مأساة عائلة سورية في المهجر

ع ع ع

إبراهيم العلوش

لم تمت عائلة راكان الديري في سيارة تهريب، أو في الغابات، أو في البحر الذي ابتلع أعدادًا هائلة من السوريين. ماتت العائلة خنقًا في إحدى أشهر المدن الفرنسية، ستراسبورغ التي تحتوي على البرلمان الأوروبي وعلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

صباح الاثنين 13 من حزيران الحالي، استيقظ السوريون في ستراسبورغ وفي كل فرنسا على مأساة موت عائلة سورية خنقًا بدخان حريق في شقتها، قال الجيران إنهم حاولوا إنقاذهم لكنهم لم يستطيعوا فتح الباب، ولم تستجب سيارات الإسعاف و”البوليس”، حتى كانت الوفاة المفجعة لكل العائلة المؤلفة من راكان وزوجته صفاء فرزات وطفليهما، لقد اختنقوا بالدخان في الخامسة من صباح ذلك اليوم.

السوريون في فرنسا أبدوا تعاطفًا كبيرًا مع العائلة المنكوبة، وبدأت عروض التبرعات والمساعدة والاستفسار عن تفاصيل الدفن والتحقيق والسؤال عن أقارب العائلة المنكوبة في ألمانيا وتركيا والحسكة، ما يعيد التفاؤل ويرد على مقولة “السوريون لا يتضامنون مع بعضهم في الغربة، على عكس الأتراك والمصريين مثلًا”. ورد الفعل هذا يؤشر على إمكانية بناء تجمعات سورية في المهجر تربط بين السوريين رغم كل الاختلافات بينهم.

جاءت عائلة راكان الديري من ريف الحسكة في الجزيرة السورية بالقرب من الشدادي، وعمل راكان في السعودية حيث كان طبيب أسنان في الخمسينيات من عمره. وقد وصل مع عائلته إلى فرنسا قبل عامين هاربًا من جحيم الحرب ومن جحيم الكفلاء السعوديين الذين تحول كثير منهم إلى نخاسين وتجار بشر.

لم يستطع راكان خلال السنتين الماضيتين تجاوز مشكلة اللغة ولا القدرة على العمل بسبب التعقيدات الإدارية والإجراءات التي تكاد لا تنتهي، في الأوراق وفي السكن، فرُميت العائلة المنكوبة في بناء قديم بأحد الأحياء التي تعج بالفقر والفلتان، كما قال الكثير من الساكنين في حي نوهوف الذي يحوي أعدادًا من المهاجرين واللاجئين والأجانب وعصابات التهريب، وقد أورد الكاتب السوري علي سفر في نعيه للعائلة ما تعرضت له ابنته وعائلته في ذلك الحي من مضايقات وسرقة، وكأن هذا الحي يقع خارج فرنسا، وقد أكد ذلك عدد من الفرنسيين وسكان الحي في أثناء المقابلات التلفزيونية المتعددة التي تدفقت بعد الحادث الأليم.

كان يوم الاثنين ذاك هو اليوم الأخير الذي يحق للعائلة السكن في تلك الشقة، وكان يجب عليهم مغادرتها بسبب إنذار من الجهة المشرفة على العائلة، ولكن المغادرة كانت عبر الموت الفاجع لرجل وامرأة وطفلين، إذ لم يسمع أحد أصوات استغاثتهم وهم يختنقون في دخان الحريق، الذي تقول التقارير الحالية إنه ناتج عن تماس كهربائي بسبب قِدم الشقة وإهمال صيانتها من قبل الجهة المالكة لها.

الحادث المفجع حصل قبيل الانتخابات التشريعية التي تنتهي في 19 من حزيران الحالي، وكان للانتخابات والتحضير أثر سلبي على اللاجئين، إذ تصاعد صوت اليمين المتطرف على شكل جوقة من العنصريين الذين يكنّون الاحتقار لكل ما هو جديد في هذا المجتمع، وكل ما هو مختلف، ويزعمون بأن اللاجئين والأجانب هم سبب تخلّف الأوضاع الاقتصادية في فرنسا، علمًا أن معظم الأعمال اليومية يقوم بها الأجانب، وخاصة في قطاع البناء، وفي قطاعات الخدمات التي تعتمد على الأجور الرخيصة للأيدي العاملة الشابة من الأجانب.

الدكتور راكان ليس الطبيب الوحيد الذي لم يتمكن من ممارسة مهنته، بل إن كثيرين من زملائه السوريين اضطروا للعمل الشاق في التوصيل أو خدمة المطاعم وغيرها من الأعمال التي تُركت للأجانب. ويعاني السوريون مثل غيرهم من عدم تقدير كفاءاتهم العلمية والمهنية بسبب حاجز اللغة بشكل رئيس، وبسبب نمط العمل ومتطلباته التي لا يلم بها الأجانب في أوروبا، فتجد مثلًا وزير الاتصالات السابق في أفغانستان يعمل في توصيل “السندويش” في ألمانيا كما أورد موقع “DW” الألماني.

لا شك أن ظروف المهجر الأوروبي أفضل بكثير من حياة اللجوء في تركيا وفي المخيمات وفي الدول العربية، وقد تمكن الكثير من أصحاب المهن اليدوية والحرفية من الاندماج في العمل، بالإضافة إلى أصحاب رؤوس الأموال السوريين الذين يستثمرون في أوروبا، أما أصحاب التعليم الجامعي والعالي فقد كانت خيبتهم كبيرة بعدم القدرة على العمل بكفاءاتهم العالية، خاصة أن سوق العمل تتطلّب مؤهلات محلية، بالإضافة إلى الإجادة التامة للغة، مثل مجال التعليم ومجالات المحاماة والطب والهندسة، ذلك الثالوث الذي امتص معظم الأجيال السورية المتعلمة.

وقد وجد السوريون من أبناء الطبقة المتوسطة والمتعلمين أن تقييمهم في بلاد اللجوء لا يتعدى الطبقة العاملة، ولا تُعرض عليهم إلا الأعمال الشاقة والفنية التي ينقصهم التأهيل فيها، وينقصهم التدريب الجسدي على أدائها. وظل معظمهم يعيش على المساعدات رغم ما يسببه ذلك من اكتئاب وعوز نسبي، لكن البعض يعتبر نفسه محظوظًا بالمساعدات، لأنه يحسبها على الليرة السورية، ويقارن وضعه الجديد بأوضاع السوريين في الداخل وفي المهاجر التركية واللبنانية والأردنية، ما يعطيه ارتياحًا وثقة زائفة بالنفس.

لقد عانت عائلة راكان من الاختناق بالدخان، كما عانت من الاختناق بالأوراق، وبعدم إعادة التأهيل المتناسب مع إمكاناتها، وتحوّل اللجوء في بلاد الحلم الأوروبي إلى قبر ملون بدخان الحريق الأسود الذي تتطاير في أرجائه كتل الرماد، ولم يترك الحريق ذكرى ولو صغيرة من مسيرة العائلة التي تكللت أخيرًا بالحزن في قلوب السوريين.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة