“أفواه الزمن”.. نظرة سريعة على المواقف كما يفسرها غاليانو

ع ع ع

“من زمن نحن، نحن أقدام الزمن وأفواهه (…) أفواه الزمن تروي الرحلة”.

بالقليل من الكلمات، بنى الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو كتابه أو مجموعته القصصية “أفواه الزمن”، وهي عبارة عن كتاب مكوّن من القصص القصيرة، أو ما دون القصيرة، إنها باختصار قصة الموقف، أو الموقف القصصي، حيث لا يحتاج سرد الحدث وإيصال الرسالة إلى رسم معالم شخصيات ووصفها، وخلق مبررات وتمهيد وحبكة وصراع وذروة قبل انفراج، وما إلى ذلك من عناصر البناء القصصي.

الموقف في القصة يصوّر شخصها، أو شخوصها، تاركًا للقارئ حرية التخيّل، وإلباس الشخصيات ما ينتقيه من صفات، وعلى أي حال، فالقصة لن تبقى طويلًا أمام عين القارئ، باعتبار أن التالية على مسافة أسطر.

يتكوّن الكتاب من أكثر من 300 قصة، أو موقف قصصي، ينقل عبره غاليانو، الذي عاش 75 عامًا، عصارة تجربة أدبية طويلة وعلاقة عميقة بالكلمة.

ورغم أن “أفواه الزمن” لم يكن ختام نتاج غاليانو الأدبي، فإن وجهات نظر ومواقف وآراء وصورًا كثيرة تمنح الكتاب طابعًا مميزًا، ولا سيما مع قصر النص الذي لا يترك للقارئ فرصة للتضجّر والتأفف.

وفي قصة “تدريبات عملية”، يقول غاليانو: “خواكين دي سوثا كان يتعلم القراءة، ويمارسها بقراءة الإعلانات التي يراها، وكان يظن أن الميم هو أهم حرف في الأبجدية، لأن كل شيء يبدأ به، ممنوع المرور، ممنوع إدخال الكلاب، ممنوع إلقاء القمامة، ممنوع التدخين، ممنوع البصق، ممنوع الوقوف، ممنوع لصق الإعلانات، ممنوع إشعال النار، ممنوع الضجيج، ممنوع”.

إذًا، هذه واحدة من قصص الكتاب التي تعكس صورة عن طول النص من جهة، ما يفسر سبب غياب الفهرس عن النسخة المترجمة للكتاب، كون الصفحة الواحدة ستجمع قصتين أو ثلاثًا أحيانًا، كما تجسد من جهة أخرى طبيعة الرسائل الناقدة التي يحملها النفس الأدبي لغاليانو.

ومن أبرز نصوص المجموعة التي تقدّم القصة بأسلوب مختلف يقترب من النثر دون أن يلغي القصة بأحد جوانبها على الأقل “الحروف الأولى”، ويقول فيها الكاتب: “من القندس تعلمنا إقامة السدود، من الطيور تعلمنا بناء البيوت، من العناكب تعلمنا الحياكة، (…) من الذي علمنا العادات الخبيثة؟ ممن تعلمنا تعذيب الآخر وإذلال العالم”.

السياسة والاقتصاد والعلاقات العائلية والإعلام، والعولمة، والتاريخ، والموروث الاجتماعي، والمشاعر البشرية، وغيرها، كلها قضايا لها حضورها في الكتاب الذي يمتد على 216 صفحة.

إدواردو غاليانو من مواليد أيلول 1940، وتوفي في نيسان 2015، متأثرًا بإصابته بمرض سرطان الرئة، وفي أرشيفه الكثير من الأعمال الأدبية الخالدة، وأبرزها “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية”، هذا الكتاب الذي قالت عنه الروائية التشيلية إيزابيل الليندي، إنه كان واحدًا من أشياء قليلة هربت بها من تشيلي عام 1973، حين عاشت البلاد انقلابًا عسكريًا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة