اشتهر بها الإسلام، وقيم المحبة التي اشتهرت بها المسيحية، أم أن الحرب لا تزال مستمرة، وانتقلت من حملة السلاح إلى حفظة الفتاوى المتطرفة، التي تدعو ليل نهار إلى قتل هذا، أو إلى عدم الترحم على ذاك، وتتجاهل مشاعر الناس، وحاجتهم إلى السلام الذي كان عنوانًا دائمًا للتحية في الإسلام وفي المسيحية؟



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة