القابون.. المحافظة تتيح “الترميم” وتتناسى الهدم بـ”المخطط التنظيمي”

تهجير القابون والمنازل المهدمة بعد دخول قوات النظام عليها (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

“نمت شجرة تين كبيرة عند مدخل البناء”، بصوت مرتجف وصفت “شهد” (50 عامًا) لعنب بلدي، مدخل بناء منزلها في حي القابون بدمشق بعدما هجرته الأسرة لسنوات.

غادرت “شهد” (اسم مستعار) منزلها عام 2012 برفقة مئات أهالي القابون الذين هربوا من حملة عسكرية شنّها النظام السوري، لتكون بداية سلسلة طويلة من حركات النزوح المتكررة التي شهدها الحي.

وبين القصف، وإحراق المنازل، بالإضافة إلى حملات “التعفيش” من قبل قوات النظام، تحولت معظم منازل القابون إلى ركام أو أسقف وجدران غير مكسوة.

ورغم التخريب المتعمد الذي طال حي القابون، واستمرار النظام بمنع دخول السكان إليه، حددت محافظة دمشق، في 17 من تشرين الأول الماضي، مهلة لأهالي الحي لترميم منازلهم وإعادة بناء الأجزاء المهدمة منها، بمدة أقصاها ستة أشهر من تاريخ منح إذن الترميم ووفق شروط محددة.

لا أمان والتكاليف مرهقة

اشترطت محافظة دمشق على الراغبين بالترميم أن يكون على “نفقتهم الخاصة”، قالت “شهد”، “بعد أن خسرنا كل شيء، نسكن في منزل إيجار، وبالكاد أستطيع تأمين تكاليف الحياة اليومية”، مشيرة إلى عجزها عن ترميم المنزل الذي سيكلفها الملايين.

وتابعت، “حتى إزالة ركام المنازل المحيطة بالمنازل لن تتدخل بها المحافظة، ما يفرض تكاليف مضاعفة على الأهالي”، معتبرة القرار “سخرية من آلام الناس”.

وإلى جانب ارتفاع تكاليف الترميم، تستمر مخاوف الأهالي من تكرار عمليات “التعفيش”.

بلهجتها الدمشقية العامية، عبرت “شهد” عن تلك المخاوف بالسؤال، “ركّب الباب اليوم، ويخلعوه بكرا؟”، مضيفة أن هذا ما يمنعها من الترميم، حتى في حال توفر لديها ما يكفي من المال للقيام بذلك.

ولم تكن “شهد” وحدها من استبعدت العودة لترميم منزلها، إذ قالت “مرام” (اسم مستعار لأسباب أمنية)، “الترميم حلم، والمبالغ التي تتطلبها الإصلاحات البسيطة ليست ضمن إمكانياتنا”، مبدية مخاوفها هي الأخرى من أن تعود قوات النظام لتسرق البيوت مرة أخرى، وفق قولها.

مخاوف من المخطط التنظيمي

اشترطت المحافظة على الراغبين بالترميم تقديم تعهد موثق لدى الكاتب العدل، بعدم المطالبة بأي تعويض عند طلب الإخلاء لتنفيذ المخطط التنظيمي الذي يتحدث النظام عنه منذ استعادة سيطرته على المنطقة.

وقالت “شهد”، “لن يجازف أحد بدفع الملايين لترميم منزل مهدد بالهدم”، حاله كحال معظم منازل القابون التي عمل النظام على تهيئتها لتكون جزءًا من المخططات التنظيمية.

“لم أحتفظ بصور للمنزل بعد زيارتي الأخيرة له، في محاولة لتناسي الوضع المزري الذي رأيته به، وباعتباره لم يعد لي منذ غادرته أول مرة”، وفق ما قالته “شهد”.

وتابعت، “لم يكن منزلي ضحية التفجيرات والقصف، لكن ربما يكون ضحية للمخطط التنظيمي”.

ورغم أن المخطط التنظيمي بقي حتى الآن حبرًا على ورق، يواصل النظام السوري الحديث عنه، ما يزيد خوف الأهالي من العودة عوضًا عن طمأنتهم.

الخدمات غائبة

مع سماح النظام السوري بعودة الأهالي إلى منازلهم في العديد من المناطق التي هُجروا منها، عاد الكثير منهم، لكن الخدمات لم تعد إلى معظم تلك المناطق.

ويعدّ غياب الخدمات واقعًا مشتركًا تعيشه مناطق الغوطة الشرقية وحي جوبر والقابون وغيرها.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها عنب بلدي من سبعة أشخاص زاروا القابون خلال الأشهر الماضية، تعتمد معظم المناطق على “الأمبيرات” لتوفير الكهرباء.

كما أسفر القصف المتكرر الذي تعرض له الحي عن تدمر شبكات المياه والصرف الصحي.

وفي حين حدد النظام مهلة للترميم، غابت الوعود الحكومية بتوفير أي خدمات للأهالي.

ويواجه الصناعيون في المنطقة المشكلات نفسها، إذ طالب الرئيس السابق لاتحاد غرفة تجارة دمشق، وأحد صناعيي القابون، غسان قلاع، في 5 من تشرين الأول الماضي، بعودة الخدمات إلى المنطقة، تزامنًا مع السماح بعودة النشاط الصناعي.

واعتبر القلاع أن العودة إلى العمل “مستحيلة” دون تقديم المحافظة الخدمات الأساسية.

ويسعى النظام السوري لدفع الأهالي لترميم منازلهم، تزامنًا مع مطالبته المتواصلة بتمويل إعادة الإعمار في سوريا.

ووفق تقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، عام 2018، تصل التكلفة الحقيقية لإعادة الإعمار، إلى نحو 400 مليار دولار أمريكي.

وقدّر تقرير للجنة، حينها، الخسارة الناجمة عن الدمار في سوريا بأكثر من 388 مليار دولار، لافتًا إلى أن هذا الرقم لا يشمل “الخسائر البشرية” والأشخاص ممن تركوا مساكنهم.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة