هل أوقف اتفاق “الترسيم” مع لبنان ضربات إسرائيل في سوريا

نيران صواريخ أرض- جو من نظام الدفاع الجوي السوري بعد قصف إسرائيلي في سماء دمشق- نيسان 2018 (AP)

ع ع ع

توافق ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، المكوّن من إيران والنظام السوري و”حزب الله” اللبناني، مع إسرائيل على قضية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، تزامنًا مع توقف الضربات الإسرائيلية على مواقع إيران و”حزب الله” في سوريا، ما يطرح التساؤل حول مدى علاقة اتفاق الترسيم بتهدئة القصف.

وكانت أحدث ضربة اسرائيلية على الأراضي السورية منذ شهر، في 17 من أيلول الماضي، حيث استهدفت حينها مطار “دمشق” الدولي، ونقاطًا أخرى في الريف الجنوبي، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن خمسة عسكريين من قوات النظام السوري.

بينما قال “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، إن القصف أسفر عن مقتل سبعة عناصر من “حزب الله” وإيران والميليشيات الموالية لهما، مستهدفًا مستودعات ومنظومة دفاع جوي وطائرات مسيّرة، جميعها يشرف عليها “حزب الله” والميليشيات الإيرانية.

وكانت وتيرة الهجمات الإسرائيلية تصاعدت منذ بداية العام الحالي، حيث شهدت الأشهر الثمانية الأولى 49 استهدافًا، بزيادة نسبتها 22.5% مقارنة بالمدة ذاتها من العام الماضي، بحسب دراسة نشرها مركز “حرمون”، في 7 من أيلول الماضي.

وبحسب رصد عنب بلدي، فيما عدا تشرين الأول الحالي، لم يخلُ أي شهر منذ بداية 2022 من ضربة إسرائيلية واحدة أو أكثر على مناطق سيطرة النظام السوري.

وكانت المفاوضات على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل دخلت مراحلها الأخيرة، عبر الوسيط الأمريكي، عاموس هوكشتاين، بداية الشهر الحالي، بعد تسليم الأخير مسودة الاتفاقية حيث وصفها رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، بـ”الايجابية”، وتلبي “مبدئيًا” المطالب اللبنانية.

وعلى الرغم من التعديلات اللبنانية التي لاقت استياء إسرائيليًا وأوحت بانهيار الاتفاق، اتفق الطرفان بعد مشاورات أجراها الوسيط الأمريكي، ليتسلّم الرئيس اللبناني، ميشال عون، المسودة النهائية لملف ترسيم الحدود، التي وصفها بـ”المرضية للبنان وتلبي مطالبه”، في 11 من تشرين الأول الحالي.

لا تداعيات إقليمية

قال وزير الداخلية اللبناني الأسبق، أشرف ريفي، إن السبب في تراجع الضربات الإسرائيلية على سوريا هو أن إيران أبلغت إسرائيل استعدادها لإخلاء معسكراتها في سوريا، مشيرًا إلى “تخفيف” الغارات على “الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله”، بحسب حديثه لصحيفة “النهار” اللبنانية، في 11 من تشرين الأول الحالي.

الكاتب والباحث في الشأن الإيراني ضياء قدور، قال لعنب بلدي، إن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية قد تنعكس ايجابًا على استقرار الأوضاع في لبنان، لكنها لا يمكن أن تنعكس بالضرورة على الأحداث الأمنية التي تشهدها الأراضي السورية.

وأضاف قدور أنه يجب النظر إلى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية من “منظور محلي”، بسبب المصالح الخاصة للطرفين، ولا يمكن توقع أي “تداعيات إقليمية” وخصوصًا في سوريا نتيجة الاتفاقية، مستبعدًا أي انسحاب إيراني منها، حيث أشار إلى أن الانقطاعات في الهجمات الإسرائيلية مكررة سابقًا.

ويعتقد الباحث الإسرائيلي المختص في الشؤون العربية يوآب شتيرن، أن توقف العمليات الإسرائيلية في سوريا قد يعود لعدة أمور مختلفة.

لكنه نفى، في رده على أسئلة أرسلتها عنب بلدي إلكترونيًا، الحديث عن أي انسحاب لإيران من سوريا، نظرًا إلى أهمية البرنامج الإيراني في سوريا بالنسبة لها من جهة، وعدم وجود مؤشرات تدعم نظرية التراجع من جهة أخرى.

“المحور” راضٍ عن الاتفاق

بعد ساعات من تعليقات الرئاسة اللبنانية عن الرضا على المسودة النهائية للاتفاق الحدودي بين إسرائيل ولبنان، قالت مصادر لبنانية مقربة من “حزب الله” لوكالة “رويترز”، إن “الحزب وافق” على شروط الصفقة واعتبر أن المفاوضات “انتهت”.

وفي 13 من تشرين الأول الحالي، قال تقرير لصحيفة “الجمهورية” اللبنانية، إن “سوريا مرحّبة باتفاق الغاز، والترسيم البحري مع لبنان أصبح ممكنًا”، في إشارة إلى أن الاتفاق سيسهّل مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا، وبالتالي مسألة استخراج الغاز السوري من “البلوكات” البحرية المتنازع عليها مع لبنان.

وغرّد الرئيس اللبناني، ميشال عون، في اليوم ذاته، حول توجه لبنان بعد الاتفاق إلى عقد محادثات مع سوريا حول المنطقة المتنازع عليها والبالغة 900 كيلومتر مربع، واصفًا شكل التباحث بـ”الأخوي”.

المختص بالشأن الإيراني ضياء قدور، أكد لعنب بلدي أن هناك موافقة ضمنية من جانب “حزب الله” على الاتفاق البحري.

لكنه قال إن إيران قد لا تكون راضية عن هذا الاتفاق، إلا أنها لن تقف عائقًا أمام إكماله.

وأشار الباحث الإسرائيلي يوآب شتيرن إلى أن المصلحة الاقتصادية “الواضحة” لكل الأطراف، من ضمنها سوريا و”حزب الله”، هي بوصلة الاتفاق.

فمن الجانب السوري، يمكن السعي للاتفاق الآن حول الحدود البحرية والاستفادة من الحقول اقتصاديًا.

أما “حزب الله” فهو راضٍ عن الاتفاقية لأنه سيخطط نحو “الاستيلاء” على مدخولات الغاز أو النفط في حال استخراجها، وهو ما يدل على أن إيران ترحب بها.

ما اتفاق “الترسيم” البحري؟

توصلت لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لترسيم حدودهما البحرية، بعد وساطة أمريكية دامت عامين، وقد وصفت إسرائيل هذا الاتفاق بـ”التاريخي”، لأنه سيسمح للطرفين بالتنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة المتنازع عليها بالمياه الإقليمية.

وبموجب بنود الاتفاق، سيصبح حقل “كاريش” بالكامل في الجانب الإسرائيلي، فيما يضمن الاتفاق للبنان كامل حقل “قانا” الذي يتجاوز خط الترسيم الفاصل بين الطرفين.

وستشكل “البلوك رقم 9” حيث يقع حقل “قانا” منطقة رئيسة للتنقيب من قبل شركتي “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية، اللتين حصلتا في العام 2018 مع شركة روسية على عقود للتنقيب عن النفط والغاز، قبل أن تنسحب الأخيرة خلال العام الحالي.

وستحصل إسرائيل على “تعويض من مشغل البلوك 9″، بما أن جزءًا من حقل “قانا” يقع خارج المياه الإقليمية اللبنانية، “لقاء الحقوق العائدة لها من أي مخزونات محتملة في البلوك المعيّن”.

وجاء في الاتفاق، “ستعقد إسرائيل ومشغل البلوك رقم 9 اتفاقية مالية قبل اتخاذ المشغل قرار الاستثمار النهائي”، وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، الأربعاء الماضي، أن إسرائيل ستتلقى نحو 17% من عائدات حقل “قانا” حين يدخل مرحلة الإنتاج.

وسيدخل الاتفاق حيز التنفيذ عندما ترسل الولايات المتحدة إشعارًا يتضمن تأكيدًا على موافقة كل من الطرفين على الأحكام المنصوص عليها في الاتفاق.

كما ينبغي على كل طرف أن يقدم رسالة تتضمن قائمة بالإحداثيات الجغرافية المتعلقة بترسيم الخط البحري إلى الأمم المتحدة، لتحل مكان التي أرسلتها الدولتان في عام 2011، ولا يحق لأي منهما مستقبلًا إرسال أي مذكرة غير متفق عليها من الجهتين، تتضمن خرائط أو إحداثيات تتعارض مع الاتفاق.

ويعوّل لبنان على اكتشاف الغاز، بعد غرقه في أزمة مالية منذ عام 2019، حيث يمكن لهذا الاكتشاف أن يساعد في إنتاج الكهرباء الكافية للسكان.

في حين يأتي الاتفاق في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تنويع إمداداته من الغاز جراء تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ تعتمد إسرائيل على حقل “كاريش” لزيادة شحنات الغاز إلى القارة العجوز.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة