“العالمية” ومالك جندلي

ع ع ع

نبيل محمد

ليس معيبًا لدى أي فنان سعيه نحو الانتشار العالمي، ونيله صفة العالمية، على الرغم من أن مفهوم العالمية مرن، لدرجة أنه يمكن أن تجده ملازمًا لأسماء وإنجازات بهدف الإعلاء من شأن أصحابها، خاصة في العالم العربي، بحيث أول ما يمكن تصوّره حين ورود صفة العالمية مرتبطة باسم ما، هو التشكيك بمدى استحقاق هذا الاسم للمصطلح. في تجربة مالك جندلي المؤلف، الموسيقي السوري- الأمريكي، يبدو لافتًا للنظر إصراره على ملازمة صفة العالمية لكل ما يتناول اسمه أو منجزه.

قدّم الموسيقي مؤخرًا سيمفونية باسم “وردة الصحراء” في متحف “قطر الوطني”، ويبدو أن غياب صفة العالمية عن السيمفونية، حدا به وبوسائل إعلامية عربية أن تلحقها بكأس العالم، فتصبح سيمفونية افتتاح كأس العالم، وهو ما لم يرد في الحديث عنها حين تقديمها، لكنها بشكل أو بآخر ستكسب صفة العالمية حين ارتباطها بالمونديال، الذي سيقام قريبًا في قطر، لأول مرة في دولة عربية.

قال جندلي في عدة لقاءات أجريت معه بعد تقديم السيمفونية، إنه استحضر من خلال موسيقاه الأكاديمية التراث المحلي، ورأى أن ما قدّمه هو محاكاة للثقافة الجامدة المتمثّلة ببناء المتحف، باعتبار أن تصميمه المعماري الذي يمثّل “وردة الصحراء” هو تصميم جامد، وتحريك هذا الجمود يتم عن طريق الموسيقا، لينال إثر ذلك لقب “موسيقار فخري لمتاحف قطر”، وهو أيضًا لقب لا بد من الاعتزاز به بالنسبة لموسيقي يبدو أن الألقاب أحد أول اهتماماته. ولعل في قطر والبلدان العربية مساحة واسعة لاكتشاف ألقاب جديدة، ومنحها للمتعطشين لها.

يرتبط مصطلح العالمية بقدر كبير من السيمفونيات، فقلما تجد سيمفونية ليست عالمية، وهو ربما واحد من المكاسب التي يقدّمها التخصص في هذا الفرع الموسيقي لصاحبه. وجندلي ملازم للإنتاج السيمفوني، يحاول في كل تجربة منح ما قدّمه الصفة العالمية، ولعله نال ذلك في مواقع عديدة، بحصوله على جوائز مهمة في مكان إقامته بالولايات المتحدة الأمريكية.

تأخذ أعمال جندلي حضورًا في مسارح عالمية لا شك، لكن المبالغة تكمن في قول إن لتلك الأعمال حضورها السوري، أو أن “سوريا بلد الأحرار”، تلك الأغنية التي قدمها سابقًا، قد باتت نشيدًا للسوريين. هي لم تصبح كذلك، ولدى السوريين عشرات الأغاني الأخرى التي خرجت من رحم معاناتهم، ويمكن أن تصبح أو تتطور لتصبح نشيدًا، قبل الأغنية التي حضرت في الخارج بقوة القضية التي أسست لها، ولكنها لم تحضر بشكل حقيقي في الداخل.

أكسبت القضية السورية حشدًا وحضورًا ليس بقليل للفنانين والمثقفين السوريين في محافل عالمية، منهم من استحق ذلك، ومنهم من نال انتقادات عديدة على عدم استحقاقه الحضور والتميّز. صفة العالمية التي نالها جندلي وبعض من الفنانين السوريين، إنما تأتت من حساسية القضية التي أعلنوا مواقف معلَنة تجاهها. وفي حالة جندلي، إذا تتبعنا أثر العالمية في منتجه، سنجده في “أوركسترا” مستمدة من أغاني الثورة السورية، وفي جائزة حصدها كـ”مهاجر عظيم”.

أتاحت تلك الألقاب لجندلي التصرف كعالمي، ضاربًا بعرض الحائط الانتقادات التي طالته، وطلبت منه التواضع، ليجد أن بحثه الدؤوب في التراث الفني هو الذي أدى إلى تقديم أولى المدوّنات الموسيقية في التاريخ، حينما قدّم سيمفونية من آثار أوغاريت. وشهرته جراء كل ذلك قادت قطر لاستضافته ليقدم “وردة الصحراء”، التي تغنى بها وبانتمائها للتراث القطري، الذي يجد من واجبه كفنان العناية به وتقديمه بشكل لائق. شكل ربما نقصته صفة العالمية، وجندلي لم يعد يعتدّ بعمل لا يوصف بهذه الصفة، فاقتضى ربطه بكأس العالم، ليشبع الحدث بذلك طموحه ورغبته.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة