حق الإجهاض وحق الموت

ع ع ع

إبراهيم العلوش

يتفاعل التسريب الذي نشرته صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية، والذي يتعلق بمحاولة أعضاء من المحكمة الدستورية العليا منع الإجهاض الذي صار قانونيًا وحقًا للنساء في حكم يسمى قانون “رو ضد ويد”. ولكن ما علاقتنا بمثل هذا التسريب وذلك التفاعل، في أوضاع تطالب بحق الموت لكل امرأة قد تتحكم بجسدها؟

في عام 1973، فازت امرأة أمريكية بحكم قضائي ضد المدعي العام الذي منعها من حق الإجهاض، وطالبت المحكمة العليا بأن تعترف لها بحق التصرف بجسدها، وفازت بذلك الحكم التاريخي الذي حمى النساء الأمريكيات الفقيرات من الاستغلال عند إجراء الإجهاض.

اليوم، وبعد أن وضع الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، أعضاء يمينيين في المحكمة العليا وجعلهم أغلبية، يفكرون بتقييد حرية النساء في الإجهاض، اندلعت التظاهرات التي تطالب فيها النساء الأمريكيات باستمرار حق التحكم بأجسادهن، وحق اتخاذ قرار الإجهاض إذا كان الجنين غير مكتمل الحياة، ويتسبب بمضايقة المرأة أو وضعها في سياق اجتماعي لا تختاره، فالتظاهرات تطالب بالحق الفردي للمرأة، وعدم تدخل الأوساط السياسية والاجتماعية في هذا القرار لأنه يخصها وحدها.

والإجهاض معروف عند كل الشعوب، وفي مختلف الأزمان، وتستطيع النساء اللجوء إليه سرًا في كل وقت، ولكن القانون الأمريكي وضع الإجهاض كحق شخصي وقانوني للمرأة، ومنع مافيات الإجهاض السري والاستغلال الطبي والمالي للنساء الراغبات أو المضطرات للإجهاض.

وقد عرفت الشعوب النباتات والأعشاب المسببة للإجهاض، والحركات العنيفة والمدروسة التي تسببه، والسوائل الكيماوية التي يتم تداولها سرًا وعبر الصيدليات، أو عن طريق مدعي الطب الذين ينهشون المرأة ويستغلونها أبشع استغلال، وخاصة إذا كانت فتاة صغيرة وتخشى من إيذائها أو قتلها على يد ذويها حتى ولو كان هذا الحمل جاء عبر الاغتصاب.

تبدو التظاهرات بالنسبة للنساء في بلادنا نوعًا من الرفاهية أو من الأحلام التي لا تنالها نساؤنا المطالبات بحق الإجهاض القانوني والشرعي، فالعائلة تعتبر أن جسد المرأة هو تعبير عن شرف الأهل والقبيلة وربما أبناء القرية والجيران، وليس جزءًا شرعيًا من الفتاة أو المرأة، إذ تبدأ العيون تنهش جسدها منذ فترة بدء النضج الجسدي في مرحلة المراهقة، وتتحول من كائن ذكي ومحبوب، إلى كارثة عائلية لدى الكثير من الأهالي، وتنبثق قوات الردع والمراقبة والمحاسبة بحق الفتاة بحجة إعانتها على تجاوز الصعوبات ومنع الاعتداء عليها، ولكن في الحقيقة، الكثير من الاعتداءات تتم من هؤلاء الأقارب كما تبيّن نسب ارتكاب جرائم الاستغلال الجنسي والاغتصاب، ويتوجه الكثير من دعاة الحماية بالنصائح الملغومة لحصول المرأة على السلامة عبر الزواج من هذا القريب أو ذاك الصديق، حتى ولو كان لا يناسب عمرها أو لا يناسب ميولها في الحياة التي لا تزال تتشكّل، ولم تنضج بشكل حر وبعيد عن الضغوط والتخويف.

وقد ازداد الطامعون بجسد المرأة بعد مأساة الحرب واللجوء السوري داخل البلاد وخارجها، فحواجز النظام ومعتقلاته زادت من نسبة الاغتصاب، وكذلك ظروف اللجوء وحراس المخيمات ومقدمو المساعدات الذين يستغل بعضهم النساء، بالإضافة إلى شرعيي استغلال المرأة وتكريس جسدها كلذّة شرعية متاحة!

قالت امرأة أفغانية لقناة “بي بي سي”، أشعر بأن مجرد كوني امرأة يعتبر جريمة!

فحركة “طالبان” مثل الكثير من التنظيمات المتطرفة، تتلاعب بالنساء وتفرض عليهن المزيد من القيود، فهي تمنع حق التعليم لهن حينًا، وتمنع الخروج باللباس الشعبي، وتفرض “الشادور” عليهن، أو تمنعهن من العمل، وذلك وفق مشيئة مجموعة من الرجال المسلحين بالبواريد وبالفتاوى الصدئة وبالقيم القبليّة التي تتيح لهم التلاعب بالبشر وبالنساء خاصة.

وقد كان تنظيم “داعش” رائدًا في التلاعب بالنساء، وفرض المزيد من القيود عليهن في سوريا لإجبارهن على الزواج من حملة السلاح ومن المشايخ الذين يقبضون ثمن تزويرهم الحقائق والأحكام الشرعية، وتقديم دولة “داعش” كجنة جنسية، وفي الحقيقة كانوا يستمتعون باغتصاب أجساد اللاجئات وإكراه الأرامل والمحتاجات من النساء.

وفي ظروف الحرب، عاد الحس القبلي الجاهلي بكل أبعاده، وهو فكر يستغل أجساد النساء، فالقبيلة تشهر سلاح النسب النقي الذي لا يتحقق إلا بفرض السيطرة التامة على أرحام النساء، ووضع الشروط على مواصفات من يتزوجهن، ويحافظ على النقاء المزعوم للأنساب حتى ولو تزوجت فتاة مراهقة من شيخ على حافة قبره. والإجهاض لا يُسمح به إلا إذا كان الزوجان يريدان التخلص من الحمل بأنثى، وقد تفاقم هذا الإجهاض المرضيّ عنه بعد دخول أجهزة “الإيكو” خلال العقود السابقة، التي تساعد على التنبؤ بجنس الجنين.

يومًا بعد يوم تتكاثر مظاهرات النساء الأمريكيات ضد إلغاء حق الإجهاض الشرعي والقانوني، وتقبع نساؤنا في أقبية المنع والتضييق ومصادرة الحق في امتلاك أجسادهن، واختيار من يتزوجن، ويخضعن للابتزاز من قبل شبكات الإجهاض السري التي تُدار بمافيات من النصابين، ومن بعض الأطباء والممرضين الذين يُثرون بعمليات الإجهاض غير القانونية، ويبتزون الضحية حتى آخر شيء تمتلكه، ولو وصل الأمر ببعضهم إلى الاستغلال الجسدي للنساء.

عبر التهديد بالموت والفضيحة، يستمر التحكم بجسد المرأة وبخياراتها في الحياة، ويستمر الكثير من الرجال في استغلال أجساد نساء خائفات ومستسلمات لسطوتهم الدينية أو لقدراتهم الاقتصادية والعائلية وبأشكال متعددة من الترهيب، على عكس النساء في الطرف الآخر من العالم، اللواتي يتظاهرن كل يوم من أجل امتلاك أجسادهن وحرية التصرف بها، وضد إعادتهن إلى أجواء الخوف والاستغلال التي تغرق فيها الكثيرات من نسائنا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة