بين رابعة الزيات ومحمد قنوع

ع ع ع

نبيل محمد

كثيرًا ما تضع الإعلامية اللبنانية رابعة الزيات في برنامجها “شو القصة؟” على شاشة تلفزيون “لنا” ضيوفها في مواقع غير متناسبة مع حجمهم الفني، ومع مستوى وعيهم وثقافتهم وانفتاحهم، بطريقة تشبه مقدماتها العصماء والشعرية التي تقدّم عبرها ضيوفها، والتي أيضًا لا تتناسب مع حجومهم وشهرتهم، بل تشكّل أحيانًا صدمة للجمهور عند معرفة الشخصية التي سيشاهدون اللقاء معها.

في لقائها الأخير مع الممثل السوري محمد قنوع، الوجه الذي يصعب على الجمهور السوري معرفة دور محدّد بعينه له، باستثناء معرفتهم بحضوره المكرر في لوحات مسلسل “مرايا” بمواسمه المتعددة، إضافة إلى أدوار ثانوية كرّست وجهه على الشاشة، ولم تكرّس دورًا محددًا يمكن أن يرسخ في الذاكرة له. لا يعيب أي فنان ذلك، فليس مطلوبًا من جميع الفنانين أن يكونوا نجومًا معروفين بأدوار راسخة، قادرين على تقديم الجديد بين عمل وآخر، إلا أن الحضور في برنامج رابعة الزيات كفيل بإظهار المثالب والعيوب. لا ينبع ذلك من قدرات المقدّمة الخارقة على توريط ضيوفها، فهي متورّطة قبلهم بمواقف وآراء وتصريحات لا تضعها في مرتبة متقدّمة على أغلبية ضيوفها، إنما مصدره محاولة خلق إثارة في غير مكانها، وسوء فهم للضيف. علّ ذلك يبرز جليًا في تسخير أكثر من نصف المقابلة مع قنوع، للحديث عن قضايا متعلقة بحرية المرأة، والمثلية الجنسية، وزواج الأديان المختلفة.

كما هو متوقع، سيحاول قنوع تجميل مواقفه بالحيادية، وسيرفض تزويج ابنته من مسيحي، وسيرى المثلية الجنسية “مرضًا بحاجة إلى العلاج”، وسيجد أن الخيانة التي يقوم بها الرجل، تقع مسؤوليتها على عاتق المرأة بالدرجة الأولى، بل وسيؤيد الزواج المبكّر ثم يتراجع قليلًا عن ذلك. سيجد “النعر” مختلفًا عن الضرب، وسيرفض الزواج المدني، وسيتحدث عن غريزة الرجل التي قابلها نص قرآني سمح له بالزواج من أربع نساء.

مواقف وجمل متعددة ومتتالية طرحها الفنان، لا تثبت أي شيء سوى عمق ارتباطه ببيئته التقليدية المحافظة من جهة، وسوء الموقع الذي وُضع به من قبل مقدّمة برامج استغلت الجانب الديني المحافظ في شخصية ضيفها، لتسأله عن كل ما هي متأكدة قطعيًا بأنه ضده، فتكسب مادة “سكسي” يمكن أن تصبح حديثًا وفيديو مكررًا في فضاءات “السوشيال ميديا”، مع أن هذه المادة في النهاية هي ليست سوى مجرّد لقاء مع ممثل بحجم محمد قنوع.

“أنا فنان لا أفهم بالسياسة”، لا يجد قنوع أي مشكلة في التعبير عن جهله، وقلة معرفته، التي ستنتج في نهاية المطاف جهلًا مضاعفًا بأن يطالب بفصل الفن عن السياسة، ويصف مواقف زملائه الفنانين الذين أعطوا رأيهم السياسي بأنها مواقف خاطئة، فعلى الفنان ألا يتدخّل بالسياسة، معتبرًا أن قدوته في هذا السياق هو الفنان ياسر العظمة الذي وصفه بأنه صديقه وأخوه الكبير ووالده ومعلمه، ويأتي في المرتبة الثالثة بعد الله وأبيه. ولعلّه لم يقتدِ به في قضية عدم التدخّل في السياسة فحسب، بل أيضًا بشكل الحياة الاجتماعية الذي انتقاه، وبعزل أسرته عن الوسط الفني، حسب تعبيره، والعيش كشخصية محافظة تعمل في الفن، وترفض إلى حدّ ما الانفتاح المرافق للعمل في هذه المهنة، إن كان وصف الانفتاح مناسبًا أصلًا عند الحديث عن الوسط الفني في سوريا.

“أنا مع سوريا، وأنتمي للدولة السورية”، بتلك الجملة عبّر قنوع عن ابتعاده عن السياسة، وعن جهله بها أصلًا، مع العلم أن هذه الجملة، تحمل تعبيرًا عن موقف حاسم لا رجعة عنه، إذ لم يقلها إلا أولئك الذين أتبَعُوها بجملة: “اضرب بيد من حديد يا سيدي الرئيس”، أو إحدى الجمل الشبيهة المعبّرة عن تأييد الأسد وجيشه وعملياته العسكرية. لا يحتاج أي فنان سوري يريد أن يتجنّب النفاق المعلن، ويضمن في الوقت ذاته موقعه من “الدولة”، سوى أن يقول “أنا مع سوريا، وأنتمي للدولة السورية”، جملة تشعر أن الفنان بعدها سيغمز بعينه ويبتسم، وسيرد بشار الأسد له الغمزة بمثلها.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة