مونديال العالم في بلاد العرب

ع ع ع

إبراهيم العلوش

يتدفق الآن أكثر من مليون مشجع إلى قطر لحضور مونديال 2022، وخلال شهر ستكون قطر والعالم العربي تحت مجهر الدراسة والملاحظات والانتقادات، وعلى عكس الثقافة العربية التي تخبئ الكثير من الأسئلة عن النقاش، لن يكون أي موضوع خارج الملاحظة وإبداء الرأي، فهل سيكون المونديال مناسبة عالمية لإعادة الاعتبار إلى العالم العربي؟

الصحف والقنوات العالمية لا تخلو كل يوم من موضوع أو أكثر عن العالم العربي ابتداء من قطر نفسها منظمة المونديال، التي فازت بهذه الفرصة رغم كل المعوقات والاتهامات التي لا تزال تتدفق عليها. وتتبدل الاتهامات من موضوع تجاهل حقوق المثليين، والرشى المزعومة من أجل شراء تنظيم المونديال، وادعاءات اضطهاد العمال في المنشآت الرياضية، وتغيير برنامج المونديال من الصيف إلى الشتاء بسبب الحر الشديد في منطقة الخليج العربي.

منذ إنشاء المونديال في عام 1930، لم يحظَ العالم العربي بمثل هذه الفرصة، وهذه الأضواء، وهذا التدفق البشري والإعلامي المتنوع، فبعد ثورة التكنولوجيا الرقمية في مطلع القرن الحالي، تأتي مناسبة المونديال لتهز الركود الذي يعانيه العرب في دولهم التي صارت أنظمتها تعاني خسارات وتمزقات أخرجتها من موكب التطور الصناعي والسياسي الحديث، وصارت كثير من الدول العربية في حالة من الجمود في حقوق الإنسان عامة، وحقوق النساء خاصة، التي وصلت إلى حدود وأد المرأة على يد بعض منظّري الإسلام السياسي وبعض تنظيماته المراهقة.

لاعبو كرة القدم جاؤوا بقدراتهم الخارقة ينشرون الحيوية والقدرة على التنافس من أجل تجاوز العقبات والربح، وفق احترام قوانين اللعبة التي تخضع لمراقبة وتدقيق وتوظيف أحدث التقنيات لاحترامها.

في حين أن العالم العربي يعاني تهاونًا في احترام القوانين والأنظمة، ويقفز الحاكم ومقربوه فوق المحاسبة، وينطلق دعاة الذات الوطنية أو الدينية المتطرفة في هذا البلد أو ذاك إلى حدود غير إنسانية وهم ينظرون إلى الآخر سواء من الأقليات الدينية أو الأقليات القومية أو من العمال الأجانب أو من النساء، وهم يحاولون تمجيد الذات المتضخمة دون القيام بفعل إيجابي يحاكي بحيويته نشاط اللاعبين الذين يكسبون النقاط وفق تخطيط، وروح معنوية جماعية، واهتمام بكل التفاصيل، ودراسة الخصم من أجل الفوز عليه، وليس من أجل تحطيمه أو إلغاء وجوده كما يحدث في الحلبات السياسية العربية!

ينشر المونديال الألوان المتعددة في عالم العرب القائم على الأفكار شبه الموحدة، ويعطي اللعب حصة بالحياة في عالم يصطنع الجدّية الصارمة إلى حد التخشب، ويعيد هذا المونديال العالم العربي إلى ساحات الاهتمام العالمية بعد خروج القرارات الكبيرة من أيدي شعوبه إلى أيدي الثلاثي الإقليمي صاحب السطوة على العالم العربي المتمثل بإيران وتركيا وإسرائيل، وقد التحقت بهم مؤخرًا أثيوبيا التي فرضت إرادتها على أكبر دولتين عربيتين هما مصر والسودان، هذا بالإضافة إلى الهيمنة العالمية الأخرى، من أمريكية وأوروبية وروسية وصينية!

بدأ الاحتفال بالمونديال بأغاني اللاجئين السوريين له في فرح مسروق من زمنهم الملون بالقصف والتهجير، ويغني الأطفال في الشمال السوري طلبًا للحظة فرح وهم يعانون الفقر وفقدان الأمان وتشرذم العائلات نتيجة الحرب.

وفي نفس الوقت، يقبع أكثر من 136 ألف معتقل في سجون نظام الأسد وهم لا يعرفون أن المونديال قد بدأ، ولا يستطيعون تتبع أخباره، ولا مشاهدة مباراة واحدة من مبارياته، إنهم يُدفنون أحياء منذ سنوات طويلة في معتقلات يحرسها الإيرانيون والروس من أجل التفاوض على إطلاقهم في المستقبل ليضمنوا استمرار تدخلهم في البلاد، وحماية مصالحهم التي انتزعوها باتفاقيات استسلام من نظام الأسد.

العجيب في هذا المونديال أن الدول الخليجية لم تشارك في الاستضافة مع قطر، رغم أن اليابان وكوريا الجنوبية تشاركتا في استضافة مباريات مونديال 2002، ولم تكن الخلافات الجذرية والماضي الاستعماري بينهما عائقًا أمام الاستضافة التي أعرض عنها العرب الآخرون واستسلموا لخلافاتهم المستدامة!

يأتي هذا المونديال على الصعيد العالمي بعد كارثة “كوفيد- 19” التي هزت المجتمعات والاقتصادات العالمية خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث وصل الحجر الصحي إلى حدود تجول الكلاب الضالة في شوارع المدن العريقة أمثال لندن وباريس وبكين وطوكيو، كما يأتي هذا الفرح العالمي رغم حرب بوتين على أوكرانيا وتهديداته المتجددة باستعمال السلاح النووي ما لم يقرّ العالم له باحتلال أوكرانيا وإعادة ضمها إلى روسيا بمزاعم الأخوة التي خبِر العالم العربي زيفها خلال تاريخه، سواء عبر احتلال نظام الأسد للبنان أو احتلال صدام حسين للكويت!

أسئلة كثيرة ستتراكم مع بدء مباريات كرة القدم في الدوحة، وحوارات كثيرة عن العالم العربي ستسيطر على الإعلام خلال الشهر المقبل وربما خلال الأشهر والسنوات المقبلة، فالمونديال مناسبة عالمية يتفقد العالم فيها شعوبه ودوله وثقافاته، فمونديال روسيا 2018 هو الذي أعاد النظر بحالة روسيا ونظامها، وبدأ العالم يراجع أفكاره عن بوتين الذي لم يتورع عن الغش عبر تزوير نتائج الاختبارات التي تدرس استخدام المنشطات الممنوعة!

سوريا بمخيماتها وبمعتقليها وبمهجريها تنظر بأمل إلى هذا المونديال، علّ هذا الاهتمام العالمي بالمنطقة يعيد تسليط الأضواء على حلم شعبها بالخلاص من الاستبداد، ومن الاحتلالات الأجنبية، وعودة المعتقلين إلى ذويهم، ورجوع الناس إلى بيوتهم ومزارعهم، رغم الدمار الذي ألحقه نظام الأسد بها، ولا يزال السوريون يحلمون بالحرية وتقرير المصير، وقد يحلمون يومًا ما بتنظيم مونديال عالمي لن يقل جمالًا عن مونديال قطر!



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة