أدب الطفل.. محاولة سورية مختلفة في أرض اللجوء

محموعة من الأطفال يمارسون أنشطة جماعية خلال فعالية "لنحكي حكاية-5 من آب 2022 (عنب بلدي/يوسف حمص)

ع ع ع

عنب بلدي– لجين مراد

“أكاد أنفجر”، يصيح الحكواتي مشيرًا إلى صورة المثانة في قصة اليوم التي اختار أن يرويها للأطفال، فتتعالى أصوات ضحكات الأطفال الذين يستمعون باهتمام وفضول.

في غرفة زجاجية تمتلئ رفوف المكتبة المحيطة بها بقصص الأطفال، يجلس هارون الزير، صاحب دار “رؤية” المتخصصة بأدب الأطفال، ليروي قصة لأطفال بأعمار مختلفة، جمعهم شغف القراءة والتعلم، ومحاولات عائلاتهم خلق علاقة وطيدة بينهم وبين الكتب.

وضمن فعالية “لنحكي حكاية”، في الصيف الحالي، يحاول هارون من خلال قصة “أكاد أنفجر” التوعوية الفكاهية التي كتبها، تعريف الأطفال بالجهاز البولي والطريقة السليمة للحفاظ عليه.

محاولات ونجاحات

تسعى مئات العائلات السورية في دول اللجوء لربط أبنائها بالثقافة العربية، وبرزت خلال السنوات الماضية العديد من محاولات إعادة إحياء أدب الأطفال بأقلام كتّاب سوريين.

ونجحت بعض المحاولات في تحقيق إنجازات، والحصول على جوائز عربية ودولية، لقدرتها على ملامسة الواقع وتوافقها مع معايير عالمية.

وتعتبر فعالية “لنحكي حكاية” محاولة لتسليط الضوء على أدب الأطفال، وتعزيز دور هذا النوع من الأدب بتطوير قدرات الأطفال، وفق ما قاله القائمون على الفعالية.

“اللغة مفتاح الثقافة”

التحاق الأطفال السوريين بمدارس تدرّس بلغات الدول التي أجبرتهم الظروف على اللجوء إليها، أدى إلى مخاوف كبيرة من نسيان اللغة العربية، التي يراها كثير من الأهالي جزءًا من هوية أطفالهم.

كاتبة قصص الأطفال التربوية بتول حذيفة، قالت لعنب بلدي، على هامش فعالية “لنحكي حكاية”، إن فشل محاولات العثور على كتب عربية للحفاظ على لغة أبنائها بعد لجوئهم إلى تركيا، دفعها وزوجها هارون لإعادة فتح دار “رؤية”، فقد أجبرتهم الحرب على إغلاقها في سوريا.

تركزت جهود الكاتبة منذ وصولها إلى تركيا على تعليم أطفالها اللغة العربية، باعتبارها “مفتاح الثقافة” الذي يضمن تمسك أبنائها بأصلهم، ويحافظ على حلم العودة إلى سوريا، بحسب تعبيرها.

ولم تكن مخاوف الأب والكاتب في أدب الأطفال هارون الزير من ضياع لغة أبنائه إلا دافعًا لإعادة فتح الدار، وفق ما قاله لعنب بلدي، معتبرًا أن دور العائلة أساسي في الحفاظ على اللغة العربية.

وأشار الكاتب إلى أن قراءة القصص العربية للطفل، تشكّل رابطًا متينًا بين الطفل ولغته.

بدورها، قالت فاطمة الشيخ إبراهيم، التي حضرت فعالية “لنحكي حكاية” برفقة أطفالها الثلاثة، إن الحفاظ على اللغة الأولى للطفل، يجعله يتعرف إلى اللغات والثقافات الأخرى دون خسارة هويته.

واعتمدت العائلات السورية بعد لجوئها إلى تركيا أو أوروبا على شحن كتب الأطفال من الدور العربية في مصر ولبنان، لكن ارتفاع أجور الشحن شجّع على افتتاح دور نشر في تركيا.

بأقلام الأمهات

يتميز أدب الأطفال بلغة قريبة من نمط تفكير الطفل، ما يجعله من أفضل طرق إيصال رسائل الأمهات لأبنائهن بسلاسة وسهولة.

“أكتب ما يحتاج أبنائي إلى قراءته”، هذا ما قالته الكاتبة والتربوية بتول حذيفة، شارحة العلاقة بين تربية أبنائها وبدايتها ككاتبة لأدب الأطفال.

وأضافت بتول، “حياتي الأدبية كبرت مع أطفالي”، مشيرة إلى أن قربها من أبنائها ساعدها على تطوير قدرتها على الكتابة.

ومن خلال الدورات التدريبية التي أجرتها بتول لتنقل تجربتها في كتابة القصص إلى كتّاب جدد، لاحظت وجود إقبال كبير من قبل الأمهات على خوض هذه التجربة.

وأسهم تنوع تخصصات الأمهات والحاضرات للدورة التدريبية في خلق أفكار مختلفة، بما يتماشى مع واقع الأبناء وثقافة ومعلومات الأمهات، بحسب ما قالته بتول.

واقع أدب الطفل

رغم وجود مئات قصص الأطفال التي كتبها كتّاب سوريون، لم يولَ أدب الأطفال أهمية كبيرة في وقت سابق.

“أول معرض كتاب شاركنا فيه، قال أحد الزائرين، عبيلي قصص بمئة ليرة”، تضحك بتول وهي تستذكر هذه النظرة المستهترة بدور أدب الأطفال قبل سنوات.

وأضافت أن التحول الحقيقي بين النظرة السابقة لأدب الأطفال والنظرة الحالية يكمن بإعطاء الأهمية الكبرى للنوع لا للكم.

وفي معرض الكتاب الأخير الذي شاركت فيه دار “رؤية”، لاحظت بتول أن الأهالي صاروا يتصفحون القصص قبل شرائها، ما اعتبرته مؤشرًا على إعطاء أهمية أكبر لأدب الأطفال.

أدب الطفل: مجموعة من الأعمال المكتوبة والرسوم التوضيحية الترفيهية والتعليمية المرافقة للنصوص، تستهدف الأطفال بمختلف فئاتهم العمرية.

ويشمل أدب الطفل الأساليب الكلاسيكية المعترف بها في الأدب العالمي، والكتب المصورة والقصص المكتوبة السهلة القراءة، والحكايات الخيالية، والتهويدات، والأغاني الشعبية.

أدب الأطفال والثورة السورية

رغم تزايد إقبال السوريين على كتابة قصص الأطفال، قليلة هي الكتب التي تحدثت عن سوريا أو الثورة السورية.

الكاتب هارون الزير، قال إن الكتب التي تتحدث عن المدن السورية والحياة في سوريا و”أبطال الثورة السورية”، تلعب دروًا مهمًا في نقل حقيقة ما عاشه السوريون، وربط الأطفال بواقعهم.

“تكاد تكون هذه القصة الوحيدة التي سلّطت الضوء مؤخرًا على الواقع في سوريا”، يتحدث هارون ممسكًا بقصة عنوانها “جنى وقرية الوادي”.

وتتحدث القصة عن النزوح الذي فرضته الحرب على الأطفال مع عائلاتهم، والظروف القاسية التي يعيشونها بعيدًا عن كل تفاصيل بيوتهم التي كانوا يحبونها.

ونقلت القصة مشاعر أطفال المخيمات من خلال حبكة خيالية، وصور تناسب أعمارهم الصغيرة، وقدرتهم على ربط الأحداث واستيعابها، لتحصل القصة على جائزة “الشارقة لكتاب الطفل” لعام 2021.

“نفكر بشكل دائم، ولدينا العديد من الأفكار التي تربط الأطفال بقضيتهم”، هذا ما قالته الكتابة بتول حذيفة، مؤكدة ضرورة بقاء الأطفال متصلين بواقعهم وبعيدين عن صورة “الحياة الوردية”.

الأطفال “لجنة التحكيم”

تعتمد جودة الكتب بشكل كبير على تفاعل الأطفال معها، وقدرتهم على استيعابها وتخيّل تفاصيلها، ما يجعلهم “المحكّم الأول” للكتب.

ويشارك أطفال هارون الزير وبتول حذيفة في تأليف القصص، ويطّلعون على الرسومات والمحتوى لتقييم القصة قبل طباعتها، بحسب قولهما.

واعتبرت بتول أن مشاركة أطفالها بكتابة القصص تسهم بتطويرها باعتبارهم الفئة المستهدفة من الكتب، لافتة إلى ضرورة وجود لجنة تحكيم من الأطفال في المسابقات العربية والدولية لأدب الأطفال، ما يتيح لهم فرصة الإسهام بصنع مستقبل أفضل للأدب الموجه لهم.

 “كلما قرأت أكثر، عرفت أشياء أكثر، تعلمت أكثر، وذهبت إلى أماكن أكثر”.

قصة الأطفال “أستطيع أن أقرأ وعيني مغلقة”



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة