ما قانونية محاكمة الناجين من غرق مركب المتوسط

وزير الصحة في حكومة النظام السوري حسن محمد الغباش يزور الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين قبالة ساحل طرطوس- 23 من أيلول 2022 (مديرية صحة طرطوس/ فيس بوك)

وزير الصحة في حكومة النظام السوري حسن محمد الغباش يزور الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين قبالة ساحل طرطوس- 23 من أيلول 2022 (مديرية صحة طرطوس/ فيس بوك)

ع ع ع

تضاربت الأنباء حول اعتقال وتوقيف النظام السوري عددًا من الناجين من حادثة غرق مركب قبالة سواحل مدينة طرطوس، انطلق من الأراضي اللبنانية، يقل لاجئين من جنسيات مختلفة، معظمهم من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، باتجاه أوروبا.

وطرحت أنباء اعتقالهم تساؤلات عن قانونية توقيفهم أو محاكمتهم سواء لأسباب مثل تخلفهم عن الخدمة العسكرية، أو بسبب الهجرة بطريقة غير شرعية.

المركب الذي غرق في 22 من أيلول الحالي، انطلق من شاطئ “المنية” في لبنان دون معلومات دقيقة عن عدد الأشخاص الذين كانوا على متنه، بينما يقدّر عددهم بـ150 شخصًا، توفي العشرات منهم، ولا تزال المخاوف محيطة بمصير الناجين.

مخاوف بعد النجاة

قالت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، إن الأجهزة الأمنية لدى النظام السوري اعتقلت عددًا من الأشخاص السوريين والفلسطينيين الناجين من حادثة غرق المركب، بحجة أنهم مطلوبون لأسباب أمنية وللخدمة الإلزامية، دون معلومات أو تفاصيل أخرى عن أسمائهم وهوياتهم.

وذكرت “مجموعة الإنقاذ الموحد” (Consolidated Rescue Group) المهتمة بتسلّم نداءات الاستغاثة من المهاجرين، أن هناك مخاوف من بعض الأهالي أن يتم نقل الناجين إلى الأفرع الأمنية في سوريا للتحقيق معهم، مشيرة إلى إمكانية أن يكون بعض الناجين مطلوبين أو عليهم خدمة إلزامية، فأغلبية الناجين من محافظة إدلب الخارجة عن سيطرة النظام، حسب قولها.

ووصل عدد ضحايا غرق المركب إلى 101 حالة وفاة، في حصيلة غير نهائية.

في حين تباينت أرقام الناجين بين 20 ناجيًا تحدّث عنهم مدير عام المواني البحرية، العميد سامر قبرصلي، و22 ناجيًا ذكرتهم وسائل إعلام محلية، من جنسيات سورية وفلسطينية ولبنانية.

ونشرت “مديرية صحة طرطوس” أنه جرى تخريج 14 شخصًا من الناجين إلى منازلهم، وتسليم 32 جثة لذويها، في 24 من أيلول الحالي.

قانون النظام يلاحق الناجين

وسط غياب المعلومات عن مصير الناجين، وتداول الأنباء التي تتحدث عن اعتقال بعضهم، لم يتطرق إعلام النظام السوري الرسمي إلى مصيرهم.

في حين ظهرت بعض الآراء القانونية على مواقع وصفحات محلية، منها ما قاله المحامي رامي حامد، في تصريحات لإذاعة “المدينة إف إم” المحلية، حول أن القانون السوري رقم “2” لعام 2014 يشير إلى المعاقبة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات وبالغرامة المالية من خمسة ملايين إلى عشرة ملايين ليرة سورية، أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من دخل أو غادر سوريا بصورة غير مشروعة أو ضُبط في مناطق الحدود من دون سبب مسوغ لوجوده.

وذكر حامد أن عملية التهريب لم تحصل في الأرض السورية، إلا أن الجرم وقع عليها، فآثار “الجريمة” ظهرت في الأرض السورية وفق المادة “18” من القانون التي تقول إن القانون السوري لا يلاحق أو لا يعاقب إذا لم تخرج الجريمة إلى العلن سوى باستثناءين هما: إذا كان الفاعل أو الضحية سوريًا أو إذا ظهرت آثار الجريمة على أرض سورية.

و”حين تظهر للعلن يتدخل القانون ويتنازل عن فكرة أنه لا علاقة له بالجرم، إذ يوجد بالقانون الصلاحية الذاتية والشخصية، ويصبح عمليًا القانون السوري معنيًا بالمحاسبة”، وفق حامد.

وقال المحامي حامد، إن هناك حالتين هما الشق الإنساني والشق القانوني، وبالاستناد إلى الشق الإنساني، فإن ما حصل هو “فاجعة حقيقية وكارثة” بكل المعايير، لكن الشق القانوني يشير إلى جريمة فيها عدوان على “السيادة السورية وعلى القانون السوري”، مضيفًا أن القاضي سينظر إلى جرم كهذا “بعين الإنسان”.

وزير الصحة في حكومة النظام السوري حسن محمد الغباش يزور الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين قبالة ساحل طرطوس- 23 من أيلول 2022 (مديرية صحة طرطوس/ فيس بوك)

وزير الصحة في حكومة النظام السوري، حسن محمد الغباش، يزور الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين قبالة ساحل طرطوس- 23 من أيلول 2022 (مديرية صحة طرطوس/ فيس بوك)

نظام “لا يحتاج إلى سند قانوني”

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بصور الوفيات من حادثة غرق المركب، والناجين أيضًا، وسط مطالب بمحاسبة المسؤولين، وعدم التعامل مع الضحية على أنها “مجرم”.

وبحسب ما رصدته عنب بلدي من تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، من إمكانية محاكمة الناجين أو اعتقالهم، لقيت هذه الأنباء استنكارًا واسعًا، وغضبًا ودعوات للكشف عن مصير الناجين.

الدكتور في القانون العام، والباحث في مركز “الحوار السوري” أحمد قربي، قال لعنب بلدي، إن النظام السوري آخر ما يفكر به هو الاستناد إلى مواد قانونية تبرر له الاعتقال، ويمكن بسهولة أن يجد سندًا قانونيًا خاصة إذا كانت الشخصيات التي اعتقلها سورية.

وأوضح قربي أن قانون العقوبات السوري يطبق على أي سوري ارتكب جريمة بغض النظر عن مكان ارتكابها سواء داخل سوريا أو خارجها، طالما أن هذه الجريمة التي ارتكبها يطبق عليها القانون السوري، وطالما أن الشخص يحمل الجنسية السورية، فيحق للنظام أن يطبق عليه قانون العقوبات السوري.

كما يتيح القانون السوري محاكمة الأشخاص غير السوريين إذا كانت حادثة الغرق داخل المياه الإقليمية السورية وفق مبدأ الاختصاص الإقليمي.

“النظام السوري بالأساس ليس نظام دولة قانون، ولا يلتزم بمبدأ سيادة القانون، وإذا أراد أن يتذرع بوجود سند قانوني فقانون العقوبات السوري يتيح له محاكمة الناجين سواء بتهمة التهرب من الخدمة الإلزامية أو بسبب الهجرة غير المشروعة”.

الدكتور في القانون العام، والباحث في “مركز الحوار السوري” أحمد قربي

انتهاك لقانون اللاجئين

يتخذ السوريون في رحلات الهجرة طرقًا برية وبحرية تسفر عن عشرات الضحايا أسبوعيًا، بحثًا عن ظروف حياة أفضل، وبعضهم هربًا من تضييق السلطات المحلية، تزامنًا مع غياب إجراءات ملموسة من قبل المنظمات للحد من هذه الحوادث.

المدير التنفيذي لمؤسسة “لايف” اللبنانية، المحامي المختص في العلاقات الدولية نبيل الحلبي، قال لعنب بلدي، إن اعتقال النظام السوري للناجين السوريين الذين ركبوا القارب من الشاطئ اللبناني، يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي للاجئين، باعتباره استهدف لاجئين مدنيين في عمليات التوقيف.

وأشار الحلبي إلى أن السلطات السورية لم تفصح عن مصير الناجين، ما يدرجهم ضمن ضحايا جريمة الاختفاء القسري، وهي جريمة تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية.

ودعا الحلبي الأمم المتحدة والمبعوث الدولي الخاص بسوريا، إلى سؤال السلطات السورية عنهم والعمل على كشف مصيرهم، في إطار تحقيق جاد.

وزير الصحة في حكومة النظام السوري حسن محمد الغباش يزور الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين قبالة ساحل طرطوس- 23 من أيلول 2022 (مديرية صحة طرطوس/ فيس بوك)

وزير الصحة في حكومة النظام السوري، حسن محمد الغباش، يزور الناجين من حادثة غرق مركب المهاجرين قبالة ساحل طرطوس- 23 من أيلول 2022 (مديرية صحة طرطوس/ فيس بوك)

وكانت مجموعة من المنظمات الأممية أدانت عبر بيان لها، في 23 من أيلول الحالي، استمرار العديد من دول اللجوء بالتضييق على السوريين ودفعهم تجاه رحلات الهجرة غير الشرعية.

ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو جراندي، الدول المضيفة للاجئين لتحسين ظروف السوريين، محذرًا من عواقب الاستمرار بدفع اللاجئين نحو “الهاوية”.

ولجأ إلى خارج سوريا نحو سبعة ملايين شخص، يعيش معظمهم في دول الجوار بين تركيا ولبنان والأردن والعراق، بين عامي 2012 و2021، بحسب المفوضية السامية لحقوق اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

استطاع الآلاف منهم الوصول إلى أوروبا، بينما يواصل آخرون محاولات الوصول إليها هربًا من التضييق المفروض عليهم في دول الجوار، وخطط إعادة اللاجئين إلى بلادهم التي ما زالت تُعتبر في التقارير الأممية “غير آمنة”.

اقرأ أيضًا: بلا سند.. اللاجئون السوريون في مواجهة خطة ترحيل لبنانية



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة