سعد الله الجابري.. الذي أوصى السوريين بالحفاظ على جمهوريتهم

رئيس وزراء سوريا الأسبق سعد الله الجابري- (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

تملك عدة شخصيات تاريخية سورية الأثر الفاعل في المواقف الوطنية الثابتة، وأساس الحكم والذي يتمثل بتولي تلك الشخصيات المناصب الحكومية مثل رئاسة الوزراء والوزارات ورئاسة مجلس النواب السوري، ومن ضمن تلك الشخصيات سعد الله الجابري، الذي شغل مناصب سياسية مهمة، حتى وصل إلى رئاسة الوزراء في سوريا خلال المدة بين عامي 1943 و1947.

وتعد عائلة الجابري من العائلات المتنفذة والمهمة في مدينة حلب، حيث لعبت دورًا بارزًا في الجانب الاجتماعي والسياسي في سوريا، إذ امتلكت أراضٍ زراعية كبيرة، بحسب كتاب “أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريا” للكاتب السوري بدر الدين السباعي (صفحة 225).

حكومة الملك فيصل وميلاد “الكتلة الوطنية”

وفي عام 1912، انضم سعد الله الجابري لصفوف “الجمعية العربية الفتاة”، وكان هذا الانضمام بمثابة بداية حياته الفكرية ومجرى عمله السياسي، إذ كان من أبرز أعمال الجمعية هو عقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، وحضر حينها أبرز السياسيين العرب للتشاور في توحيد الجهود لاستقلال الدول العربية عن الدولة العثمانية، وفق ما نشره موقع “التاريخ السوري المعاصر”، إذ أسهمت الجمعية في الثورة العربية الكبرى، واشترك أعضائها في الحكومة العربية في دمشق بزعامة الملك فيصل.

وكان سعد الله الجابري أحد أعضاء الجمعية المشاركين في حكومة فيصل بن الحسين، الذي تمكن من تأليف أول حكومة منتخبة في تاريخ سوريا عام 1918.

وبعد انتهاء فترة الدولة العثمانية، كان الجابري ضمن أعضاء المؤتمر السوري العام الأول عام 1919، بوصفه نائبًا عن مدينة حلب، وشملت مطالب ذلك المؤتمر استقلال ووحدة الأراضي السورية، وإلغاء التجزئة المصطنعة لسوريا، وإنهاء التواجد الأجنبي على الأراضي السورية، إلا أن ذلك لم يتحقق مع بداية الانتداب الفرنسي لدمشق وبيروت، الذي عارضه الجابري داعمًا الفصائل العسكرية والثوار المتصدين للفرنسيين.

وفي عام 1927، نظّم سياسيون في سوريا ولبنان “مؤتمر بيروت” الذي ترأسه هاشم الأتاسي وضم شخصيات سورية بارزة مثل عبد الرحمن الكيالي، وسعد الله الجابري.

وبعد انتهاء المؤتمر، أصدر المجتمعون بيانًا مذيلًا بأسمائهم وتواقيعهم، مؤكدين فيه انتهاء مرحلة الكفاح المسلح والبدء بمرحلة الكفاح السلمي، واعتبر هذا المؤتمر إيذانًا لميلاد “الكتلة الوطنية” عام 1928 التي انتسب الجابري إليها.

واُنتخب في هذا المؤتمر هاشم الأتاسي رئيسًا للكتلة، وإبراهيم هنانو وفارس الخوري نائبين لرئيس المجلس، وجميل مردم سكرتيرًا وشكري القوتلي أمينًا للصندوق، وسعد الله الجابري وعفيف الصلح عضوين.

“الكتلة الوطنية” هي ائتلاف أحزاب سياسية أنشأه إبراهيم هنانو، في العام 1928، بهدف النضال لنيل الاستقلال السوري من الانتداب الفرنسي.

شاركت “الكتلة الوطنية” في الانتخابات التأسيسية البرلمانية لعام 1928، وكان سعد الله الجابري أحد النواب الفائزين عن مدينة حلب، وبموجب نتائج هذه الانتخابات، صار الجابري عضو في الجمعية التأسيسية السورية، كما كان أحد أعضاء اللجنة المختصة لوضع مشروع الدستور السوري برئاسة إبراهيم هنانو.

اقرأ أيضًا: كيف كانت الحياة السياسية في سوريا قبل الوحدة مع مصر

مهام العمل الوزاري

شغل الجابري ثلاثة مناصب وزارية خلال ممارسته العمل في السلطة التنفيذية، ما بين عامي 1936 و1947، وتوزعت مناصبه بين وزارتي الداخلية والخارجية ووزارة الدفاع، إلا أنه برز دوره بشكل واضع في الخارجية والداخلية.

حققت “الكتلة الوطنية” في عام 1936 فوزًا ساحقًا، وقد تم انتخاب هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية، وفارس الخوري رئيسًا لمجلس النواب، وكُلف جميل مردم بتشكيل حكومة وطنية، وكان سعد الله الجابري وزيرًا للداخلية والخارجية في تلك الحكومة.

واجهت الحكومة عدة صعوبات ومشكلات سواء كانت داخلية أو خارجية، أحاطت بها، إذ دعمت سلطات الانتداب الفرنسي عدة نشاطات ذات طابع تمردي أفشل حكومة حميل مردم.

وفي 1939، تم الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة من قبل المندوب السامي الفرنسي، مارس الفرنسيون من خلالها الحكم العسكري المباشر، عن طريق تأجيل جلسات المجلس النيابي السوري، وتعطيل الدستور السوري، وتم إلصاق تهمة قتل السياسي عبد الرحمن الشهبندر بأعضاء “الكتلة الوطنية” شكري القوتلي، وجميل مردم، وسعد الله الجابري، ولطفي الحفار، والذين غادروا إلى بغداد، قبل تنفيذ مذكرة القبض عليهم.

بعد ذلك تغيرت الحكومة، وتسلم الجابري وزارة الخارجية والدفاع بين عامي 1945 و1946.

اقرأ أيضًا: شكري القوتلي.. رئيس سوريا الجدلي

رئاسة الحكومات الثلاث

في منتصف عام 1943 دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، إذ أجريت انتخابات في جميع المدن السورية، إلا أن تلك الانتخابات لم تخل من الاشتباكات بسبب التنافس الانتخابي.

وبعد الانتهاء من الانتخابات، عهد الرئيس شكري القوتلي إلى سعد الله الجابري رئيسًا للحكومة وللخارجية، ولطفي الحفار وزيرًا للداخلية، وخالد العظم وزيرًا للمالية، ونصوح البخاري وزيرًا للدفاع، وحسن جبارة وزيرًا للاقتصاد.

وفي عام 1945، تكونت حكومة سعد الله الجابري رئيسًا لها ووزيرًا للخارجية والدفاع، كما تألفت من لطفي الحفار وزيرًا للداخلية، ونعيم الأنطاكي وزيرًا للمالية والأشغال العامة، وصبري العسلي وزيرًا للعدلية والمعارف، وجسن جبارة وزيرًا للاقتصاد والإعاشة.

وتشكلت حكومة سعد الله الجابري الأخيرة في 1946، وكان فيها خالد العظم وزيرًا للعدلية، ونبيه العظمة وزيرًا للدفاع، وصبري العسلي وزيرًا للداخلية، وأحمد الشرباتي وزيرًا للمعارف، وميخائيل اليان وزيرًا للأشغال العامة، وأدمون الحمصي وزيرًا للمالية، واستمرت هذه الحكومة لمدة ثمانية أشهر فقط.

وظهرت في هذه الحكومة قضايا جديدة على الساحة الوزارية، وهي قضية فلسطين والدفاع عن أراضيها ضد الكيان الصهيوني، والاهتمام أكثر بالقضايا العربية.

سافر الجابري خلال حكومته الثالثة لمصر، من أجل حضور اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، وهناك أصيب بمرض عضال قاتل جسد الجابري، وتأزمت صحته، حيث كان يعاني من تشمع بالكبد ويبوسه، وداهم الموت جسده يوم 20 من حزيران 1947.

وبحسب كتاب “ذكرى سعد الله الجابري” للكاتب السوري أحمد الجندي، فإن الجابري أوصى وصيتين، الأولى إلى الشعب السوري، حيث قال “وصيتي إليكم أيها السوريون المحافظة والسهر على استقلال البلاد والتمسك بالنظام الجمهوري الرشيد القائم فيها”، وكانت الثانية بأن يدفن بالمدينة المنورة، لكن أصرت عائلة الجندي على مخالفة الوصية ودفنه في مسقط رأسه حلب.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة