“حكاية في دمشق”.. حين لا تمل السينما السورية من نفسها

ع ع ع

نبيل محمد

بمجرّد ذكر اسم دمشق في فيلم من إنتاجات المؤسسة العامة للسينما، سوف تتراءى لك كمتابع معتاد على ما تنتجه المؤسسة، بعض مفاصل الفيلم و”ثيمه”، ستعرف بلا شك أن لدمشق القديمة الحضور الأكبر، وأن لغة الفيلم ستكون شعريّة بطريقة ما، وأن الحب العذري الصافي عنوان من عناوينه، وأن جدران المدينة وروحها تحتضن الشخصيات بدفء.

لم يمل صناع السينما السورية من هذه الصورة المكررة، ومن توظيف أصالة المدينة وعراقتها وروحها في خدمة الخطاب ذاته فنيًا، خطاب يختلف في مستوى مباشرته أو رمزيته، يقول إن أقدم عواصم التاريخ صامدة في وجه “الإرهاب”، بالحب والياسمين، وإصرار أهلها الطيبين على ضخ الدماء في عروق مدينتهم.

“حكاية في دمشق” فيلم أنتجته المؤسسة العامة مؤخّرًا، ونالت عنه إحدى بطلاته (جيانا عيد) جائزة أفضل ممثلة دور أول، في مهرجان “الإسكندرية” السينمائي مؤخّرًا، على الرغم من أن واحدًا من أهم المآخذ التي يمكن تسجيلها بقوة حين متابعة الفيلم، هي الإمكانيات التمثيلية المتواضعة، والأداء التقليدي المبالغ به في الكثير من المشاهد الممعنة بالدراما، والتي قد يكون النص مسؤولًا عنها بالدرجة الأساسية. نص الفيلم المشتت، لا يجمع في أوراقه فيلمًا متكاملًا، بقدر ما يجمع مشاهد متلاحقة، تحاول توجيه رسائل وقول كلمات وحكم، فيما يغيب الحدث بشكل شبه كلّي، بل وتمر القصة بطريقة مرتبكة متلكّئة غير قادرة على الإقناع.

فتاة جميلة تبيع المصنوعات اليدوية في دمشق القديمة تربطها علاقة صداقة بريئة مع جيرانها، تقع في حب شاب يلاحق عمّه الذي يرتبك الفيلم في تقديم شخصيته بوضوح، وكأنه خجول من أن يقول إن هذا الرجل غير متّزن عقليًا بعد جملة إصابات نفسية، فينقله من قمة الوعي إلى قمة الخرف. يتهم العم زوج ابنته المتوفاة بالمسؤولية عن وفاتها مع ابنتها (بالتأكيد توفيت الأم وابنتها نتيجة الإرهاب الذي يستهدف الحب الصادق في المدينة)، فيما يفشل الشاب بالخروج من ذاكرته، ومن سلطة عمّه، باتجاه حب جديد بدأ يتشكل في قلبه تجاه البائعة الجميلة.

على جوانب القصة الأساسية تمر قصة عروس جميلة يعود لها عريسها شهيدًا ملفوفًا بعلم وطنه، وشرطي محب عطوف على كل أهل الحي الذي يعمل به، ومشاهد من أزقّة دمشق القديمة ووجوه سكانها التي ملّت من كاميرات السينما والتلفزيون، وملّت كاميرات السينما والتلفزيون منها.

تلعب الموسيقا التي ألّفها للفيلم طاهر مامللي دورًا أساسيًا في تبديد معاني المشاهد، وخلق انطباعات غير متناسبة مع الأحداث، فتأتي تارة قاسية صادمة توحي بالخطر في مشاهد لا تتضمّن أيًا من تلك المكوّنات، وتارة رومانسية عاطفية في مشاهد بعيدة أيضًا عن ذلك. أما الإضاءة فعلّها الناجي الوحيد من هذه الغوغاء البصرية والسمعية، ولعلها أكثر ما يحترفه مخرج الفيلم أحمد إبراهيم أحمد، حيث للظلال والانعكاسات دور واضح في خلق جماليات الصورة، وللشموع أيضًا دور مهم، خصوصًا أنها في وقت من الأوقات تدمج بين وظيفتها كبديل للكهرباء عند انقطاعاتها المتكررة خلال الأحداث، ووظيفتها كمفاتيح إضاءة، حيث تم الاعتماد عليها في مشاهد لا يبدو أن الكهرباء مقطوعة فيها.

لا تبدو رمزيات الفيلم صعبة الفهم، إلا أن غياب القصة المتماسكة والسيناريو المحكم، يجعل من تلك الرمزيات عصيّة على الهضم. هو حب تحاصره الحرب، يتمرّد على القدر ويصر على الاستمرار، يرفض انتظار المجهول، ويصر على الدفاع عن نفسه في وجه أعتى الظروف. ولا بد أيضًا من رسالة مباشرة يوجهها رجل مسن نحتت الحياة جسده وعقله، يجلس على طرف شارع في المدينة القديمة، ليقدّم الحكمة للبطل، ويطالبه بعدم الانتظار، ثم يصرخ فاتحًا يده للسماء التي تمطر فوق الأزقّة. لعلّه مشهد تكرر في الدراما والسينما السورية وحدهما عشرات المرات في أماكن مختلفة بمبرر درامي أو دونه، لا فرق، فما يهم هنا رمزيّة المطر والمدينة والصراخ المفتوحة لأي شكل من أشكال التفسير.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة