أسعار بلا ضوابط.. حكم القوي على الضعيف

المتة.. مشروب السوريين مرهون بالابتزاز العاطفي في تركيا

متة خارطة

علب متة "خارطة الخضراء" و"الذهبية" على رفوف إحدى "البقاليات" السورية في اسطنبول- 29 من أيلول (عنب بلدي)

ع ع ع

إلى جانب مختلف المنتجات والسلع ذات الاستخدام السوري في الأسواق التركية، حلّقت على مدار الأشهر القليلة الماضية أسعار مادة المتة لدى “البقاليات” السورية، دون أسباب واضحة تتعدى أنها “مقطوعة” لفترة، لتعود بذات الحلة بعد غياب طفيف حاملة لشاربيها سعرًا مختلفًا قد لا يكون مستساغًا لديهم كطعمها.

ورغم وجود عدة أنواع منها، فإن “خارطة الخضراء” تتصدّر المشهد لدى مستهلكي السلعة، دون أن تلغي “بيبوري” كليًا، فمعايير الطلب تمنح السلع ترتيبًا مختلفًا يتراجع به حضور متة “ترغواي”، لدرجة أن طائفة شاربيها لا تكاد تُرصد.

وبصرف النظر عن لونها “بيضاء خشنة”، أو “خضراء أقل خشونة”، خلق ارتفاع أسعار متة “خارطة الخضراء” نسخة معدلة بالاسم نفسه، لا تشبه الأصل رغم ختمها بكلمة “أصلية”، وجاءت باسم “خارطة الذهبية”.

المولود الجديد جاء ليلبي متغيرات السعر، منحيًا الطعم جانبًا، ما أفرغ المحاولة من مضمونها العملي، بعدما صادق الإصدار الجديد رفوف الباعة لا طاولات “الشرّيبة”.

الأسعار متفاوتة

يبلغ سعر علبة واحدة من “خارطة الخضراء” 45 ليرة تركية (الدولار يقابل 18.5 ليرة) حتى إعداد هذه المادة، فالسعر غير معصوم عن الزيادة، طالما أن فترات زمنية قصيرة تغير وجه أسعارها التي تضاعفت خلال نحو عامين ستة أضعاف تقريبًا، كما أن تأثر هذا النوع رفع سعر “بيبوري” بشكل مقارب.

عنب بلدي رصدت عبر أحد صحفييها حالة غياب “خارطة الخضراء” عن بعض “البقاليات” السورية، مقابل حضورها في “بقاليات” أخرى.

أحمد، وهو صاحب “بقالية” في منطقة غازي عثمان باشا، قال لعنب بلدي، إن “خارطة الخضراء” “مقطوعة”، موضحًا أن سعر العلبة غير الأصلية (الذهبية) يبلغ 40 ليرة، وفي زيارة أخرى إلى “البقالية” ذاتها في بعد يوم واحد فقط، قال الشاب إن “الأصلية” (في إشارة إلى الخضراء) متاحة لديه، بعد انقطاع أكثر من شهرين، وسعرها 45 ليرة، ليتراجع سعر غير الأصلية إلى 35 ليرة تركية.

متة خارطة الذهبية

علب متة “خارطة الذهبية” في إحدى “البقاليات” السورية باسطنبول- 29 من أيلول 2022 (عنب بلدي)

ما رأي المستهلك؟

محمد، شاب سوري يعمل سائق “ديليفري” في اسطنبول، اشترى طردًا كاملًا (20 علبة) من متة “بيبوري”، بسعر الجملة (45 ليرة)، للتخلص مؤقتًا من الحديث عن الأسعار وفوضى تصاعدها، مشيرًا إلى وصول أسعارها في وقت سابق لـ70 ليرة، لكنها عادت لتتراوح بين 50 و55 ليرة.

إياد شاب سوري من جمهور متة “بيبوري” أيضًا، تحدث لعنب بلدي عن تفاوت اعتبره “غير مقبول” في أسعار السلعة خلال فترات زمنية قصيرة جدًا.

وتحدث عن ارتفاع سعر علبة متة “بيبوري” إلى 50 ليرة لدى “البقالية” التي يتعامل معها، بعدما كانت بـ45 ليرة في اليوم السابق، ما ولّد لديه رد فعل رفض معه شراء السلعة رغم إبداء البائع استعداده لبيعها وفق “السعر القديم”.

الشاب أوضح أن ارتفاع أسعار المتة المتواصل قد يدفعه لتقليل استهلاكها، وربما البحث عن بديل قريب من مستوى الجودة والطعم، مشيرًا إلى متة “ترغواي”.

وفي الوقت نفسه، أوضح أنه مضطر لشرائها باعتبارها سلعة لا يُستغني عنها، ولا يستبدل بها الشاي أو القهوة، معتبرًا رفع الأسعار بلا رقابة “ألاعيب تجار” و”حكم القوي على الضعيف”.

وحول أسباب انقطاع السلعة أو غيابها، أوضح أحمد (صاحب البقالية) أن الأسباب قد تكون مرتبطة باستيرادها، باعتبارها معبأة فقط في تركيا، ولا تأتي من سوريا، وفق ما هو واضح على علبة المتة من نوع “خارطة الذهبية”.

متة خارطة الذهبية

علبة متة “خارطة الذهبية” معبأة في تركيا وفق ما يظهر على علبها في بقالية سورية باسطنبول- 29 من أيلول 2022 (عنب بلدي)

لا ضوابط

الدكتور في العلوم المالية والمصرفية، المقيم في تركيا، فراس شعبو، يرى أن الأسواق التركية “حرة” وغير مضبوطة، إذ يمكن التسعير ضمنها وفق هوى البائع، في ظل غياب القدرة على ضبط الأسعار.

وأوضح شعبو لعنب بلدي، أن جزءًا كبيرًا من المواد تدخل بشكل غير سوي، ولو خضعت للرقابة التركية قد تكون غير صالحة للاستخدام، كون جزء منها منتجًا على الحدود، أو في سوريا، ويصدّر لتركيا.

الحكومة لا تسعى لضبط ذلك، لأن الأمر لا يعنيها، والتسعير متفاوت ومرتبط بمكان الدكان أو المتجر، ومدى إمكانية الحصول على السعر بتكلفة أقل. 

الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو

الخبير الاقتصادي لفت أيضًا إلى غياب الجهات الضابطة أو المسعرة للمواد، في إشارة إلى تفاوت الأسعار بين الدكاكين التركية، لكن السوريين يناورون على هامش الربح باعتبار أن تكلفة الإنتاج غير معروفة، وعادة ما يجري ربطها بذرائع من قبيل تكلفة الشحن والنقل.

كما أن الدكان السوري يعدّل الأسعار آنيًا وفق أسعار الصرف، على خلاف الدكان التركي، ما يخلق فجوة في الأسعار، وفق شعبو.

وحول آلية ضبط فوضى الأسعار، شدد الدكتور فراس شعبو على أن الضبط مسألة وهمية لا تحصل في دول متقدمة كثيرة، وأن التعويل على وعي المستهلك، وقدرته على تأمين السلعة بسعر يناسبه، فالأسواق الشعبية تقدم منتجاتها بعدة أسعار يختار المشتري ما يناسبه منها.

وفي الوقت نفسه، هناك “تواطؤ” بين الباعة واتفاق ضمني على عدم تخفيض الأسعار عن حد معيّن، لتجنب خلق منافسة شرسة، فالأسعار مرتفعة عمومًا، لكن البعض يرفعها أكثر.

تعلّق “الشرّيبة”

“لو كانت مسموحة في العمل، لأمضيت النهار أشرب متة، باعتبار أني لا أشرب الشاي أو القهوة”.

إياد الذي أبدى انزعاجه من الأسعار، لا يخفي أيضًا تعلقه بالمشروب الساخن الأكثر تفضيلًا لديه، موضحًا أنه يستيقظ باكرًا ليشرب متة قبل التوجه للعمل، إلى جانب عودته في المساء وشربها مجددًا، أما في يوم العطلة، فلا مانع لديه من مواصلة شربها وتبديل الكأس لأربع أو خمس مرات.

“للمتة طقوس: الغاز الصغير، السكر والمتة أمامك، وعلبة المياه لتعبئة الإبريق ومواصلة الشرب، فمن الضروري أن تكون موجودة ضمن برنامج كامل”، أوضح الشاب أن علاقته بمتة “بيبوري” تعود لأيام الطفولة، معتبرًا أن الجميل فيها نكهتها المرة بعض الشيء، ونعومتها، ما يمنح شعورًا بأنها عشبة “تازة”.

وفي الوقت نفسه يشدد عامل “الديلفري” محمد على علاقته الوثيقة بشرب المتة، مستبعدًا إمكانية الاستغناء عنها.

كما يفضّل متة “بيبوري” باعتبارها ناعمة، وفي حال تعذر توفيرها يلجأ لطحن الأنواع الأخرى من المتة قبل شربها.

مذهب الشاب في غرامه للمتة يقوم على ثلاث ساعات من الشرب المستمر بعد العمل بشكل يومي، إلى جانب وقت مفتوح أيام العطلة يقضيه مع الكأس الساخنة.

ما المتة؟

تعتبر المتة نوعًا من النباتات التي تنمو شمال الأرجنتين والبارغواي، وجنوب البرازيل، وتحمل الاسم النباتي “Ilex paraguariensis”.

يعود تاريخها في أمريكا الجنوبية لما قبل الاستعمار الإسباني، وكان شعب “الجيبارو”، وقبائل صغيرة أخرى عاشت فيما يعرف اليوم باسم الإكوادور وكولومبيا وفنزويلا، خمّرت “اليربا” (المتة)، وصنعت مشروبًا ذا خصائص مخدرة يُستخدم لتحسين الأداء البدني للكلاب المستخدمة في الصيد والقتال خلال الحروب.

كما أن قبيلة “تشونتشو” التي عاشت شمال شرق بيرو، كانت تتبع وصفة وضعها الكاهن الإسباني خوان دي فيلاسكو، تقوم على نقع المتة واستخدامها للمساعدة في علاج الأمراض التي تنتقل عبر الاتصال الجنسي، واعتبرت القبيلة أن للمشروب تأثيرًا سحريًا على النساء العقيمات اللواتي يمكن أن يحملن بعد شربه، وفق الموقع الرسمي للمتة (yerbamatero).

وفيما يتعلق بأدوات شرب المتة (كأس ومصاصة وغيرهما)، فإن شعب “الغوراني” (قبائل عاشت في المنطقة الوسطى من أمريكا الجنوبية، وكان وسط الباراغواي وشمال شرق الأرجنتين وجنوب وجنوب غرب البرازيل، وجنوب شرق بوليفيا ضمن نفوذهم) أثّر إلى الوقت الحالي في أسلوب شرب المتة.

استخدم أبناء تلك القبائل الطحن والتحميص والتجفيف، كما أدخلوا النبتة في الطب وبعض الممارسات الدينية لديهم، وشربوا المتة بأدوات مشابهة لما هو رائج في الوقت الحالي.

نبتة المتة

نبات “المتة” الأخضر (الموقع الرسمي للمتة- يربا متة)

روايات عديدة عن نشأة التسمية، تقول إحداها إن شعب “الغوراني” كان يطلق عليها “ca’iguá” (كايجا)، ويعني ذلك الوعاء الذي تُشرب به المتة، بينما استخدمت شعوب “الكيتشوا” اسمًا بذات المدلول لكن بمصطلح آخر وهو “Mati” الذي اختاره الإسبان لسهولة حفظه.

إلى سوريا ولبنان

هناك ما يتراوح بين 17 مليونًا و30 مليون عربي يعيشون في أمريكا اللاتينية، ووفق ما يرويه مؤرخون، فإن أعدادًا كبيرة من السوريين واللبنانيين هاجروا إلى دول أمريكا اللاتينية بين عامي 1860 و1912، جراء الحرب الأهلية في لبنان بين المسيحيين والدروز عام 1960، وتشجيع آخر أباطرة البرازيل بعد زيارته لبنان، حين كان جزءًا من الدولة العثمانية في سبعينيات القرن الـ19.

إلى جانب ذلك، أسهم في حالة الهجرة تلك تمرد حوران بين أبناء الطائفة الدرزية والدولة العثمانية، مطلع القرن الـ20، والحرب الإيطالية- التركية بين الدولة العثمانية وإيطاليا عام 1912، كل تلك العوامل أسفرت عن هرب سوريين ولبنانيين إلى أمريكا اللاتينية هربًا من العنف.

ووفق ما نقله موقع “Yerbamatero“، فإن هذه الأسباب أدت إلى هجرة حوالي 46 ألف سوري ولبناني إلى الأرجنتين قبل عام 1913، ما أسهم في مشاركة العادات الثقافية والتقاليد.

استهلاك نهم

تعتبر سوريا واحدة من أكثر الدول استهلاكًا للمتة، حتى خلال الثورة وفي ظل المتغيرات الاقتصادية التي فرضها العمل العسكري.

المعهد الوطني ليربا متة“، ووفق بياناته الصادرة في نيسان 2019، أحصى تصدير المتة من الأرجنتين إلى 41 دولة، بشحنات بلغ مجموعها 43 مليون كيلوغرام.

وكانت سوريا الوجهة الرئيسة بـ34.5 ألف طن، ثم تشيلي بـ4.48 ألف طن، يليها لبنان بـ752 ألف كيلوغرام، إلى جانب نحو طن واحد موزع بنسب متقاربة بين فرنسا والولايات المتحدة.

وفي 2017، صدّرت الأرجنتين 22 ألفًا و563 طنًا من المتة إلى سوريا، مقابل 800 طن إلى لبنان.

وأشار الموقع الرسمي لـ”yerbamatero” إلى ضخامة الرقم أمام غياب الاستقرار في سوريا.

اقرأ أيضًا: قصة المتة مع السوريين.. ثقافة عابرة للظروف

فوائد؟

تعتبر عشبة المتة غنية بمضادات الأكسدة والمغذيات كـ”الزانثين”، وهي مركبات تعمل كمنشطات، وتشمل الكافيين والثيوبرومين، التي توجد أيضًا في القهوة والشاي والشوكولاته.

كما أنها غنية بمشتقات “الكافيين” و”الصابونين”، وهي مركبات ذات خصائص مضادة للالتهابات وتخفيض الكوليسترول، وهناك “البوليفينول”، وهي مجموعة كبيرة من مضادات الأكسدة، ترتبط بتقليل خطر الإصابة ببعض الأمراض.

وتعتبر القوة المضادة للأكسدة في المتة أعلى منها بقليل في الشاي الأخضر، كما أنها تحتوي سبعة من تسعة أحماض أمينية أساسية، إلى جانب كل الفيتامينات والمعادن التي يحتاج إليها الجسم تقريبًا.

المتة ترفع طاقة الجسم وتحسن التركيز العقلي وتخفف تقلصات العضلات، وتقلل التعب، وتحسن الأداء الرياضي، وتساعد في منع العدوى من البكتيريا والطفيليات والفطريات، وقد تساعد على إنقاص الوزن وحرق دهون البطن، وفق موقع “healthline” المتخصص بمواضيع الطب والصحة.

في مديح المتة

كما كتب العرب الشعر للخمر قبل الحروب، وللشاي والقهوة ودلالاتهما الرومانسية والشاعرية، ظهرت على مدار السنوات الأخيرة مجموعة من الأغنيات الشعبية التي صُنعت على عجل.

ولم يخلُ بعضها من الطابع الساخر، لمديح المتة وشاربيها، مع بعض المطالع الغزلية في الأغنية، للتغزّل بالمشروب الشعبي الذي يعتبر أساسيًا لدى بعض المجتمعات السورية، كمناطق الساحل، وحمص، والسويداء، وريف حماة، والقلمون.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة