“صدقات” شادي حلوة

ع ع ع

نبيل محمد

على الجبهات، وفي وسط المدن، بين الأحياء الفقيرة، وخلف الأبنية الفارهة، عبر الإذاعات والشاشات وعبر قنواته الخاصة، لا وجه يتكرر في سوريا مثل وجه شادي حلوة. عبره قدّم سهيل الحسن مجموعة من “النظريات” السفسطائية التي اشتهر بها، وقدّمته كضابط أمّيّ أبله، يصرخ في وجه إعلامي يحاول أن يضبط بلاهته بالقول “بشار الأسد هو سوريا، وسوريا هي بشار الأسد”، وذلك عندما حاول حلوة تخفيف حدّة الهتافات لشخص الأسد فنال ما ناله من “النمر”. وعبره أيضًا تم شنّ حملة ضد الفنان عباس النوري حين زلَّ لسانه وانتقد المؤسسة العسكرية، التي لم يوفّر حلوة يومًا من حياته دون أن يدين لها بكل شيء، ويجنّبها أي انتقاد.

يمكن اعتبار شادي حلوة مؤشّرًا دلاليًا يضبط وقع النقد و”التشبيح” في سوريا، فيحدد إلى أي مدى يمكن اتهام الحكومة بالفساد والاختلاس والمحسوبية وغيرها من المصطلحات المعتمدة لانتقاد القطاع الرسمي داخل سوريا، وما ماهية الألفاظ التي يمكن استخدامها في هذا النقد، بل ومستوى الشخصيات التي يمكن أن يطالها، مدركًا حركة أسهم بورصة النقد والجرأة في سوريا، التي تتغيّر بين وقت وآخر، ولعلّه شريك في صناعتها.

وفي المقلب الآخر، تجده يطلق ألفاظ المديح، ويضع يده فوق يد من “يستحق”، فيحدد بذلك تجاه من يجب أن يتوجه الإطراء، وأيضًا ما مستوياته والألفاظ التي يمكن أن تُستخدم فيه، محاولًا الابتعاد عن المديح المكرر والمستهلك، وهو ما وضعه سابقًا (من حيث لم يقصد) في خلاف أحيانًا مع شخصيات عسكرية كـ”النمر” مثلًا.

يطل شادي حلوة حاليًا عبر برنامج تبثّه قناته الشخصية على “يوتيوب”، تتنقّل فيه كاميرته بين أحياء فقيرة في المدن والأرياف السورية، فيلتقي عابرين ليقدّم لهم مساعدات مالية لا تتطلّب منهم جهدًا سوى الإجابة عن أسئلة بديهية “واحد زائد واحد شو بساوي؟”، ليكافئهم على الإجابات بظروف تحتوي مبالغ تتراوح بين 50 ألف ليرة سورية (حوالي 13 دولارًا) ومليون ليرة (حوالي 300 دولار). يمد أحدهم يده من خارج كادر المشهد ليناول النقود لحلوة، الذي سيقوم بدوره أيضًا بمناولتها لـ”صاحب النصيب”.

قد لا تكون المشكلة فيما يقوم به حلوة هي تقديم المعونات المالية علنًا وأمام الكاميرا، فهذا بات طبيعيًا ومكرورًا ينال كلّما ظهر للعامّة انتقادات تطالب بألا يتم استغلال ضعف الناس وتصوير وجوههم في أثناء الحصول على الإعانات. الحقيقة أن المشكلة فيما يقدّمه حلوة مختلفة عن ذلك، هي مزيج من استغباء الآخر، والتعامل بفوقيّة فاجرة معه، فوقية لا بدّ أنها كانت تاريخيًا جزءًا لا يتجزأ من أغلبية البرامج التي تنزل فيها كاميرا التلفزيون الرسمي إلى الشارع السوري. هناك نجم يتوافد الجمهور البسيط الجاهل الفقير للقائه، فيبتسم ويسألهم أسئلة بديهية، ولا يحترم خجلهم من الإجابة عنها، ويضع في أكفهم الفتات التافه من الأموال التي لم تعد تمنحها كثرة الأصفار على يمينها أي قيمة، فهي في النهاية عملة سوريا لا تغني من جوع.

في يوم من الأيام، وقبيل اجتياح حلب من قبل النظام السوري وحلفائه، كان شادي حلوة من أوائل من أعلنوا عن العملية العسكرية، مستبشرًا بالمقبل، حينها قال “اتخذ القرار، السحق. رُفعت الأقلام وجفت الصحف”، وبالفعل تم هذا “السحق”، وها هو حلوة يتنقّل بين أهله المسحوقين في حلب بوجه سمح عطوف، وضحكة رقيعة متكررة عندما يستغرب الناس توزيع النقود عليهم بلا سبب وجيه، فيقول لهم “رزق حلال ساقه الله إليك”. يعشق شادي حلوة الضحايا، سواء برصاص الجيش الذي طالما رافقه في معاركه بمختلف المناطق، أو بما لحق الرصاص من وجوه مقهورة، وشفاه جافّة، وأكفّ ترتجف عندما تمسك بظروف ماليّة، واحدة من أقذر نتائج الحرب أن أُتيح لشخص كشادي حلوة أن يمنحها للضحايا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة