“Ballad of a White Cow”.. الإعدام في إيران “إرادة الله”

مينا تتناول الطعام مع ابنتها في أحد مشاهد فيلم (Ballad of a White Cow)

ع ع ع

يخوض الفيلم الإيراني “Ballad of a White Cow”، أو “قصيدة البقرة البيضاء” بالعربية، في واحدة من أشد القضايا حساسية بالنسبة للنظام الحاكم في إيران، وهي عقوبة الإعدام.

يبدأ العمل في مشاهده القليلة الأولى بالكشف عن رسالته، حين تزور “مينا” زوجها في السجن، ليرد السجان بأن اليوم ليس موعد الزيارة، قبل أن تخبره أن الزيارة لمحكوم بالإعدام، ما يعني أنها زيارة وداع.

وبعد عام كامل من تنفيذ الحكم، تستدعي المحكمة الزوجة المغلوبة، لتعتذر منها، على اعتبار أن تحقيقات متأخرة أثبتت براءة الزوج.

وبعد أن يعلل موظف السلك القضائي ما جرى بأنه “إرادة الله”، يخبر الزوجة بإمكانية حصولها على دية القتيل، كتعويض، لكن الزوجة تمضي إلى أبعد من ذلك، طامعة باعتذار من السلطات تنشره الجريدة الرسمية، من باب صون السمعة، والخلاص من الوصمة الاجتماعية.

وفي أوج الأزمات التي تعيشها أرملة تربي طفلتها الصماء إلى جانب عملها في معمل للحليب، يظهر في حياتها رجل يعرّف بنفسه على أنه صديق الزوج القتيل، وجاء ليصفي ذمته ويسدد دينًا قديمًا.

وبعد سداد الدين المزعوم، والعديد من الخدمات التي يقدمها، تكشف الأحداث أن الرجل هو “القاضي رضا أميني” الذي حكم على الزوج بالإعدام، وأن ضميره يحركه في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عالم الأسرة التي فقدت أحد أسسها “بالخطأ”.

وعلى لسان “القاضي أميني” الذي يرغب بالاستقالة خوفًا من إصدار حكم إعدام جديد، وخلال نقاش يجريه مع صديقه في السلك القضائي، يناقش العمل حكم الإعدام، وحالة البتر التي يسببها، حين يقول “أميني” لصديقه، إن حكمًا بالسجن المؤبد كان يمكن أن ينقذ الرجل، فيخرج من سجنه بعدما ثبتت البراءة، ليرد القاضي الآخر بأن السجن ظلم وإهدار للسنوات بغير وجه حق، وهو أمر غير قابل للتعويض أيضًا.

وهنا تظهر حالة الرفض الداخلي (القضاة أنفسهم) لأحكام من هذا النوع، تتفق في القسوة، لكن لا شيء يفوق الإعدام.

مع تصاعد الأحداث دراميًا ودون مسحة موسيقا، كما هو شائع في كثير من أعمال السينما الإيرانية التي تنشد الواقعية، يتقارب القاضي مخفي الهوية مع زوجة القتيل، وتبقى الحياة لطيفة حتى تكتشف الزوجة هوية الرجل الذي سرعان ما سيسقط من حساباتها العاطفية والإنسانية.

لا يخدع الفيلم مشاهديه بنهاية غير منطقية أو لا يمكن تطبيقها، بل يثبت صراحة وبوضوح تأثير أحكام الإعدام لا على ذوي القتيل فقط، بل وعلى علاقتهم بالطرف الآخر، مصدر ومنفذ الحكم، ما يعني خللًا اجتماعيًا، وإحساسًا بالظلم ينتظر الإفصاح والتعبير عنه.

العمل غني بالدلالات والرموز والرسائل، ويبدو ذلك من خلال ظهور البقرة في ساحة السجن، وحبس الزوجة “مينا” صوت بكائها أمام موظف القضاء، بيدها، في عملية إسكات ذاتي تنبع جذورها من تكميم الأفواه.

موظف القضاء يرى في القانون “إرادة الله”، ويرى في الأرواح ما يمكن بيعه وشراؤه، وحتى التفاوض والتراضي عليه، والمرأة الإيرانية لم تجد من ينصرها بموجب القانون أو العرف، كل تلك الظروف التي لا يجري الحديث عنها للتسلية، ولا ترى فيها السلطات الإيرانية مصدر تسلية “باعتبارها منعت عرض الفيلم”، تشي ربما برياح تغيير يقوده المغلوبون لانتزاع واقع تحوّل إلى قسوة.

ومنذ أيلول الماضي، تقود المرأة الإيرانية ثورة باسمها، وبسببها، بعد مقتل الشابة مهسا أميني على يد قوات “شرطة الأخلاق” لمخالفتها “قواعد اللباس”، ما فجّر موجة احتجاجات شعبية متواصلة في إيران، ردت عليها السلطات بالاعتقالات والقتل.

وخلال الحراك الشعبي المطالب بإسقاط حكم الفقيه، أصدر القضاء الإيراني أحكامًا بالإعدام بحق أربعة أشخاص مشاركين في الاحتجاجات بعد اتهامهم بالكثير من الجرائم التي تحمل طابعًا سياسيًا، في خطوة لاقت انتقادات أوروبية، وعقوبات أمريكية وأوروبية كرد على سلوك السلطات تجاه الشارع المنتفض.

وكانت إيران أدخلت أحكام البتر والرجم إلى جانب الإعدام، إلى قانون عقوباتها، منذ إسقاط حكم الشاه، محمد رضا بهلوي، تحت مسمى “الثورة الإسلامية”، عام 1979.

صدر الفيلم عام 2020، ومدته 105 دقائق، وعُرض في مهرجان “برلين” السينمائي الدولي عام 2021، وهو حائز على تقييم 7.1 من أصل 10، عبر موقع “IMDb” لتقييم الأعمال الدرامية والسينمائية.

“قصيدة البقرة البيضاء” من إخراج  بهتاش صنيعة، ومريم مقدم، وهما شريكان في كتابة النص إلى جانب مهرداد كوروشنيا، بينما جاءت بطولة العمل من نصيب مريم مقدم، وعلي رضا سانيفار.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة