ع ع ع

جنى العيسى | حسن إبراهيم

برز في مدينة إدلب، شمالي سوريا، حيث تسيطر “هيئة تحرير الشام” خلال العامين الأخيرين، توجه واضح لإعادة نشاط المنطقة على الصعيد الاقتصادي والاستثماري، تصدّرت خلالها حكومة “الإنقاذ” السورية كمنفذ لبعض المشاريع، أو داعم لترخيصها وإنشائها، في ظل تعدد غاياتها من وراء ذلك.

ورغم اقتصار المشاريع المنسوبة علنًا لحكومة “الإنقاذ” كمنفذ لها على المشاريع الخدمية، كتعبيد الطرقات، وإصلاح خطوط الصرف الصحي لبعض شبكات المدن الرئيسة، أو صيانة عدد من المنشآت الحيوية، فإنها لا تزال تسيطر على أبرز موارد المنطقة وتحصرها بشركات معيّنة كالمحروقات والكهرباء مثلًا.

كما وافقت الحكومة، خلال السنوات الماضية، على إنشاء العديد من المشاريع الاستثمارية “الضخمة” في عدة مجالات، منها الصناعية أو التجارية أو الخدمية، ما يفتح الباب أمام التساؤلات حول مدى اعتماد “الإنقاذ” على تسهيل إنشاء هذه المشاريع لتمويل نفسها، وتمويل “هيئة تحرير الشام”، في ظل عدم وجود دعم مادي دولي يقدم لهما.

تحاول عنب بلدي في هذا الملف، تسليط الضوء على المكاسب التي تطمح كل من حكومة “الإنقاذ” و”هيئة تحرير الشام” لتحقيقها من المشاريع الاستثمارية المنشأة حديثًا في إدلب، ومدى انعكاس هذه المشاريع على حياة الناس، كما تحاول شرح طبيعة البيئة الاستثمارية للمنطقة، في ظل الواقع الأمني الذي تعيشه.

مكاسب سياسية ومالية وراءه

“الإنقاذ” تطرق باب الاستثمار

نهاية عام 2021، بدأ العمل بشكل رسمي على إنشاء مدينة صناعية في منطقة باب الهوى التابعة لمحافظة إدلب على الحدود مع تركيا، لتعتبر بذلك أول مدينة صناعية في مناطق نفوذ حكومة “الإنقاذ”، لا يزال العمل على إتمام المشاريع فيها مستمرًا.

وبحسب تقرير عن الأعمال المنجزة خلال النصف الأول من العام الحالي، في مدينة “باب الهوى” الصناعية، بلغت نسبة إنجاز المقاسم المكتتب عليها، البالغ عددها 139 مقسمًا والتي تقوم بإنجازها حكومة “الإنقاذ”، نحو 20% فقط.

كما بلغت نسب تنفيذ شبكة المياه في المدينة الصناعية التي أنشأتها حكومة “الإنقاذ” 50%، وشبكة الكهرباء 40%، والشوارع الرئيسة والفرعية 60%، وأعمال شبكة الصرف الصحي 85%، ونسبة تنفيذ الآبار الارتوازية 60%، والمرافق العامة 10%.

ووسط مدينة إدلب وحولها، برزت العديد من المشاريع الاستثمارية، منها المتاجر الطابقية (المولات) والأسواق التجارية بدلًا من الأسواق العشوائية، كما سهّلت “الإنقاذ” وصول الكهرباء إلى إدلب في أيار 2021، بعد عدة سنوات من الانقطاع، عبر موافقتها على عمل شركة “Green Energy“، كما منحت “الإنقاذ” شركة “سيريانا” للاتصالات، في أيار الماضي، ترخيصًا للعمل كأول مشغل خلوي في المنطقة، وذلك عقب حديث تداولته عدة صفحات محلية عن “اقتراب موعد افتتاح (سيريا فون)، كأول شركة اتصالات خلوية في إدلب”، وعن تبعيتها لـ”هيئة تحرير الشام”، دون أن تتمكن عنب بلدي من التحقق من صحة ذلك حتى الآن.

المهندس مصطفى حاج لطوف، مدير “الخدمات الفنية المركزية” في وزارة الإدارة المحلية بحكومة “الإنقاذ”، أكد لعنب بلدي أن مناطق حكومة “الإنقاذ” تشهد خلال هذه الفترة نشاطًا عمرانيًا في مجالات عدة، شملت مختلف أنواع المباني، سواء السكنية أو التجارية أو الخدمية أو الاستثمارية أو الصناعية.

وأوضح حاج لطوف أن المنطقة بشكل عام، وخاصة منطقتي “الدانا” و”سرمدا”، تشهد أيضًا نشاطًا ملحوظًا من ناحية بناء المجمعات التجارية الضخمة، إذ بلغ عدد المشاريع التجارية والاستثمارية المرخصة 283 مشروعًا، منذ بداية عام 2021 وحتى الآن، بالإضافة إلى الأبنية السكنية المرخصة (لم يذكر عددها) من قبل المجالس المحلية.

وحول طبيعة هذه المشاريع، قالت وزارة الاقتصاد في حكومة “الإنقاذ” عبر تصريح رسمي لعنب بلدي، إن “الإنقاذ” تدعم ترخيص المشاريع بناء على “احتياجات المنطقة، وحجم المشروع، وأحقية إقامة مشاريع محددة عن غيرها”، معتبرة أنها جميعها تسهم بشكل “كبير” بتشغيل اليد العاملة، وتحسين مستويات الدخل.

 

تنشيط الاقتصاد يخدم “الهيئة” ماليًا

الدكتور السوري في الاقتصاد ومدير البرنامج السوري في “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”، كرم شعار، اعتبر أنه على الرغم من أن مناطق سيطرة حكومة “الإنقاذ” مهددة بالتعرض للقصف أكثر من مناطق سيطرة “الحكومة المؤقتة” في ريف حلب، حيث السيطرة التركية على المنطقة، وعلى الرغم من عدد السكان والنازحين الكبير مقارنة بمناطق سيطرة “المؤقتة”، أثبتت “الإنقاذ” أنها أكثر قدرة على ضبط المنطقة والشارع من الناحية التنظيمية.

وقال شعار، في حديث إلى عنب بلدي، إن قدرة “الإنقاذ” على تنظيم المنطقة أكثر من “الحكومة المؤقتة” يلفت الانتباه، خاصة في ظل صعوبة حصولها على اعتراف دولي، وقلة الفرص أمام ذلك، الأمر الذي لا يعتبر بهذه الصعوبة بالنسبة لـ”المؤقتة”.

ويرى الدكتور كرم شعار، أن الاستثمارات الجديدة، وتنشيط الوضع الاقتصادي بشكل عام، حيث تسيطر “هيئة تحرير الشام”، ينتفع منه بالدرجة الاولى الأشخاص المرتبطون بـ”الهيئة”، وذلك بالاعتماد على عدة تجارب استثمارية سابقة كانت “الهيئة” وراءها، لكن دون إعلان رسمي بذلك.

من جهته، قال الباحث في الاقتصاد السياسي يحيى السيد عمر، إن أي حكومة في العالم، ترغب بدعم مؤشراتها الاقتصادية، مؤكدًا في حديث إلى عنب بلدي، أن الاستثمارات تعد الرافعة الاقتصادية الأكثر فاعلية في دعم مؤشرات الاقتصاد الكلي والجزئي، الأمر الذي ينسحب بشكل مباشر على حكومة “الإنقاذ”.

ساحة الساعة الشهيرة في مدينة إدلب – 3 أيلول 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

مشروع “تأسيس دولة”

أوضح الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، أن وجود استثمارات حقيقية في مناطق سيطرة حكومة “الإنقاذ”، من شأنه دعمها اقتصاديًا، الأمر الذي سينعكس عليها دعمًا سياسيًا، لذا فإن ذلك يصب في مصلحتها بشكل مباشر.

بينما يرى الدكتور في الاقتصاد كرم شعار، أن ضبط الحوكمة في شمال غربي سوريا، يحقق لـ”هيئة تحرير الشام” عدة أهداف، من ضمنها هدف “وجودي” يتعلق بقدرتها على ضبط المنطقة، ما يعني أنها قادرة على “البقاء على قيد الحياة”.

بينما تتعلق الأهداف الأخرى، بالحصول على المردود والعوائد المالية، نتيجة القدرة على ضبط حوكمة المنطقة بشكل صحيح، بحسب شعار.

ويرى شعار أن قائد “هيئة تحرير الشام”، “أبو محمد الجولاني”، يسعى جاهدًا لـ”تأسيس دولة”، لذا يدخل حاليًا بمرحلة بناء العمل المؤسساتي التي يؤمن بها، معتبرًا أن مشروع “الجولاني” لم يعد مشروع “ميليشيا” تحصل على أموالها من خلال السرقة والابتزاز، بل تحول إلى مشروع “بناء دولة”، مؤكدًا أن نجاح هذا المشروع من فشله، لا يرتبط فقط بنجاح “الجولاني” من عدمه، بل أيضًا بعوامل سياسية، ودول مجاورة، ودول كبرى.

 نفوذ وارتباطات..

“الإنقاذ” و”الهيئة” علاقة “شائكة”

بقبضة عسكرية من قبل قائدها، “أبو محمد الجولاني”، سعت “هيئة تحرير الشام” لبسط سلطتها على محافظة إدلب وريف حماة الشمالي، وجزء من ريف حلب الغربي بشكل مقنّع، وأمام الحاجة إلى هيئة مدنية تدير المنطقة، شُكّلت حكومة “الإنقاذ”، في 2 من تشرين الثاني 2017.

بعد عام ونصف من تأسيسها، بسطت “الإنقاذ” نفوذها الإداري وسيطرتها على مفاصل الحياة في المنطقة، إثر اتفاق بين “هيئة تحرير الشام” و”الجبهة الوطنية للتحرير”، نص على جعل المنطقة كاملة تابعة لـ”الإنقاذ”، وسلّمت “الإدارة المدنية للخدمات” التابعة لـ”الهيئة” مؤسساتها الخدمية لـ”الإنقاذ” من مياه وكهرباء ومواصلات وغيرها.

“الحكومة” التي بدأت بـ11 حقيبة وزارية واستقرت على عشر وزارات، نشأت في ظل تعقيدات وتجاذبات داخلية، وحضور دولي لإدلب في خطابات سياسية دولية يشي تضاربها بعدم استقرار المنطقة، إلى جانب سيطرة “تحرير الشام” عليها بشكل غير مباشر اقتصاديًا وخدميًا.

بعد تحكّم “تحرير الشام” بالمنطقة على الصعيد العسكري والأمني، عقب التمدد الأبرز لها بعد المعارك التي خاضتها ضد “حركة أحرار الشام” و”حركة نور الدين زنكي” و”صقور الشام”، خلال العامين 2017 و2018، بدأت معالم سيطرتها الاقتصادية تتضح تدريجيًا، رغم وجود “الإنقاذ” في علاقة غير واضحة المعالم فيما بينهما، ترافقت مع اتهامات بوقوف “الهيئة” خلف العديد من المشاريع التي وُصفت بـ”الاحتكارية”.

تجلّت معالم هذه السيطرة بظهور “الجولاني”، في 23 من تشرين الثاني 2021، وحديثه عن دعم مادة الخبز بأكثر من ثلاثة ملايين دولار أمريكي، وعن دعم الأفران الحكومية، والأفران العاملة في المنطقة، وشمل الدعم من 35 إلى 40 فرنًا كحل إسعافي وسط أزمة خانقة شهدتها المنطقة.

القائد العام لـ”هيئة تحرير الشام” “أبو محمد الجولاني”، وأعضاء حكومة “الإنقاذ” خلال تدشين مشروع ضخ المياه بريف إدلب الغربي- 23 تموز 2022 (أمجاد)

من يدير من؟

برز وقوف “الهيئة” وإدارتها للمشاريع الاقتصادية في المنطقة تدريجيًا، بتعهدات ووعود وضعها “الجولاني” على عاتقه من خلال ظهوره المتكرر في قضايا خدمية واقتصادية عديدة، واعتلائه منصة الحديث والخطاب في الاجتماعات، مستعرضًا العديد من المشاريع، ومشجعًا على خلق بيئة استثمارية، وسط حضور لشخصيات وأعضاء في حكومة “الإنقاذ”.

وزارة الاقتصاد في حكومة “الإنقاذ” تجاهلت الرد على أسئلة عنب بلدي، حول دور “الهيئة” بإدارة هذه المشاريع، وحجم استفادة “الإنقاذ” و”الهيئة” منها، مكتفية بالإجابة عن ذلك بأن “الحكومة تحمل على عاتقها القيام بمشاريع استثمارية كبيرة، وتشجع عليها الشركات”.

الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية الدكتور عبد الرحمن الحاج، قال لعنب بلدي، إن حكومة “الإنقاذ” تخضع لسيطرة مطلقة من “تحرير الشام”، وهي واجهة مدنية تتحمل أعباء المسؤوليات المدنية، فيما تتفرغ “الهيئة” لتعزيز السيطرة والأمن، وتقوية وارداتها وقدراتها وتسليحها.

 “تعتبر (هيئة تحرير الشام) نفسها بمنزلة مؤسسة الجيش في مناطق سيطرتها، وتأخذ الحصة الكبرى من جميع الموارد التي تصل إليها، فالجيش وقت الحرب يأخذ القسم الأكبر من الميزانية، وهي تفكر بنفس الطريقة، لأنها ترى نفسها قوة أمر واقع مستقرة، وتعمل بالتالي على ترسيخ نفسها من أجل المستقبل، وتريد أن تكون قوة يُحسب لها حساب في أي حلول مستقبلية بالمنطقة.

د. عبد الرحمن الحاج

الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية

وأوضح الدكتور الحاج، أن “الهيئة” تملك القدرة على السيطرة والاستراتيجية، بينما تملك حكومة “الإنقاذ” بعض الخبرة نسبيًا، ومن الملاحَظ أن عددًا من وزراء الحكومة، منذ إنشائها، هم مدنيون منشقون عن مؤسسات النظام، ولديهم بعض الخبرة “البيروقراطية” لإدارة مؤسسات تنفيذية ذات طابع حكومي، بحسب الباحث.

واعتبر الباحث أن من يدير الموارد الاقتصادية ويضع الاستراتيجية العامة هو “الهيئة”، وربما “أبو محمد الجولاني” بشكل منفرد، لكن الذي ينفذ الاستراتيجية ويضع السياسات اللازمة لتنفيذها هم موظفو الحكومة.

في 21 من آذار الماضي، ظهر “أبو محمد الجولاني” في لقاء مع عدد من الشخصيات العاملة ووجهاء في الشمال السوري، وذكرت معرّفات مقربة من “الهيئة”، أن اللقاء جاء تلبية من “الجولاني” لدعوة الأهالي في منطقة أريحا وجبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي.

وسط غياب حضور وزراء وأعضاء في حكومة “الإنقاذ”، كانت أسئلة ومطالب الأهالي موجهة إلى قائد “تحرير الشام” للنظر فيها ودعمها، وإيجاد الحلول للمشكلات التي تقف عائقًا أمام الأهالي، رغم أن “الإنقاذ” هي التي تدير المنطقة إداريًا، وتنفي صلتها بالفصيل العسكري.

ويرى الدكتور الحاج، أن الحكومة هي مؤسسة تنفيذية، تنفذ الاستراتيجية والسياسة العامة التي تفرضها “تحرير الشام” وحسب، ويستفيد “الجولاني” منها في عدة أمور، أولها أنها واجهة مدنية لـ”الهيئة” تخفف من وطأة الإدارة المباشرة لحياة الناس اليومية من قبل تنظيم عسكري.

سجّل “الجولاني” مطالب أهالي أريحا التي دعته إلى توجيه الوزارات للاهتمام بدعم مؤسسات قانونية، ودينية، ودعم لقطاعي التعليم والثروة الحيوانية، مشيرًا إلى أن البناء الطويل والاستراتيجي ستقطف المنطقة “ثماره” لاحقًا، وأن المؤسسات تُبنى بطريق صحيحة ومنظمة، “نحن لا نخترع شيئًا جديدًا، ما يميزنا أننا نبني في ظل الحرب”، وأضاف أنه يعمل على بناء بنية تحتية لصنع مناخ استثماري مناسب في المنطقة.

وجود “الإنقاذ” يخفف عن “الهيئة” عبء إدارة حياة الناس اليومية دون عوائد، ومنح “تحرير الشام” بعض الاحترام الذي تحتاج إليه بابتعادها عن التدخل المباشر في حياة الناس، وثالثًا تستفيد “الهيئة” من “الخبرات البيروقراطية” التي لا تملكها “تحرير الشام” بطبيعة الحال، فالمقاتلون لا يملكون أي خبرات إدارية في الحياة العامة، بحسب الحاج.

ولفت الباحث إلى أن المنظمات التي تقوم بالمشاريع الخدمية في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” ترفع عن الأخيرة عبء ذلك، وبشكل خاص البنية التحتية والتعليم والصحة.

وقفة في مدينة إدلب احتجاجًا على ارتفاع أسعار المحروقات وغلاء المعيشة – 4 آب 2020 (عنب بلدي/أنس الخولي)

انعكاس “طفيف” يلمسه سكان إدلب

انعكاس المشاريع التي تنفذها “الهيئة” تحت عباءة “الإنقاذ”، أو التي يديرها رجال يتبعون لـ”تحرير الشام”، لم يكن بالشكل الإيجابي الذي ينتظره السكان وسط واقع معيشي متردٍ يعيشونه، وخرجت مظاهرات عديدة طالبت بتحسين المستوى المعيشي، ووُجهت انتقادات واتهامات بغياب أولوية الإنسان في خطط “الإنقاذ” و”الهيئة”، ومحاولة إثبات شرعيتهما بالمشاريع الخدمية، ترافقت بمطالبات بتحسين الأوضاع المعيشية للسكان والنازحين.

نور الدين إبراهيم مسنّ يقيم في مدينة إدلب، قال لعنب بلدي، إن المشاريع التي تجري في مناطق نفوذ “الإنقاذ”، جعلت من الوضع الاقتصادي أفضل من ناحية المعيشة، ومن ناحية تأمين فرص العمل.

بدوره، “أبو إبراهيم” شاب يقيم في مدينة إدلب، اعتبر أن المقيمين في إدلب لم يلمسوا أي تحسن في أوضاعهم المعيشية من هذه المشاريع، مرجعًا أسباب ذلك إلى أن ما يهم المواطنين هو حصولهم على قوتهم اليومي من خبز وغذاء ومحروقات بسهولة فقط، وهو ما لا يحدث، بينما هذه المشاريع تعد “تنظيمية” فقط من وجهة نظر “أبو إبراهيم”، معتبرًا أن فائدة هذه المشاريع من الممكن أن تنعكس على التجار، أو القائمين عليها، أو أصحاب الأموال فقط.

وفي تشرين الأول 2021، شهدت مدينة إدلب مظاهرة رافضة لسياسة حكومة “الإنقاذ”، احتج المتظاهرون فيها على ارتفاع الأسعار بشكل عام، والمحروقات بشكل خاص، متهمين شركة “وتد” ومن يقف خلفها بـ”الاحتكار واستغلال حاجة الناس”.

وفي 10 من أيار الماضي، أصدر مجلس مدينة إدلب، التابع لوزارة الإدارة المحلية والخدمات في حكومة “الإنقاذ”، قرارًا يقضي بضرورة قيام أصحاب الأكشاك (البراكيات) و”البسطات”، ضمن مدينة إدلب، بإزالة الإشغالات والمخالفات من الشوارع والأرصفة، حرصًا على حركة مرور المواطنين والسيارات.

أثار القرار غضب واستياء أصحاب “البسطات” الذين اعتبروا أن القرار يهدد مصدر دخلهم، في حين برره مجلس المدينة بتسهيل الحركة أمام المواطنين والسيارات، على أن يتم تأمين بدائل من خلال افتتاح أسواق شعبية (بازارات) متنقلة في أماكن مختلفة من مدينة إدلب خلال أيام الأسبوع.

وفي 26 من حزيران الماضي، خرج عشرات المتظاهرين وسط مدينة إدلب بمظاهرة احتجاجًا على رفع وزارة الأوقاف التابعة لـ”الإنقاذ” إيجار المحال والعقارات التابعة لها، وتضرر عشرات المستفيدين منها، وطالب المتظاهرون بإيقاف “سياسة التسلط على السكان ومقاسمتهم لقمة عيشهم”.

جولة وزير الاقتصاد والموارد في “حكومة الإنقاذ” باسل عبد العزيز ومدير الصناعة مضر العمر على مدينة باب الهوى الصناعية – 14 تشرين الأول 2021 (صفحة مدينة باب الهوى الصناعية على فيسبوك)

هل تشهد إدلب مزيدًا من المشاريع؟

يجب على المستثمرين الأجانب قبل اتخاذ قرارهم بالاستثمار في بلد معيّن، دراسة وتحديد مدى خطورة “مناخ الاستثمار” في هذا البلد، بحسب ما يوضحه تقرير نُشر عبر موقع “Investopedia” المتخصص بالمال والاستثمار.

مناخ الاستثمار، هو الظروف الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية في بلد ما، التي تؤثر على مدى استعداد الأفراد والبنوك والمؤسسات لإقراض الشركات العاملة الخاصة فيها.

ويتأثر مناخ الاستثمار، بحسب التقرير، بعدة عوامل غير مباشرة، منها مستوى الفقر، ومعدل الجريمة، والبنية التحتية، ومشاركة القوى العاملة، واعتبارات الأمن القومي، والاستقرار السياسي، والضرائب، والسيولة، واستقرار الأسواق المالية، وسيادة القانون، وحقوق الملكية، والبيئة التنظيمية، وشفافية الحكومة ومساءلتها.

من جهته، يرى الدكتور السوري في الاقتصاد ومدير البرنامج السوري في “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”، كرم شعار، أن الواقع الاستثماري بمناطق “هيئة تحرير الشام” يعتبر جذابًا ببعض الجوانب وسيئًا للغاية بجوانب أخرى.

وأوضح شعار لعنب بلدي، أن جاذبية الاستثمار في إدلب تأتي من كونها تتمتع بأعداد كبيرة من اليد العاملة المتوفرة والمؤهلة وغير المكلفة، بالإضافة إلى ما تملكه المنطقة من موارد طبيعية، فهي مثلًا أرض زراعية بالدرجة الأولى.

ولكن بالمقابل، فإن عدم وضوح طبيعة المناخ الاستثماري في شمال غربي سوريا ككل، يؤثر على رغبة المستثمرين بالدخول باستثمارات طويلة الأجل، لذا تعتبر معظم النشاطات الاقتصادية الحالية خدمية أكثر منها صناعية، أو ربما صناعية خفيفة، بحسب شعار.

بينما اعتبر الباحث في الاقتصاد السياسي يحيى السيد عمر، أن استقطاب الاستثمارات ليس بالأمر السهل، فهو يحتاج إلى بيئة تشريعية ومالية وخدمية، وتوفر الطاقة وتسهيلات ضريبية وغيرها، وهذه العوامل تفتقدها حكومة “الإنقاذ” بشكل واضح، وهذا ما يجعل من أي توجه استثماري في مناطق سيطرتها قضية “إعلامية أكثر منها اقتصادية”، بحسب تعبيره.

ويرى السيد عمر، أن التوجه للاستثمار في المنطقة يبقى “جهدًا نظريًا”، ولا سيما في ظل عدم وجود استقرار حقيقي دائم، فالمنطقة “مرشحة في أي لحظة لتصعيد عسكري”، وفي ذات الوقت يحتاج هذا الأمر لدعم إقليمي، وهو غير متوفر حاليًا، خاصة في ظل عدم الاعتراف بشرعية حكومة “الإنقاذ”، معتبرًا أن “من غير المتوقع ومن غير الممكن من الناحية العملية، أن تشهد مناطق سيطرة حكومة (الإنقاذ) توجهًا استثماريًا حقيقيًا، فالبيئة الاقتصادية والسياسية والأمنية والخدمية غير مهيّأة لاستقبال استثمارات حقيقية في المدى المنظور”.

مقالات متعلقة