تجليات سورية في الحرب الأوكرانية

ع ع ع

إبراهيم العلوش

بعد تعيين القائد الروسي السابق في سوريا، سيرغي سوروفكين، قائدًا عامًا للجبهة الأوكرانية قبل أيام، تم تدمير منشآت توليد ونقل الطاقة، وتم قطع الكهرباء عن أكثر من 1100 مدينة وبلدة وقرية أوكرانية على أبواب شتاء قارس تصل درجة الحرارة فيه إلى 20 درجة تحت الصفر.

اشتهر سوروفكين بقصفه المدن والقرى السورية، وخاصة مدينة حلب التي أحال نصفها إلى ركام، واشتهر بتدمير المدارس والأسواق الشعبية، واستخدام الكيماوي ضد المدنيين، ما جعل اسمه يرد في أكثر من تقرير دولي حول انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا والتسبب بجرائم حرب لا تزال مسجلة في السجلات الدولية.

سوروفكين هذا متهم ببيع وتهريب الأسلحة الروسية، ومحكوم بالسجن في روسيا مع وقف التنفيذ والتبرئة اللاحقة، ويحق لنا التساؤل نحن السوريين ما إذا كان يبيع الأسلحة لـ”داعش” من أجل أن يبرر الانتهاكات الروسية لحقوق الإنسان السوري والتسبب في تهجير السكان.

وهذا هو السيناريو المعتمد اليوم في أوكرانيا بقيادته، فسكان مدينة خيرسون الأوكرانية يتم تهجيرهم إلى جزيرة القرم ومن ثم إلى روسيا، وسط إحصاءات تشير إلى تهجير أكثر من خمسة ملايين أوكراني إلى روسيا من أجل التحكم بالمفاوضات المقبلة، والتحكم بمستقبل أوكرانيا بعد الحرب.

لقد تحكمت روسيا بسوريا عبر التهجير والقصف الجوي واعتماد السجادات النارية التي تحرق البشر ولا تقيم وزنًا للحياة الإنسانية، ويشاهد العالم اليوم نفس القائد الروسي وبنفس التكتيكات المتوحشة وهو يدير الحرب في أوكرانيا. وترى الأوكرانيين في أوروبا لا يزالون يتجولون جماعات كأنهم مستمرون بقطع الدروب والمتاهات التي فروا عبرها من الجحيم.

وعلى نمط النسخ الإلكتروني، حاول بوتين أن يستحدث نسخة 2.0 من بشار الأسد لتنصيبها في أوكرانيا، ولكن حربه المتعثرة جرّت روسيا إلى كارثة يزداد حجمها يومًا بعد يوم، وتجرّ العالم إلى حافة حرب مفتوحة ستغير مسار الوجود الإنساني، وربما هي على شاكلة الكارثة السورية أو أكبر، حيث يحاول بوتين تعميم الدمار الذي حلّ بسوريا وجعله كارثة عالمية، وذلك عبر تهديداته المتكررة باستعمال الأسلحة الكيماوية او الأسلحة النووية التكتيكية لحماية استمراره في العدوان على أوكرانيا، الذي يؤمّن له الاستمرار في حكم روسيا، خصوصًا أنه سبق أن غيّر الدستور الروسي قبل الحرب، ليتمكن من البقاء حتى عام 2036، ما يذكّر ببشار الأسد وأبيه الذي كان يحلم بالحكم إلى الأبد.

التجلي السوري الآخر في الحرب الأوكرانية، هو ظهور القوات الشيشانية بقيادة رمضان قديروف الذي يرسل أبناء جلدته إلى حرب ضروس لا تشبع من الضحايا، والشيشان الذين في أوروبا يعتبرون أن هذه الحرب هي كارثة بحق الشيشان مثلما هي كارثة بحق الأوكرانيين، فالقائد الشيشاني الذي كان أبوه جنديًا عند بوتين في حرب الشيشان يقوم بنفس الدور، ويضع أبناء الشيشان بخدمة أهداف بوتين، بالإضافة إلى قيامهم بأعمال النهب للمدنيين وإذلالهم، وكان قد أرسل آلاف الشيشان إلى سوريا من قبل، حماية لنظام بشار الأسد وللنفوذ الروسي هناك، وفرقته العسكرية تكاد تشبه قوات “حزب الله” في سوريا!

ومن تجليات الحرب هناك أيضًا، التعاون الإيراني- الروسي وتوريد المسيّرات الجوية الإيرانية إلى روسيا، التي صار وجودها ملحوظًا، حيث قال الرئيس الأوكراني، إن إيران باعت أكثر من 2400 طائرة مسيّرة لروسيا، وتفاخر المرشد خامنئي بذلك قائلًا: بالأمس كنتم تعتبرونها مجرد صور واليوم تحذّرون منها. وذكرت وكالات الأنباء أن أربعة جنرالات إيرانيين موجودون في جزيرة القرم لمساعدة الجيش الروسي في إدارة المسيّرات وتشغيلها، وكان الناطق باسم الرئاسة الروسية، بيسكوف، تجاهل الأخبار حول المسيّرات الإيرانية، ولكنه لم ينفِها.

هذا الضلوع الإيراني يعيد سيناريو التعاون الروسي- الإيراني في سوريا، ويعيد تسليط الأضواء عليه، ما يجعل القضية السورية حاضرة في ملفات القضية الأوكرانية ويمنع عنها النسيان والتجاهل.

ومن تجليات الحرب أيضًا، إخراج روسيا في الأسابيع الماضية أكثر من 1600 جندي وضابط من سوريا وإلحاقهم بالجبهة الأوكرانية، وبعض التقارير تقول إن الأعداد أكثر من ذلك بكثير، بالإضافة إلى اقتلاع نظام “إس 300” للدفاع الجوي من سوريا وترحيله إلى الجبهات المفتوحة هناك. وهذا يعيد التساؤل حول مستقبل الوجود الروسي في سوريا، ومصير القوات البرية الإيرانية التي تحتمي بالمظلة الجوية الروسية في أثناء هجومها المتكرر على الشمال السوري.

الجرائم التي ارتكبتها روسيا وإيران في سوريا تظهر اليوم بنسخة أوكرانية شديدة الوضوح، ويراقبها العالم، وتغص وكالات الأنباء بتفاصيلها، وهذا ما يساعد على جعل القضية السورية موجودة وغير قابلة للنسيان، فالمجرمون الذين مزقوا بلادنا يقومون بدور مشابه، وإذا تم تجاهلهم وعدم معاقبتهم مرة أخرى، فسيقومون بجرّ العالم إلى حروب لا تنتهي وقد تصل إلى حرب نووية مدمّرة.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة