ينتظرهم مستقبل مجهول  

أبناء مقاتلي التنظيم.. ضحايا أم جناة

أطفال محتجزين في مخيم ""الروج" شمال شرقي سوريا 30 من أيلول 2020 (AFP)

ع ع ع

عنب بلدي – لجين مراد

في ظروف مختلفة، أُجبر مئات الأطفال من مختلف الجنسيات على العيش ضمن بيئة صنعها تنظيم “الدولة الإسلامية”، حوّلت عودتهم إلى هاجس يلاحق حكومات بلادهم ومجتمعاتهم.

وبين اعتبارهم ضحايا أو مرتبطين بـ”إرهاب” التنظيم، تُطرح العديد من التساؤلات حول آلية التعامل مع الأطفال القاصرين، ومستقبلهم قانونيًا واجتماعيًا حال عودتهم إلى بلادهم.

ورغم وجود آلاف النساء والأطفال الأجانب المحتجزين في المخيمات الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شمال شرقي سوريا، ما زالت المخاوف الأمنية تحدّ من تحرك الدول لاستعادة رعاياها.

تقييم الوضع القانوني

السؤال الأبرز في هذه القضية “ضحايا أم جناة؟”، تترتب عليه قرارات تحدد مصير القاصرين الذين تستعيدهم دولهم من مخيمات الاحتجاز شمال شرقي سوريا.

مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، قال لعنب بلدي، إن النقطة الأساسية في تقييم الوضع القانوني والاجتماعي للقاصرين هي تحديد مستوى انخراطهم بعمليات التنظيم.

وأضاف الأحمد أن معظم الأطفال مجندون قسرًا، ولا يمكن تحميلهم مسؤولية ذلك.

ورغم أن العديد من القاصرين انخرطوا في عمليات التنظيم، تفرض الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تقسيمهم إلى فئات بحسب مستوى المشاركة، مع الحفاظ على حقوقهم في جميع الحالات، وفق الأحمد.

وانضمت العديد من النساء إلى صفوف تنظيم “الدولة” برفقة أبنائهن، بينما أنجبت أخريات أطفالًا من مقاتلين في التنظيم، وفي كلتا الحالتين لم يملك الأطفال حق الاختيار.

وبينما تواصل العديد من الحكومات والمجتمعات اعتبار القاصرين المرتبطين بالتنظيم جناة أو شركاء بالعمليات “الإرهابية”، صدرت عشرات التقارير الحقوقية التي أكّدت ضرورة اعتبار الأطفال ضحايا، واعتبار مصيرهم مسؤولية دولهم.

وبحسب تقرير صادر عن مركز “دياكونيا” للقانون الدولي الإنساني، يجب تصنيف الأشخاص المرتبطين بالتنظيم إلى “المقاتلين الذكور” و”أفراد الأسرة”، وتندرج تحت ذلك تصنيفات أخرى مرتبطة بدورهم وانخراطهم في العمليات القتالية.

وأوضح التقرير أن أسباب وجود القاصرين في صفوف تنظيم “الدولة” أو ارتباطهم به مختلفة، ودرجة انخراطهم بفكره ومشاركتهم في عملياته تحدد كيفية تصنيفهم.

كما تنص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على أن كل طفل يُدّعى انتهاكه للقانون، يجب افتراض براءته حتى تثبت إدانته قانونيًا.

هذا ما تؤكده “مبادئ باريس” المتعلقة بمستقبل الأطفال بعد الحروب، التي تقضي بالتعامل مع القاصرين المجندين أو المرتبطين بجهات مسلحة على أنهم ضحايا جرائم حرب.

المساءلة “قانونيًا”

استعادت العديد من الدول بعض رعاياها المحتجزين في مخيمات الاحتجاز، وفي حين تُسلّم النساء إلى الجهات القضائية المختصة، تقول الدول إنها نقلت القاصرين إلى خدمات رعاية الأطفال دون ذكر مصيرهم القانوني.

وتظل مسألة محاسبة القاصرين أو مساءلتهم وآلية ذلك غير واضحة، وسط مخاوف حقوقية من أن تنتهك الدول حقوق القاصرين، وتحاسبهم بطرق غير قانونية على غرار تجريد بعضهم من جنسيتهم، وترك كثيرين في مخيمات الاحتجاز.

ويرى مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أن من الضروري الالتزام بالتعامل معهم كقاصرين دون السن القانونية في حال مساءلتهم.

ويجب الفصل بين القاصرين والبالغين منهم حتى في مراكز الاحتجاز لحمايتهم ومنع تعرضهم للأذى، وفق ما قاله الأحمد، مشيرًا إلى أن العديد من تجارب أماكن الاحتجاز المشتركة أسفرت عن تعرّض الأطفال لاعتداءات جنسية.

وأضاف الأحمد أن على الجهات المسؤولة حماية الأطفال من العنف والتعذيب، وعدم انتزاع أي اعترافات تحت الضغط النفسي أو الجسدي.

وتسبق مرحلة المساءلة والمحاسبة مرحلة إعادة تأهيل القاصرين ليكونوا قادرين على تقديم إفادتهم بظروف مناسبة، بحسب ما قاله الأحمد.

ومن الضروري انخراط الوكالات الأممية عند التعامل مع القاصرين، خاصة في مرحلة التأهيل وإعادة الدمج، وفق الأحمد.

كما يجب على السلطات النظر في الظروف التي أدت إلى ارتكاب القاصرين أفعالًا غير قانونية، ومقارنتها بالحالة العقلية للفرد، ومدى إدراكه لطبيعة ما فعله، وفق تقرير صادر عن “المركز السوري للعدالة والمساءلة”.

وانتقد التقرير اقتصار جهود السلطات في هذا السياق على إحقاق العدل للضحايا، متجاهلة سن الجاني أو ظروفه الاجتماعية.

وبحسب التقرير، ينبغي أن تكون السن الدنيا للمسؤولية الجنائية 15 عامًا مع مراعاة مستوى النضج العقلي والعاطفي والفكري للقاصرين، بالإضافة إلى ضرورة دمج خدمات الدعم النفسي الاجتماعي ضمن الإجراءات القانونية المعتمدة.

كما تنص “مبادئ باريس” المتعلقة بمستقبل الأطفال بعد الحروب على ضرورة معاملة القاصرين في إطار العدالة التصالحية وإعادة التأهيل الاجتماعي، بما يتماشى مع القانون الدولي الذي يوفر للأطفال حماية خاصة من خلال العديد من الاتفاقيات والمبادئ.

العودة إلى المجتمع

تبرر الحكومات مخاوفها باعتبار القاصرين المرتبطين بالتنظيم منفصلين عن مجتمعاتهم الأصلية، ويمكن أن يكونوا “قنابل موقوتة” حال عودتهم إلى مجتمعاتهم.

وتعتبر الدول أن هؤلاء الأطفال تربوا على فكر “إرهابي” يمكن أن ينتقل معهم إلى بلادهم، كما تلاحق هؤلاء الأطفال “وصمة عار” تجعلهم مرفوضين من قبل الحكومات والمجتمع.

وفي هذا السياق، قال الباحث والاختصاصي بعلم النفس الاجتماعي صفوان قسام، لعنب بلدي، إن على الدول تقديم خدمات الدعم النفسي الاجتماعي بمختلف مراحلها بحسب حاجة القاصرين لذلك.

وتتطلب عودة القاصرين إلى مجتمعاتهم إعادة توازنهم النفسي من خلال تقديم أنشطة مدروسة وموجهة لهم، وفق قسام.

وأضاف قسام أن دمج الأطفال في المجتمع يجب أن يكون بشكل تدريجي، وتبدأ تهيئة الأطفال بإعطائهم مهارات حياتية، ودراسة آلية تخليصهم من الأفكار العنيفة التي تربوا عليها.

ويُفترض أن يخضع الأطفال لمرحلة الدمج التجريبي من خلال دمجهم مع عيّنة صغيرة ومحددة من الأطفال، لتقييم تجاوبهم وقدرتهم على التعامل معهم، بحسب ما قاله قسام.

ويرى المختصون في “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، أن على السلطات وضع برامج لفك ارتباط القاصرين بالتنظيمات المسلحة التي انضموا إليها، وإعادة دمجهم بمجتمعاتهم لتجاوز شعورهم بالتهميش، والتخلص من وصمة العار التي يمكن أن تولّد جرائم أخرى.

وينبغي أن تتيح تلك البرامج تصميم أدوات لمحو آثار التشدد الفكري، وإدراج خدمات الدعم النفسي الاجتماعي في جميع مراحل البرامج.

ويعيش في مخيمي “الهول” و”الروج”، حيث يُحتجز من يُشتبه بارتباطهم بالتنظيم، تحت سيطرة “قسد”، الذراع العسكرية لـ”الإدارة الذاتية”، حوالي عشرة آلاف طفل من حوالي 60 دولة، بحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في مطلع العام الحالي.

وتفتقر مراكز الاحتجاز لمقومات الرعاية الصحية والاجتماعية، كما تشهد حالة فلتان أمني وفوضى وحوادث قتل متكررة.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة