تعا تفرج

“حماس” وعمرو خالد والحب

ع ع ع

خطيب بدلة

قبل 2011، ما كان الواحد منا ليجرؤ على ذكر منظمتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” بنصف كلمة زاحلة، لا بل إن الثناء عليهما كان واجبًا، لأنهما، وباتفاق أغلبية الناس، أقضَّتا مضجع العدو اليهودي من جهة، وتمثّلان الإسلام السياسي المسلح من جهة أخرى.

وكان الأفضل بالنسبة للأماكن التي يوجد فيها أناس يتحدثون في الشأن العام، أن توضع على الطاولات منافضُ سجائر بلاستيكية، لأنك إذا حكيت على “حماس”، وقذفك أحد الثائرين بأقرب منفضة، وكانت مصنوعة من النحاس أو الكريستال، فلربما تسبب لك، بعد الجَرح والإسعاف والخياطة، عاهة دائمة.

وكان من المحتمل، أيضًا، أن يتجاوز بعض الناس مرحلة الدفاع الغريزي عن هاتين المنظمتين، بخطوة أو قفزة إلى الأمام، كأن يكتب أحدهم قصيدة عمودية في مديح الشيخ الياسين، أو هنية، أو مشعل، وقد فعل أحد أصحابي هذا بالفعل، ولما حاولت وضع عود صغير بين عجلاته، لم يضربني بأقرب منفضة، بل زورني زورة تقطع الخلفة، وسرب لي أن بإمكانه أن يكتب بحقي قصيدة هجائية لا تقل لؤمًا وإيلامًا عن “دع المكارم لا ترحل لبغيتها”، فبلعت ريقي، وسكتُّ.

عندما يسرد أحد أبناء منطقتنا، على الحاضرين في مجلس ما، قصة فيها الكثير من المبالغة، فإنه يستهل كلامه بالقول: والله العظيم يا شباب أنا لا أزلّ عليكم بحرف. وأنا أقول ولا أزل بحرف، إننا سهرنا، ذات مرة، في بيت أحد الأصدقاء بدمشق، سهرة أدبية، وراح كل واحد منا يقرأ للآخرين نصًا من إبداعه، وكان بيننا أديبة جميلة الوجه، هيفاء القوام، فتحت حقيبتها، وأخرجت أوراقًا أنيقة، فاحت منها رائحة عطر لذيذ، وقرأت لنا قصيدة تمدح فيها رئيس تنظيم “القاعدة” شخصيًا! ساد الوجوم على الوجوه، بعدما انتهت من إلقائها، وأنا خطرت لي فكرة. طلبت منها أن نذهب إلى الغرفة الأخرى، أو المطبخ، لأحكي معها زوجًا من الكلام، وكانت سمعتي، في تلك الأيام، تسبقني حيثما ذهبت، وهي أنني “نسوانجي”، فاعتذرت، وقالت لي: أسمعنا رأيك هنا. فقلت لها: والله يا عزيزتي، لو كنت مكانك، لنتفتُ الأوراق التي كتبت عليها هذه القصيدة تنتيفًا ناعمًا، ورميتها في أقرب حاوية، ورجوت الحاضرين أن يتعاملوا مع ما سمعوه مني على مبدأ عفا الله عما مضى.

بعد سنة 2011، صرنا نسب، بالقلم العريض، على جميلة بوحريد التي درسنا سيرتها في كتب الصف الرابع، بوصفها مجاهدة عظيمة ضد الاستعمار الفرنسي، ومَن كان يحلم، ذات يوم، أن يحكي كلامًا عاطلًا على عمرو خالد، صار يكفي أن يضع صورته على “فيسبوك”، لينهال عليه السباب، وبطل المقاومة حسن نصر الله، الذي كنا نبجله، صار اسمه “حسن زميرة”، وإيران التي أرسلت لنا قاسم سليماني ليشارك الأسد في قتل شعبنا، صار يكفيك أن تضع رابط الفيديو الذي يشيد إسماعيل هنية ببطولاته ويعتبره شهيد القدس لتسمع المسبات على هذا الجوق من تحت لفوق.

لا تقل، مع القائلين، إن شعبنا لا صديق له، قل إننا ندفع دائمًا ثمن مواقفنا التي نبنيها على مبدأ “عليهم عليهم”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة