“جود” تريد نظامًا ديمقراطيًا من داخل سوريا.. أي داخل؟

العاصمة السورية دمشق (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي- خالد الجرعتلي

ذكرت منصة “الجبهة الوطنية الديمقراطية” (جود)، مطلع تموز الحالي، أن النظام السوري منع انعقاد مؤتمرها الدوري، كما منع أعضاء المنصة السياسية التي تُعرف بأنها من “معارضة الداخل” من الوصول إلى مركز اجتماعهم في العاصمة دمشق.

المنع لا يُعتبر الأول من نوعه، إذ سبق ومنعت قوات النظام اللجنة التحضيرية لـ”جود”، من عقد مؤتمرها التأسيسي للإعلان عن تشكيل المنصة السياسية في شباط 2021.

ورغم التضييق الذي تعاني منه، بقيت “جود” مُصرة على اتخاذ مناطق نفوذ النظام السوري مقرًا لها، النظام الذي يشتهر بقمع معارضيه، بحسب تقارير أممية تحدثت عن مئات الآلاف من المعتقلين السوريين في سجونه، الأمر الذي تلمسه “جود”، إذ سبق أن أصدرت حوله العديد من البيانات، داعية السوريين لتنظيم احتجاجات سلمية لإيقاف تضييق النظام على حياتهم السياسية.

“جود” تجمع قوى ديمقراطية

في 27 من آذار 2021، بدأت قوى سياسية سورية تُعرف بـ”معارضة الداخل” أو “المعارضة الوطنية”، بتحضيرات لعقد مؤتمر هو الأول منذ نحو تسعة أعوام في دمشق، لتأسيس “الجبهة الوطنية الديمقراطية” (جود).

ونقل تلفزيون “روسيا اليوم” حينها عن الأمين العام لحزب “الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي”، أحمد العسراوي، أن المؤتمر التأسيسي لـ”الجبهة الوطنية الديمقراطية” هو تجمع يضم مجموعة من القوى المعارضة الديمقراطية التي اختارت منذ البداية الحل السياسي التفاوضي الذي يفضي إلى التغيير الوطني الديمقراطي والانتقال السياسي.

عنب بلدي قابلت مصطفى المعلّم، أحد أعضاء اللجنة التأسيسية في “جود”، ويعتبر عضوًا مستقلًا فيها، وحاول من جانبه إيضاح خريطة “جود” السياسية، التي تتكون مع عدة أحزاب ومنصات سياسية سورية.

وقال المعلّم، خلال لقاء مع عنب بلدي في اسطنبول، إن “جود” شُكّلت من مجموعة من المنصات السياسية، ومن المهم الإشارة إلى أنها “ليست منصة سياسية، إنما هي جهة سياسية تحاول جمع الجهات المعارضة من منصات وأحزاب، ولا تعمل على أن تكون بديلًا عن أي جهة سياسية أُخرى”.

وتعتبر “هيئة التنسيق الوطنية” أحد أعمدة “جود”، بحسب المعلّم، فالمبادئ السياسية لـ”الجبهة” مُستندة بشكل كبير إلى رؤية “هيئة التنسيق” السياسية بالنسبة للملف السوري.

وتؤمن كل من “جود” و”الهيئة” بالمعارضة السلمية للنظام السوري، ومعارضة التدخل الخارجي بجميع أشكاله في سوريا، إضافة إلى معارضة جميع أشكال التطرف الموجودة اليوم على الساحة السورية، بحسب المعلّم.

أي داخل؟

رغم المنع والتضييق الذي يمارسه النظام السوري على أعضاء “جود”، حصرت وجودها بمناطق نفوذ النظام السوري مُطلقة على نفسها اسم “معارضة الداخل”، نسبة لكونها أبرز كتلة معارضة للنظام ضمن مناطق نفوذه.

لكن ماذا عن الداخل الذي يشمل مناطق نفوذ المعارضة السورية المتمثلة بحكومتي “الإنقاذ” في إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، و”الحكومة المؤقتة” التي تضم مناطق من ريف حلب الشمالي ضمن مناطق النفوذ التركي، أو مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية” المدعومة أمريكيًا شمال شرقي سوريا؟

مصطفى المعلّم، اعتبر خلال اللقاء مع عنب بلدي، أن إنشاء مركز لمعارضة داخلية في مناطق نفوذ المعارضة السورية لا يعتبر من ضمن خطط “جود” المستقبلية، نظرًا إلى “خطورة هذه المناطق على أي حزب ديمقراطي رافض للتدخلات الخارجية والحراك العسكري”.

واعتبر أن الفصائل المسلحة في الشمال السوري ستعارض حتمًا وجود مكاتب لـ”جود” في مناطق نفوذها، ومن الممكن أن يشكّل الأمر خطرًا على الأشخاص الذين قد يديرون هذه المكاتب، نظرًا إلى الأيديولوجيا المنتشرة في هذه المناطق.

لم تحاول “جود” المبادرة بأي نوع من المفاوضات مع سلطات الأمر الواقع في الشمال السوري، ولم تتمكن فعليًا من معرفة موقفها الواضح من تمركز “جود” في مناطق نفوذها.

عنب بلدي طرحت هذا السؤال على المكتب الإعلامي لـ”هيئة تحرير الشام” صاحبة النفوذ في مناطق من شمال غربي سوريا عدة مرات على التوالي عبر مراسلة إلكترونية، فيما إذا كانت تسمح بوجود مكاتب لأحزاب ديمقراطية في مناطق نفوذها، إلا أن الأخيرة فضّلت عدم الإجابة عن السؤال.

كما لم تحصل عنب بلدي على رد من طرف “الحكومة المؤقتة” صاحبة النفوذ شمالي حلب، حول الموضوع نفسه.

الأمر مُختلف مع “مسد”

لا تتخذ بعض الجهات في “جود” موقفًا من “مجلس سوريا الديمقراطي” (مسد) كالذي تتخذه من فصائل المعارضة السورية وأجنحتها السياسية، رغم أن لـ”مسد” جناح عسكري يعارض ما جاء في مبادئها، كما يعتبر مدعومًا بشكل كامل من طرف أمريكا، التي تملك العديد من القواعد العسكرية شمال شرقي سوريا.

العضو المستقل في “جود” مصطفى المعلم، قال إن العديد من المفاوضات أجرتها “هيئة التنسيق” التي تشكل أحد أعمدة “جود” مع “مسد”، منذ العام الماضي وحتى اليوم، كون المجلس يعتبر إلى حد ما “مُتقبلًا للفكر الديمقراطي”.

لكن هذا الأمر لا يمكن تعميمه على “جود” بشكل كامل، إذ يضمن نظامها الداخلي حرية الممارسات السياسية لجميع هيئاتها وأحزابها الأعضاء، حسب المُعلم.

كما تضم “جود” أحزابًا وقوى سياسية كردية مثل “منصة عفرين” التي أعلنت عبر موقعها الرسمي استضافة اجتماع ضم مسؤلين من “جود”، إضافة إلى مسؤولين منها.

وذلك ضمن “خطط المنصة لتعزيز التواصل مع الأطراف السورية الوطنية بهدف دعم وتعزيز استقلالية قرار المعارضة وبما يخدم سوريا أرضًا وشعبًا وتوضيح أبعاد ما يجري في منطقة عفرين السورية”.

ما أهداف “جود”

أنشأت جهات معارضة، تتخذ من الداخل السوري مقرًا لها، مبادرات دعت فيها لتوحيد الصفوف السياسية بمواجهة النظام السوري.

وفي آذار العام الماضي، بدأت قوى سياسية سورية تُعرف بـ”معارضة الداخل” أو “المعارضة الوطنية”، بتحضيرات لعقد مؤتمر اعتبر الأول من نوعه خلال تسعة أعوام، لتأسيس “الجبهة الوطنية الديمقراطية” (جود).

ومنذ أيلول عام 2012، لم تشهد سوريا مؤتمرًا يحضره ممثلون عن قوى معارضة، كما جرى في عام 2011 الذي شهد تشكيل “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي”، وشكّلت أكبر تنظيم للقوى المعارضة في الداخل، وأعلنت بيانها التأسيسي في حزيران من عام 2011.

وتتلخص أهداف “جود”، بحسب نظامها الداخلي ورؤيتها السياسية، الذيّن اطلعت عليهما عنب بلدي، بإقامة دولة “لا مركزية إدارية” بما يحفظ وحدة الأراضي السورية، على أساس الدولة المدنية المحايدة تجاه الأديان والعقائد.

كما تعتبر أن الحل الوحيد لـ”الأزمة السورية”، هو الحل السياسي، بعيدًا عن السلاح والعمل المسلح، والذي قال عنه مصطفى المُعلم إنه أثبت فشله خلال السنوات الماضية.

وتعتبر “جود” اليوم أن العمل المسلح في سوريا نشاط مفروض من قبل الداعمة في سوريا، وهو ما دفع بفوضى السلاح إلى الساحة والتي تعاني منها سوريا اليوم.

جهات مُعارضة داخل سوريا

“جود” لا تُعتبر الجهة الوحيدة المُعارضة التي تتخذ من مناطق نفوذ النظام السوري مقرًا لها، إذ عقد في محافظة السويداء، في آب 2021، مؤتمر ضم هيئات سياسية من أبناء المحافظة، تحت عنوان “الجنوب السوري ورؤية الحل السياسي القادم لسوريا”، للبحث في واقع مستقبل العملية السياسية، وطالب المشاركون فيه برحيل النظام السوري، وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم “2254”.

واعتبر المشاركون أن المؤتمر الذي عُقد داخل الأراضي السورية، يرمي إلى العمل مع بقية المحافظات والمكوّنات السورية الوطنية في جميع أنحاء سوريا، من أجل “إخراج سوريا من واقع الانهيار الكبير الذي تعيشه”.

ونشرت صفحة “السويداء ANS” المحلية، بنود ومخرجات الاتفاق الذي ركّز على تردي الواقع المعيشي في المحافظة، والفلتان الأمني، بالإضافة إلى المعارك الدائرة في مدينة درعا والتوتر الأمني فيها.

وحمّل المشاركون النظام السوري المسؤولية الكاملة عن الواقع التي تشهده المحافظات السورية، من تردٍ للأوضاع المعيشية والخدمية، مؤكدين أن سوريا أصبحت “لقمة سائغة” للدول الأخرى، حيث لا تملك السلطة السورية سوى 17% من الساحل والقسم المتبقي بيع إلى روسيا وإيران، بحسب الصفحة.

وعُقد المؤتمر بدعوة من حزب “اللواء السوري” بالتشارك مع “نخب سياسية وطنية” من أبناء المحافظة، واعتُبر الأول من نوعه ضمن خطط لتوسيع العمل نحو مؤتمرات أخرى وبدء خطوات عمل سياسي من داخل سوريا.

تبع ذلك في شباط الماضي بيان صدر عن “المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار”، و”هيئة التنسيق الوطنية- حركة التغيير الديمقراطي” (المُنشقة عن جود)، و”المبادرة الوطنية في جبل العرب”.

البيان أشار إلى أنه يجب تحييد جميع المسائل الخلافية، والإقرار بالتوافق على القواسم والمبادئ الوطنية والديمقراطية المشتركة، عبر خلق أجواء مناسبة للحوار، وإجراء تفاهمات لا تتطرق إلى المسائل التنظيمية والحالة السياسية لمختلف الأطراف.

وعبّرت الأطراف الثلاثة حينها عن أملها في أن تشمل هذه الدعوة أوسع توافق وطني ديمقراطي قادر على لعب دور مؤثر وفعال على المستويين المحلي والدولي، من أجل الوصول إلى حل سياسي يفضي إلى انتقال ديمقراطي جذري وشامل في سوريا.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة