“الهيبة” الوثائقي

ع ع ع

نبيل محمد

ما حققه مسلسل “الهيبة” اللبناني- السوري بمواسمه المتعددة، من جماهيرية، وانتشار كبير بعد عرضه على كبرى منصات المسلسلات، وعبر كبرى الفضائيات العربية، حدا بصنّاعه للشعور بضرورة أرشفته سينمائيًا بفيلم من المفترض أن إطلاقه قريب. إلا أن اللافت بعيدًا عن ذلك هو صناعة مادة وثائقية عن المسلسل تم بثها مؤخرًا عبر منصة “شاهد”، ترصد العمليات الفنية لصناعة المسلسل، وتواكب تصوير بعض مشاهده، وتلتقي صنّاعه وأبطاله.

يقول الوثائقي في مطلعه، “أصداء لا مثيل لها، ترددت في كل مدينة، دخلت في كل شارع، وباتت جزءًا من كل بيت عربي، بطل مطلق معه عدد غير مسبوق من الوجوه العربية”. من هذا المنطق يتعامل الوثائقي مع المسلسل، باحثًا عن أسرار نجاحه، ومقرًّا بأنه عمل فائق التوقعات بما حققه، وناظرًا إلى كل تفصيل فيه نظرة قداسة. تتردد على لسان المخرج والأبطال والمنتج، بل وبعض النقاد، كلمات إجلال بحق العمل، بين حزن على الشخصيات التي كان الاضطرار سبب قتلها دراميًا، وفخر بـ”جبل” ممثلًا وشخصية، وفخر برسالة العمل، لدرجة أنك تجد عددًا لا بأس فيه من المتحدثين، يرون أن المسلسل أمثولة في مهاجمة السلطات والانتصار للشعوب.

كـ”باب الحارة”، يبدو أن نجاح الجزء الأول من العمل هو الذي قاد إلى صناعة أربعة أجزاء أخرى منه، أما سر النجاح وفق ما تشير إليه أغلبية من ظهروا في الفيلم، هو هذا المستوى من التناغم بين صنّاعه. المخرج يشيد بالمنتج ذي العطاء المغدق، والمنتج يشيد بالمخرج، الممثل يشيد بزميله وزميله يشيد به، فيما يغيب كليًا أثر النص بفعل غياب كاتبه عن الفيلم كليًا، بل يبدو وكأن النص صناعة مشتركة بين جميع الأطراف.

يغيب النص كحامل للعمل، بين ممثلة ترى أن ظهورها في أحد المشاهد بحاجة إلى أكثر مما كُتب لها من حوار، فتتفق مع بقية المشاركين في المشهد على صناعة مشهدها، وبطل (تيم حسن) يظهر بأنه الصانع الأساسي للتراكيب والجمل التي اشتهرت شخصيته بها، بل والشتائم التي كان يغيّر بشكلها كي لا تحذفها الرقابة، فيدمجها بكلمات أخرى بطريقة قديمة معروفة في أسلوب تمرير الشتيمة.

يحاول الوثائقي الرد بشكل غير مباشر على الانتقادات التي وُجهت للعمل، بأنه يعلي من شأن ميليشيات التهريب، وزعماء الممنوعات في لبنان، ويجعل منهم أبطالًا شعبيين، من خلال تبرئة البطل “جبل” من ترهيب المخدرات، إذ يكفي أنه لم يقم بذلك ليكون بطلًا، أما بقية المواد التي عمل على تهريبها أو الجرائم التي تورّط بها فهي غير كفيلة بالحط من قيمته كبطل، أو تلويث سمعته، طالما أنه لم يسمح بمرور المخدرات من المناطق التي يحكمها بسلطة سلاحه العصبوي.

ما جرى من أحداث في المسلسل وفق الوثائقي والمتحدثين تباعًا فيه، هو نتيجة اتجاه أبناء المناطق المحلية لحماية أنفسهم في ظل غياب الدولة، تلك الحماية التي ستقودهم إلى صراعات داخلية، تكون هي البنية الحكائية الدرامية في العمل. كل ذلك يبدو منطقيًا نسبيًا، إنما المأخذ الأكبر على كل ما قيل، لمَ هذا الاستبسال بالدفاع عن البطل وعن قصته؟ أليس من الممكن أن يكون البطل حاملًا صفات سلبية تكافئ أو تزيد على إيجابياته؟ لمَ علينا أن نراه بطلًا شعبيًا وطنيًا ذا أخلاقيات عالية؟ ليكن بطلًا سافلًا بجزء من شخصيته! أليست دراما تلك التي نشاهد؟

نال “الهيبة” شعبيّة كبرى، وجعل من بطله نجمًا تلفزيونيًا في مكان متقدّم على زملائه الآخرين من أبناء جيله، لقد بات “سوبر هيرو” الدراما السورية في بعض الأماكن. إلا أن مقاربة العمل مع الراهن، ودمجه بالأحداث السياسية في المنطقة، تضع المسلسل في مكان مختلف من النقد، تضعه في خدمة الميليشيات بشكل مباشر، من نوح زعيتر إلى كبار قياديي أحزاب التهريب والمقاومة، إلى النظام السوري وميليشياته بلا شك.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة