التطبيع التركي- السوري يثير مخاوف “وجودية” لدى “الإدارة الذاتية” 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – لجين مراد

تسببت التصريحات بشأن التطبيع بين تركيا والنظام السوري في مخاوف وحالة من الارتباك السياسي والعسكري لدى “الإدارة الذاتية” المسيطرة في شمال شرقي سوريا، بعد أشهر من سلسلة من التهديدات بعملية عسكرية تركية في المنطقة.

ورغم التوقعات التي تقلل من فرص نجاح التطبيع، تبدي “الإدارة الذاتية”، وذراعها العسكرية “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، قلقًا من عواقب عودة العلاقات باعتبارها المتضرر الأول.

تحديات “وجودية”

ترتبط مخاوف “قسد”، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، بكون إنهاء وجودها يعتبر أحد أبرز ملفات النقاش على طاولة التطبيع السوري- التركي.

الباحث بالشأن الكردي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” أسامة شيخ علي، قال لعنب بلدي، إن “قسد” أبرز أهداف التطبيع المشتركة بين الحكومتين.

وأوضح شيخ علي أن تركيا تسعى لإنهاء وجود “قسد” لحماية حدودها، بينما يرفض النظام السوري الاعتراف بـ”قسد”، أو تقديم أي تنازل يضفي نوعًا من الشرعية على وجودها.

هذا ما تعترف به “الإدارة الذاتية”، إذ قال نائب الرئاسة المشاركة للمجلس التنفيذي في “الإدارة الذاتية”، حسن كوجر، في 21 من آب الماضي، إن التقارب التركي- السوري يهدف بشكل أساسي لإنهاء مشروع “الإدارة الذاتية”.

وأضاف كوجر أن مطالب النظام تكمن في السيطرة الكاملة على طريق “4M”، واستعادة محافظة إدلب بالكامل، مقابل السماح لتركيا بتصعيد هجماتها ضد مناطق “الإدارة”.

الباحث في الشأن الكردي ورئيس مركز “رامان للبحوث والاستشارات”، بدر ملا رشيد، قال لعنب بلدي عبر مراسلة إلكترونية، إن أي تقدم في مسار التطبيع سيكون على حساب عدة أطراف رئيسة في المعادلة السورية، وعلى رأسها “قسد”.

ويؤدي أي تفاهم بين الحكومتين إلى زيادة مستوى الضغط على “قسد” عسكريًا، وسياسيًا، وفق الباحث.

وأشار ملا رشيد إلى أن انعكاسات التطبيع السوري- التركي على “قسد” يعتمد على خطوات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الملف السوري، إذ يمكن أن تستخدم ملف العقوبات الاقتصادية وإعادة الإعمار للضغط على النظام وروسيا وعرقلة التقارب.

ولا تنكر “قسد” التهديد “الوجودي” الذي يطاردها في ظل الحديث عن التقارب، بحسب ما قاله حسن كوجر، في 1 من أيلول الماضي، معتبرًا أن “الإدارة” تمر بمرحلة حساسة وحرب وجودية.

أوراق “قليلة” بين يدي “الإدارة”

تعتمد “الإدارة” بشكل أساسي على الدعم الأمريكي في حماية وجودها، إلى جانب تعويلها على التفاهمات بينها وبين روسيا في بعض مناطق سيطرتها.

يظهر ذلك في تصريحات المسؤولين بـ”الإدارة” خلال الحديث عن العملية العسكرية التركية، إذ أدان رئيس حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، صالح مسلم، خلال تصريحات في 4 من تموز الماضي، موقف الولايات المتحدة، وروسيا، والتحالف الدولي، بسبب عدم دعمهم “الإدارة الذاتية” في مواجهة العملية العسكرية التركية المرتقبة، معتبرًا موقفهم “طعنة في الظهر”.

ولا تمتلك “الإدارة” الكثير من الأوراق التي تمكّنها من حماية وجودها وإعادة علاقاتها السياسية، وفق ما قاله الباحث بدر ملا رشيد، معتبرًا أنها تعتمد بالدرجة الأولى على وجود الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق نفوذها.

كما تعتمد على عدم قدرة النظام السوري على القيام بعمليات عسكرية تطال مناطق نفوذها، وفق ما قاله الباحث، مضيفًا أن “الإدارة” تسعى لإعادة إحياء ملف كتابة “عقد اجتماعي” جديد عبر سلسلة من اللقاءات المكثفة التي تجريها مع مختلف مكوّنات المنطقة، في محاولة لكسب بعض القبول الاجتماعي.

ولن تحقق هذه المساعي أي قيمة فعلية على الأرض، إذ تستطيع العلاقات بين الدول إنهاء المنظمات ما دون الدولة عبر عمليات عسكرية مباشرة أو عبر التضييق الخانق عليها، بحسب ما قاله ملا رشيد.

من جهته، قال الباحث في الشأن الكردي أسامة شيخ علي، إن “الإدارة الذاتية” تدرك أن ورقة قوتها هي وجود القوات الأمريكية والتحالف الدولي في شمال شرقي سوريا، التي يُعتبر وجودها العامل الأبرز لاستمرار مشروع “الإدارة الذاتية”.

وفي حال غياب هذا العامل، تكون خياراتها للتعامل مع التقارب التركي المحتمل مع النظام محدودة، وتتراوح بين الوصول إلى اتفاق مع النظام السوري أو قوى المعارضة، بحسب ما قاله شيخ علي، معتبرًا أن الخيارين يتطلبان تنازلات كبيرة من جانب “الإدارة”، ولا تبدو مستعدة لها في الوقت الحالي.

مخاوف السكان

لا تقتصر مخاوف التقارب التركي- السوري على “قسد”، بل يطال أثرها سكان مناطق نفوذها الذين يعيشون حالة من عدم الاستقرار، خوفًا من تقارب يعيدهم إلى مناطق سيطرة النظام، أو عملية عسكرية تركية تدفعهم لعمليات نزوح جديدة.

وبحسب ما رصدته عنب بلدي، فإن معظم السكان على قناعة بأن أي تقارب سيكون على حساب وجود “الإدارة الذاتية”.

لاوند عثمان (45 عامًا)، أحد سكان مناطق شمال شرقي سوريا، قال لعنب بلدي، إن الأهالي يعيشون حالة من عدم الاستقرار، مع ما يتواتر من أخبار حول التطبيع بين النظام السوري وتركيا.

ابتسام (30 عامًا)، موظفة تسكن بلدة معبدة بريف الحسكة، تحفظت على ذكر اسمها الكامل لأسباب أمنية، قالت إنها تفضّل العيش في مناطق النظام إذا حدث هجوم تركي نتيجة تقارب مع النظام، بينما يعتبر الوضع مختلفًا بالنسبة للشباب المقيمين في المنطقة في ظل وجود آلاف المطلوبين للخدمة العسكرية لدى النظام.

وفي تقرير لوكالة الأنباء “رويترز”، أبدت مصادر من مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية”، لم تسمِّها، مخاوف من أن يفقد الكرد في المنطقة حقوقهم إثر تحسن العلاقات بين النظام السوري وتركيا.

ثلاثة سيناريوهات متوقعة

في وقت سابق، دفع الحديث عن العملية العسكرية التركية، وغياب الموقف الأمريكي الواضح حيال العملية، “قسد” لمحاولة تحقيق تقارب مع النظام السوري وحليفه الروسي، يضمن وجودها.

الباحث بالشأن الكردي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” أسامة شيخ علي، توقع وجود ثلاثة سيناريوهات مرتبطة بالتقارب التركي مع النظام السوري.

وقال شيخ علي، إنه في حال تحقق التقارب، يمكن أن تنسحب القوات الأمريكية بالتزامن مع تطبيق اتفاقية “أضنة”، مع تعديل بعض بنودها، وإنهاء تجربة “الإدارة الذاتية”، وعودة النظام إلى المنطقة، وسيطرته مجددًا على جميع مفاصلها.

هذه الفرضية تتطلب بالمقابل منح الكرد بعض الحقوق الثقافية، وفق ما قاله الباحث، مستبعدًا هذا السيناريو في ظل غياب أي مؤشرات على انسحاب أمريكي، إلى جانب صعوبة تخلي “قسد” بهذه السهولة عن منجزاتها وهياكلها العسكرية، والأمنية، والإدارية، دون ضمانات بتحقيق الحد الأدنى من مطالبها.

ويرتبط السيناريو الثاني بتوافق “الإدارة” مع النظام من خلال إعادة سيطرة الأخير على مراكز المدن والنقاط الحدودية، ودمج الهياكل الإدارية مع مؤسساته، بالإضافة إلى إيجاد صيغة لانضمام “قسد” الى جيش النظام، وفق الباحث.

وأضاف الباحث أن السيناريو الأخير يعتمد على تطبيق فعلي لاتفاق 2019، الذي تعتبر “الإدارة” أنه مطبق في الوقت الراهن بشكل جزئي.

وينص الاتفاق على استمرار المؤسسات المدنية لـ”الإدارة الذاتية” في عملها، وانتشار قوات النظام على نقاط التماس مع قوات المعارضة والجيش التركي وعلى الشريط الحدودي والمدن الشمالية التي أصبحت تحت النفوذ الروسي.

ويرجح شيخ علي أنه في حال تحقق التطبيع، يعتبر السيناريو الأخير هو الأرجح في ظل الوجود الأمريكي الذي يعوق أي محاولة لإنهاء تجربة “قسد” عسكريًا.

وفي 7 من تموز الماضي، تزامن حديث وسائل إعلام موالية للنظام عن التوصل لاتفاق بين “الإدارة” والنظام مع تصريحات لعضو هيئة الرئاسة المشتركة في حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) آلدار خليل، تشير إلى وجود نقاط خلاف بين الطرفين.

وقال خليل، إن “سيادة سوريا ومسؤولية حمايتها تقع على عاتق حكومة دمشق”، مؤكدًا أن حل “الأزمة السورية” يبدأ من “إنهاء الاحتلال في الأراضي السورية”.

كما اعتبر رفض النظام “ترك المركزية التي يحكم بها خوفًا من سقوطه” عائقًا أمام أي اتفاق معه.

فرص التطبيع

بعد ظهور العديد من المؤشرات حول التطبيع بين تركيا والنظام السوري، استبعدت تصريحات سورية وتركية فرضيات التقارب.

ونفى وزير الخارجية بحكومة النظام في حديث إلى وكالة الأنباء الروسية “سبوتنيك”، نُشر في 24 من أيلول الماضي، المفاوضات حول تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، معتبرًا أن عدم التزام تركيا في الوفاء بوعودها بموجب إطار “أستانة”، هو العقبة الوحيدة أمام عملية السلام في سوريا.

جاء ذلك عقب يوم واحد من تصريحات في السياق نفسه للمتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إذ قال إن الاتصالات مع النظام السوري تجري على مستوى أجهزة المخابرات، مؤكدًا عدم وجود أي خطط للاتصال السياسي مع دمشق حاليًا.

بدوره، قال الباحث أسامة شيخ علي، إن الظروف الحالية لا تسمح بعودة كاملة للعلاقات التركية مع النظام، مستندًا إلى أن النظام السوري ليس الفاعل الوحيد في المنطقة، وهو أضعف من أن يتمكن من تحقيق المطالب التركية المتعلقة بالقضاء على مشروع “الإدارة الذاتية”.

ويتفق الباحث في الشأن الكردي بدر ملا رشيد مع حديث شيخ علي، إذ أكد أن الإسراع بخطوات إعادة العلاقات بين سوريا وتركيا ما زال صعبًا.

وبحسب تقرير نشره معهد “نيو لاينز” للقضايا الاستراتيجية والسياسة، في 21 من أيلول الماضي، فإن فرص التطبيع بين تركيا والنظام السوري منخفضة بشكل كبير.

وأضاف التقرير أنه لا مصلحة للنظام السوري في تطبيع العلاقات مع أنقرة، طالما استمرت القوات التركية في وجودها ضمن الأراضي السورية.

ومع ذلك، لكي تضمن تركيا حماية مصالحها، فإنها بحاجة إلى ضمان التزامات من النظام بمنع حزب “العمال الكردستاني” من استخدام الأراضي السورية للإعداد لهجمات ضد تركيا، بالإضافة إلى ضمانات بعدم التعرض لسكان المناطق التي تسيطر عليها تركيا حاليًا، خشية أن يفر هؤلاء السوريون باتجاه الحدود التركية، وفق التقرير.

وحتى لو كانت دمشق على استعداد لتقديم تلك الضمانات، فإن أنقرة تعلم جيدًا أن النظام غير قادر وغير راغب في الوفاء بها، بحسب المعهد.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة