حمص.. قبضة إيرانية تتحكم بأملاك تدمر بعد تنظيم “الدولة”

قوات إيرانية في سوريا (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

تكررت البيانات العشائرية التي تحذر من سطوة إيران النافذة على المدن الكبرى والبادية السورية، ولا سيما مدينة تدمر شرقي محافظة حمص وسط سوريا.

وعلى مدار سنوات، سعت إيران للسيطرة على مدينة تدمر وبسط نفوذها على مساحات المدينة المترامية الأطراف جغرافيًا، حتى أحكمت قبضتها على معظم مقدرات مدينة تدمر، وضمّت بعض التجمعات السكنية والمنازل والمواقع الأثرية لصالحها.

وعبر قوى محلية ترفع راية إيران وتهدد بسلاحها، متبعة أساليب الترهيب والترغيب، استطاعت طهران فرض نفوذها بشكل واسع في تدمر.

العشائر تحذّر من إيران

في 14 من تموز الحالي، اجتمع ديوان “مجلس عشائر تدمر والبادية السورية” برئاسة، بدر عذاب، وشددوا على ضرورة التصدي للمد الإيراني في المنطقة وأتباع الميليشيات الإيرانية، والوقوف في وجه التغير السكاني الذي تعمل عليه الميليشيات الإيرانية في مدينة تدمر ومحيطها.

وأكد المجلس الاستمرار بفضح النظام وميليشياته وعملائه ودورهم بتهجير الأهالي وحصار المنطقة وتجارة المخدرات فيها.

بيان المجلس الذي نادى بضرورة التصدي لإيران، سبقه إصدار “مجلس العشائر”، بيانًا في 23 من حزيران الماضي، حول استحواذ إيران للمدن الكبرى في سوريا والبادية، والاستحواذ على عقاراتها والسيطرة على مفاصلها بالترهيب أو الترغيب.

وأكّد البيان سعي إيران منذ خمس سنوات لنيل مكاسب في تدمر، وعملها على توطين عائلات ميليشياتها المقاتلة في هذه المناطق، واستيلائها على مئات البيوت والأراضي.

وأشار البيان إلى سعي إيران، من خلال شخصيات إيرانية أو موالية لها، إلى استملاك العقارات أو مصادرتها أو شرائها، مستغلة القوانين التي شرعها النظام السوري، لتزيد من خطر ضياع حق السكان في ممتلكاتهم.

البيان أكد محاولات إيران منذ عام 2017، بناء علاقات مع بعض شيوخ العشائر بهدف كسب ود أبناء المنطقة، وقد نجحت مع البعض منهم وفشلت مع الغالبية.

وشهدت المنطقة تحركًا إيرانيًا غير مسبوق وانتشارًا متزايدًا لعناصرها، بالتزامن مع انشغال روسيا بغزو أوكرانيا منذ 24 من شباط الماضي، ومنها استيلاء “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري الإيراني”، على “اللواء 47″ في جبل الأربعين جنوبي مدينة حماة، وهو (لواء دبابات)، إضافة إلى مطار حماة الذي استولت عليه سابقًا.

بيان العشائر أكّد وصول تعزيزات عسكرية لـ”حزب الله” اللبناني و”فيلق القدس” والتمركز في مستودعات بلدة مهين الاستراتيجية، بريف حمص الشرقي.

وأضاف البيان أن إيران شرعت ببناء مئات المنازل وشراء العديد أيضًا بالترهيب، والاستيلاء على محطات الوقود والمحال التجارية والأراضي الزراعية، وتسخيرها لبناء نظام اقتصادي تديره وتستفيد منه الميليشيات الإيرانية وحلفائها في المنطقة، وخصوصًا في تدمر.

المشانق الأربعة في مدينة تدمر بريف حمص الشرقي- 28 من كانون الأول 2014 (عنب بلدي)

قبضة إيرانية ونفوذ واضح

أبو ماهر، (58 عامًا) أحد رجال مدينة تدمر والذي تحفظ عن ذكر اسمه لأسباب أمنية، أوضح في حديثه لعنب بلدي وجود أحياء محظور على السكان المحليين الدخول إليها، تسيطر عليها القوات المدعومة من إيران.

“السطوة الإيرانية على مدينة تدمر لم تعد تخفى على أحد”، بحسب (أبو ماهر) الذي بيّن أن المنازل القريبة من مطار “تدمر العسكري” غير مأهولة بالسكان وغير مسموح بعودة الناس إليها.

وأضاف أن الريف الشرقي الذي يشمل المدينة الأثرية والأحياء المجاورة لها ومنازل المدنيين القريبة منها، خالية من السكان المحليين ويحظر عليهم دخولها، وتقطنها القوات المدعومة من إيران.

ويسمح للأهالي بالسكن والاستقرار من وسط المدينة إلى حدود الفرن الآلي شمالي المدينة.

وأوضح (أبو ماهر) أن الميليشيات التابعة لإيران استولت على بعض أملاك من هم خارج سوريا، وتتواصل مع بعضهم الآخر في الخارج وبشكل “مخادع” تطلب منهم بيع ممتلكاتهم، بحجة الحرص والخوف عليها من استيلاء الإيرانيين عليها.

مناطق يُمنع دخولها

عنب بلدي التقت الشاب محمد (28 عامًا، أحد أبناء مدينة تدمر)، وهو من سكان الريف الشرقي، ويقيم في مدينة اسطنبول منذ سبع سنوات، وأوضح استحالة زيارة أقربائه لمنزل عائلته الذي يبعد حوالي 500 متر عن سجن “تدمر المركزي”.

وأضاف الشاب أن أقرباءه حاولوا أكثر من مرة زيارة المنزل، لكنهم قوبلوا بالمنع والرفض من قبل القوات المدعومة من إيران، ولا يقتصر المنع على منزل العائلة، إنما يشمل المنازل الموجودة في الأحياء القريبة من المدينة الأثرية.

وذكر محمد أن الميليشيات المدعومة من إيران تمركزت في عدة فنادق مشهورة في المدينة الأثرية وهي فندق “مريديان تدمر” وفندق “زنوبيا” وسلسلة فنادق “غسان سعد”، إضافة إلى تثبيتها عدة حواجز عسكرية أبرزها عند مدخل الحي الشرقي، يُعرف باسم “حاجز الفندق”.

منع الأهالي ليس بالأمر الحديث، بحسب الشاب الذي قال إن العملية بدأت منذ عام 2017 بعد خروج تنظيم “الدولة الإسلامية” من تدمر، حين بقي بعض الأهالي بقي خارج البلد، بينما انتقل بعضهم إلى أحياء أبعد.

لافتة طرقية تدل على مركز مدينة تدمر ومدينة تدمر الأثرية ودير الزور 19 أيار 2015 (REUTERS)

تدمر ليست الأولى.. دير الزور مثال

الاستحواذ على العقارات والأحياء لا يقتصر على مدينة تدمر، إذ تمثّل سوريا إحدى القواعد الرئيسة في المشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 بعد أن ألقت إيران بقواتها وجنّدت عناصر محليين تحت مسميات عديدة للقتال إلى جانب قوات النظام السوري.

إلى جانب الأماكن ذات الغالبية الشيعية المتوزعة في عديد مناطق سوريا، بدأ منذ حزيران من عام 2012، الاستيلاء على منازل المدنيين في دير الزور شرقي سوريا من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري والميليشيات الأجنبية، وذلك إثر نزوح مئات الآلاف من الأهالي بسبب الحملة العسكرية الكبيرة التي شنتها قوات النظام على المحافظة حينها.

وعمدت قوات النظام إلى ملاحقة كل من يُشتبه بتعامله مع المعارضة، أو قيامه بأي نشاط معارض، وفي أيلول من عام 2012، تُوّجت هذه الملاحقات باقتحام حيي الجورة والقصور، الذي ترافق مع قتل واعتقال المئات، بهدف بث الخوف والرعب في نفوس الأهالي، ما تسبب بنزوح مئات العائلات.

وبعد سيطرة تنظيم “الدولة” على مناطق واسعة في دير الزور منتصف عام 2014، استمر باستهداف أحياء حاصرها ومنع دخول الغذاء والدواء إليها.

وسبّب تعاقب القوى العسكرية في المدينة وانتهاكاتها، من منتصف عام 2012 ولغاية عام 2017، بخلو آلاف المنازل من أصحابها، واستيلاء عناصر أمنيين وميليشيات أجنبية على عدد منها تحت ذريعة عمل أصحابها في صفوف المعارضة.

وبدأ استغلال فراغ آلاف المنازل نتيجة الحرب والملاحقات الأمنية منذ عام 2017، مع استعادة النظام وحلفائه السيطرة على مساحات واسعة من دير الزور، وتوسعت هذه العمليات لتشمل مدينتي الميادين والبوكمال وأريافهما.

وكانت مناطق من ريف دير الزور الشرقي شهدت حالة من النزوح باتجاه الريف الغربي جراء تزايد نشاط خلايا تنظيم “الدولة” شرقي المحافظة، حيث يتقاسم النظام والميليشيات الإيرانية مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، المدعومة أمريكيًا، السيطرة العسكرية على المحافظة الشرقية، ويعتبر نهر “الفرات” الخط الفاصل بين مناطق السيطرة جغرافيًا.

المدينة الأثرية في مدينة تدمر بريف حمص الشرقي- 28 من كانون الأول 2014 (عنب بلدي)

الأرقام تُثبت

بحسب دراسة لمركز “جسور للدراسات” في كانون الثاني 2021، تمتلك إيران 131 موقعًا عسكريًا بين قاعدة ونقطة وجود في عشر محافظات، 38 منها في درعا، و27 في دمشق وريفها، و15 في حلب، و13 في دير الزور، و12 في حمص، وستة في حماة، وستة في اللاذقية، وخمسة في السويداء، وخمسة في القنيطرة، وأربعة في إدلب.

وفي أحدث دراسة نشرها مركز “جسور“، الاثنين 18 من تموز، تمتلك إيران 469 موقعًا عسكريًا في سوريا، موزعة بين قواعد عسكرية وعملياتية وأمنية ونقاط مراقبة واستطلاع أخرى لوجستية وأمنية، وتنتشر في 14 محافظة.

وتتوزع 107 منها في حلب، و93 في ريف دمشق، و55 في حمص، و54 في دير الزور، و33 في درعا، و25 في إدلب، و22 في القنيطرة، و26 في حماة، و15 في اللاذقية، و14 في الرقة، و12 في السويداء، وستة في دمشق، وستة في الحسكة، وموقع واحد في طرطوس.

تقع مدينة تدمر في قلب الصحراء السورية، وتحظى بأهمية تاريخية واستراتيجية كبيرة، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، وتقع على بعد 215 كيلومترًا شمال شرقي العاصمة السورية دمشق.

وتعد من أقدم المدن التاريخية في العالم، وهي مدرجة منذ عام 1980 على لائحة “يونسكو” للأماكن التاريخية المحمية دوليًا.

تدمر بعد موجة صراع

وبعد عدة معارك تخللها عمليات كر وفر وسيطرة التنظيم على المدينة، احتفلت وسائل إعلام النظام السوري، في آذار 2017 باستعادة قواته بدعم روسي وإيراني السيطرة على مدينة تدمر، وطرد مقاتلي تنظيم “الدولة” منها، وجاءت السيطرة على المدينة بإسناد جوي مركّز ومشترك من الطيران الحربي السوري والروسي.

وتعاقب على المدينة سيطرة عدة قوة عليها، إذ سيطر تنظيم “الدولة” مرتين، الأولى في 20 من أيار 2015، وتمكّنت قوات النظام السوري من استعادة السيطرة عليها في آذار 2016، بعد سيطرة التنظيم عليها لمدة عشرة أشهر، بمساندة سلاح الجو الروسي و عدة قوى وفصائل وميليشيات، الأمر الذي غيّر قواعد اللعبة في المعركة على تدمر.

اقرأ أيضًا: روايات قطع الرؤوس والأشبال والسبايا على لسان من عايشوها في تدمر

وانتقلت دفة المعارك بعدها إلى مناطق ريف حمص الشرقي على طريقة كرّ وفرّ بين تنظيم “الدولة” وقوات النظام وحلفائها، إلى تاريخ 11 من كانون الأول 2016، إذ أعلن عناصر التنظيم سيطرتهم الكاملة للمرة الثانية على مدينة تدمر وسط معارك استمرت لأيام.

وفي آذار 2017، أعلن النظام السوري استعادة تدمر من التنظيم، والسيطرة عليها بالكامل، وساندته إلى جانب الغطاء الجوي الروسي، عدة قوى وميليشيات أبرزها الإيرانية، منها:

“قوات الرضا”: وهي قوات من الطائفة الشيعية، قوامها مقاتلون من قرى موالية في ريف حمص الغربي، وتلقى أفرادها تدريبات على يد “الحرس الثوري الإيراني”.

“قوات باسيج”: تعدّ قوات التعبئة في “الحرس الثوري” (باسيج)، الذراع الإيرانية الأقوى في سوريا، وشاركت في معظم معارك قوات النظام شمالي وجنوبي ووسط سوريا.

“فيلق فاطميون”: مقاتلو “فيلق فاطميون” من الأفغان، جاؤوا من خلال تعزيزات أمرت بها طهران عقب استعادة التنظيم مدينة تدمر، وأرسلت مئات منهم للقتال في المدينة.

“كتائب الإمام علي”: قوات من الطائفة الشيعية تابعة لـ”الحشد الشعبي العراقي”، وأعلنت مشاركتها في مواجهات تدمر، تحت إشراف “الحرس الثوري الإيراني”.

بيان “مجلس عشائر تدمر والبادية السورية” حول الاستحواذ الإيراني على تدمر- 23 حزيران 2022 (مجلس العشائر/ فيس بوك)



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة