في الذكرى التاسعة.. ذاكرة الناجين تنزف صورًا لـ”موت بلا دم”

تعبيرية عن قصف الكيماوي في الغوطة الشرقية-21 من آب 2022(عمر المصري/أنستجرام)

تعبيرية عن قصف الكيماوي في الغوطة الشرقية-21 من آب 2022 (عمر المصري/إنستجرام)

ع ع ع

بوجه شاحب وعينين يملؤهما الرعب وصرخات فتاة تبدو عائدة من الموت وهي تقول، “عمو أنا عايشة أنا عايشة”، تُختصر مجزرة الكيماوي في ذاكرة البعيدين عن المشهد.

بينما تضج ذاكرة الشاهدين على المجزرة بتفاصيل كثيرة، يتخوف البعض من استذكارها، ويسعى آخرون للحديث عنها باستمرار خوفًا من أن “تختنق الحقيقة”.

في 21 من آب 2013، بدأت الليلة التي لم ترَ عيون المئات بعدها النور، وتبعتها سلسلة طويلة من صور وأصوات ورائحة مرتبطة بالموت والخوف لتكون ذكرى استخدام النظام السوري السلاح الكيماوي (السارين) ضد المدنيين في غوطتي دمشق الشرقية والغربية.

“أهوال” المجزرة

رغم كثرة الشهادات التي حاولت وصف المجزرة، لا يزال وصف المشهد الكامل ضربًا من الخيال.

“ذهبتُ للاطمئنان على أفراد عائلتي الذين نزحوا من جوبر إلى حمورية، وعند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بدأ التعميم على أجهزة اللاسلكي بأن النظام يقصف جوبر والأحياء المجاورة لها”، بهذه الكلمات بدأ عامر الخطيب، أحد الشاهدين على المجزرة، باستذكار تفاصيلها.

تابع عامر حديثه إلى عنب بلدي، “كان خبر القصف اعتياديًا، لكنّه سرعان ما تحول إلى خبر غير اعتيادي وخارج توقعاتنا جميعًا، عندما وصل تعميم آخر بأن القصف كان بالسلاح الكيماوي”.

توجّه عامر إلى زملكا باعتبارها الأقرب إلى حمورية، ليبدأ بمهمة نقل المصابين إلى النقاط الطبية، “كنا نكسر أقفال أبواب البيوت لنجد عائلات كاملة قد اختنقت”، هذا ما دفع عامرًا ليملأ الصندوق الخلفي لسيارته بأجساد المصابين لعله يستطيع إنقاذ بعضهم، وفق قوله.

بعدما عرف عامر أن عين ترما كانت من ضمن المناطق المستهدفة، توجه إلى هناك ليطمئن على أقربائه، ولم يكن يعرف أنه سيدفن العشرات منهم بليلة واحدة، مشيرًا إلى أن ذلك ليس إلا جزءًا صغيرًا من “أهوال” المجزرة.

وبطريقة مشابهة، وصل نبأ قصف الكيماوي إلى راشد سنطيحة أحد الممرضين في النقطة الطبية “50” بحمورية.

“كان وضع الغوطة بأكملها مأساويًا، فحتى المناطق التي نجت من القصف، قتل أهلها شعور العجز عن تقديم المساعدة”، بحسب ما قاله راشد لعنب بلدي في محاولة لوصف حال الناس بالغوطة في تلك الليلة.

“شو صاير؟ وين القصف؟ شو ضارب؟”، هذه الكلمات التي بدأت تتردد في المستشفى الذي يعمل به عبد الله الخطيب في الغوطة الشرقية بعد وصول عشرات المصابين إلى المستشفى.

“بعد أن سمعنا صوت القصف ظننا أن أجساد الضحايا ستأتي وعليها آثار الدماء، لكنّها وصلت بأعراض نراها لأول مرة”، هذا ما قاله عبد الله، واصفًا اللحظات الأولى التي حاول فيها المسعفون معرفة أسباب الإصابات التي بدأت تتزايد.

“كانوا غرقى بلا ماء، تشنج شديد، زبد يخرج من الفم، حدقة دبوسية، اختناق”، هذه الأعراض التي ظهرت لتنفي توقعات عبد الله وزملاؤه بأن يكون القصف بغاز “الكلور”.

من منقذ إلى ضحية

في تلك الليلة لم يكن الإنقاذ مسؤولية فئة محددة من الناس، إذ حمل جميع الأصحاء على عاتقهم مسؤولية إنقاذ المصابين متجاهلين حجم الخطر في ذلك.

“ربما كنت قد فقدت الأمل بنجاتي من المآسي التي كنا نعيشها، لكن رؤية أطفال صغار ما زالت لديهم فرصة أن يعيشوا حياة أفضل كانت الدافع الأكبر لأتابع عملي”، قال الممرض راشد سنطيحة.

“كنت مستعدًا لأقدم أي شيء مقابل أن أعيد هؤلاء الأطفال إلى عائلاتهم، أو أمنحهم فرصة العيش ليوم آخر”، تابع الشاب، معتبرًا أن صور الأطفال التي كانت سبب ضعف الجميع وعجزهم كانت أيضًا أكبر مصدر للقوة.

وخلال محاولات إنقاذ المصابين من خلال خطوات بدائية تقتصر على خلع ملابسهم وتوجيه أنابيب المياه نحوهم، بدأت أعراض الاختناق تظهر على العديد من المسعفين، ليتحول “المنقذ إلى شهيد”، بحسب ما قاله المسعف محمد عوض.

ورغم أن وسائل الحماية اقتصرت على أقمشة مبللة يغطى بها الأنف والفم، تابع محمد والعشرات من زملائه العمل في محاولة لإنقاذ العشرات من أقربائهم وأصدقائهم الذين فقدوا منهم الكثير في تلك الليلة، وفق قوله.

إلا أن رائحة “السارين” الخانقة التي لم تكن لتفرق بين منقذ وآخر، وعيون القتلى وصرخات المستنجدين، هزمت محاولات صمود الكثيرين.

“تشيرنوبل الثانية”

بعد دفن حوالي 1400 شخص في مقابر جماعية بمختلف مناطق الغوطة، وثّق الناجون أسماء المئات منهم.

ولم يستطع أهالي الغوطة متابعة دفن أحبائهم قبل أن يعود النظام السوري ليقصف المنطقة بالصواريخ المدفعية، بحسب الأهالي الذين تحدثت إليهم عنب بلدي.

“الأحياء بدت مهجورة منذ سنوات، كأنها أرض لا وجود للبشر عليها، أو كأنها تشيرنوبل الثانية”، هذا ما قاله المسعف راشد سنطيحة، محاولًا العثور على وصف للغوطة الشرقية بعد الكيماوي.

وأضاف راشد، “انفجار في تشيرنوبل ابتلع الحياة في تلك المدينة، وقصف السارين في الغوطة سرق كل معاني الحياة من شوارعها”.

بلغ عدد ضحايا المجزرة حوالي 1400 شخص بحسب ما وثّقه الناشطون هناك، بينما وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بالأسماء مقتل 1144 شخصًا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة