ع ع ع

جنى العيسى | حسن إبراهيم | لجين مراد

لم تفلح خطط الاستجابة الأممية والدولية في حل أزمة تعليم اللاجئين السوريين المتفاقمة في لبنان على مدى سنوات، مسجلة إخفاقًا يضاف إلى سجل الإخفاقات العديدة التي تأثر بها السوريون من النازحين واللاجئين داخل وخارج البلاد.

يعاني اللبنانيون عدة أزمات معيشية واقتصادية وسياسية تضرب البلاد، كان لأطفال اللاجئين السوريين النصيب “الأكبر” من الآثار السلبية الناتجة عنها، وجاء التمييز العنصري وتعامل السلطات الحكومية وقراراتها فيما يخص واقعهم التعليمي، ليدفع بنسبة الأطفال المتسربين من المدارس إلى الازدياد والوصول إلى أرقام غير مسبوقة.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف، أزمة العملية التعليمية للاجئين السوريين في المدارس اللبنانية، سواء الحكومية أو الخاصة، وتعامل السلطات معها، بالإضافة إلى دور المنظمات الأممية في تخفيف العبء عنهم، كما تبحث مع خبراء المقترحات الممكنة لتحسين واقع التعليم، ومدى إمكانية تحقيقها، في ظل الظروف الحالية.

التعليم الحكومي..

السوريون ممنوعون من “الدمج”

“أولادي التنين الكبار انحرموا من التعليم، عم نحاول كلنا لنخلي الصغار يكملوا تعليمهم”، بهذه الكلمات عبّر اللاجئ السوري المقيم في لبنان أديب القاق عن قناعته بأهمية متابعة طفليه الصغيرين تعليمهما، “مهما كان الثمن”، وفق تعبيره.

استطاع أديب، بعد لجوئه إلى لبنان عام 2013، تسجيل أطفاله الأربعة في مدرسة خاصة لكن لفترة مؤقتة، إذ أجبرته خسارة العائلة كل ما تملك في سوريا وارتفاع تكاليف الالتحاق بالمدارس الخاصة على البحث عن بديل، كما دفع سوء الوضع المعيشي الشاب لاحقًا لإخراج ابنيه الكبيرين من المدرسة للبحث عن فرصة عمل تمكنهما من مساعدة العائلة ماديًا.

ورغم محاولاته المتكررة، لم يجد أديب لطفليه الصغيرين، غنى وعبد الحكيم، مكانًا في المدارس الابتدائية القريبة، حيث يقيم في محافظة جبل لبنان، إذ أغلقت تلك المدارس أبوابها في وجه السوريين، ومنعت دخولهم في الدوام الصباحي، كما لم تقبل بإضافة دوام مسائي لهم.

سجل أديب أولاده في مدرسة تبعد عن منزلهم نحو سبعة كيلومترات، موضحًا أنه يدفع راتب ابنه الكبير العامل بأجر شهري لا يتجاوز ثلاثة ملايين ونصف المليون ليرة لبنانية (نحو 100 دولار أمريكي)، لتأمين البنزين وتوصيل طفليه إليها.

أمام مدرسة أولاد أديب، ينتظر عشرات الأهالي يوميًا، بحسب ما قاله لعنب بلدي، بحثًا عن فرصة لتسجيل أبنائهم، مشيرًا إلى معاناة اللاجئين السوريين وحرمان أطفالهم من التعليم، بسبب محدودية الأعداد التي تستقبلها المدارس اللبنانية في الدوام المسائي المخصص للسوريين.

أطفال سوريون في أحد مخيمات لبنان-5 من أيار 2021(محمد هزاع/أنستغرام)

“التعليم في حالات الطوارئ”

يعتمد لبنان على نموذج التعليم في حالات الأزمات الإنسانية المتعارف عليه عمومًا بـ”التعليم في حالات الطوارئ”، وهو النموذج الأكثر اعتمادًا في التفكير والتخطيط لتعليم الأطفال اللاجئين الذين يعيشون مؤقتًا في دول مضيفة بانتظار إعادتهم إلى وطنهم.

وبحسب دراسة صادرة عن مركز “الدراسات اللبنانية”، تؤكد السلطات اللبنانية في أكثر من مناسبة اعتمادها هذا النموذج، وهي التي تنظر إلى اللاجئين من سوريا على أنهم نازحون، ومن هنا يتميز هذا الأسلوب في العمل الإنساني والإغاثي بالتعامل مع تعليم اللاجئين باستخدام السياسات والبرامج القصيرة الأمد، ويبتعد عن استخدام السياسات التي تهدف إلى الدمج الاجتماعي أو الاقتصادي أو التربوي الطويل الأمد.

اتجهت وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية لفصل الطلاب السوريين عن أقرانهم اللبنانيين في مقاعد الدراسة من خلال استحداث نظام التعليم المسائي، الأمر الذي لعب دورًا أساسيًا في تعزيز الأفكار العنصرية، وفرض صعوبات أكبر على الطلاب السوريين الذين يحاولون الاندماج في بلاد اللجوء.

كما حرم هذا النظام كثيرين من الطلاب من التعليم، إذ يفضّل معظم السوريين تسجيل أطفالهم في الدوام الصباحي، باعتبار المعلمين والمعلمات في الدوام المسائي من “المتعاقدين”، أي ليسوا من أصحاب المهارات التعليمية.

وتمتد فترة التعليم المسائي لأربع ساعات، من الساعة الثانية بعد الظهر حتى السادسة مساء، دون أوقات راحة للطلاب، ما يضعف من جودة التعليم وقدرة الطلاب على تلقي المعلومة، بالإضافة إلى اضطرار العديد من الطلاب للعودة في وقت متأخر إلى منازلهم، جراء طول المسافة بين المدرسة وأماكن سكن عائلاتهم، مع عدم توفر المواصلات، بحسب الدراسة الصادرة عن مركز “الدراسات اللبنانية”.

ورغم سعي المنظمات الدولية والجهات المدنية لدمج الطلاب السوريين في المدارس اللبنانية، وإلغاء “القيود التمييزية” التي تعرقل وصول الطلاب السوريين إلى التعليم، من خلال جعل الدمج شرطًا للدعم، فإن السلطات اللبنانية رفضت الأمر ولم تستجب للمطالبات الأممية.

وقبل بدء العام الدراسي الحالي، نفى وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال، عباس الحلبي، احتمالية دمج الطلاب السوريين بالتعليم الرسمي قبل الظهر، بعد حديث عدة مصادر غير رسمية، معتبرًا أن الأمر “غير مطروح، وليس إلا مؤامرة على التعليم الرسمي، لعدم تشجيع الأهل على تسجيل أولادهم بالمدارس الرسمية”.

اللاجئ السوري المقيم في لبنان أديب القاق، قال لعنب بلدي، إنه راجع مدرسة طفليه قبل فترة قصيرة خلال فترة الدوام الصباحي للطلاب اللبنانيين، لكنه قوبل بالإساءة من قبل إحدى المعلمات التي “رفضت دخول سوري إلى المدرسة خلال دوام الأطفال اللبنانيين”، بحسب تعبيره.

عقبات إضافية

إلى جانب الفصل بين الطلاب، عرقلت وزارة التربية اللبنانية دخول الطلاب السوريين إلى المدارس من خلال منع الطلاب من إجراء الاختبارات المدرسية دون تقديم أوراق رسمية، ما أجبر العديد من العائلات السورية على دفع مبالغ تفوق قدرتها، والعودة إلى سوريا بظروف خطرة لاستخراج الوثائق الرسمية، بحسب تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” عام 2021.

من جهته، قال أديب القاق، إن العديد من المدارس، بينها مدرسة طفليه، لم تضع الأوراق الرسمية شرطًا للقبول هذا العام على خلاف الأعوام الماضية.

وفي آذار الماضي، وثّق تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية عدم قدرة العديد من الأطفال اللاجئين على الالتحاق بالمدارس العامة، لأن أسرهم لا تستطيع تحمل تكاليف المواصلات، أو لأن المدارس العامة رفضت تسجيلهم.

وحسب التقرير، أفاد 29% من أصل 443 طفلًا، في عام 2019، بأن المدارس اللبنانية رفضت السماح للأطفال السوريين بإجراء امتحانات إلزامية، إذا لم تكن لديهم إقامة قانونية في لبنان، وهي مطلوبة ابتداء من سن 15 عامًا، ولكن 70% من السوريين لا يستطيعون تحمّل تكاليفها أو هم غير مؤهلين للحصول عليها.

طلاب يلعبون في باحة المدرسة بمنطقة البقاع في لبنان (مركز غرسة التعليمي)

قطاع متهالك وأزمات تتراكم

منذ عام 2019، شهد قطاع التعليم في لبنان أزمات متتالية، قوبلت جميعها بحلول مع وقف التنفيذ، ما أخّر موعد العودة إلى المدارس في مرات كثيرة بالنسبة للطلاب اللبنانيين، وحال دون العودة أساسًا للطلاب السوريين.

وتفاقمت أزمة قطاع التعليم اللبناني متأثرة بأزمة المصارف التي ظهرت عام 2019، وأعقبها انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، الذي وضع لبنان في مواجهة مع المزيد من المشكلات الاقتصادية، وأسهم بالمزيد من الانهيار المالي في لبنان، عززه ما رافق ذلك من تقلبات سياسية واقتصادية، إلى جانب أزمة بموارد الطاقة وضعت سوق المحروقات في حالة عدم استقرار.

هذه العوامل وغيرها أدت إلى تدهور قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي بنسبة وصلت إلى أكثر من 90%، ليكون قطاع التعليم واحدًا من أبرز القطاعات المتأثرة بتلك الأزمات.

وبحسب تقرير للبنك الدولي، كان من أبرز تداعيات الأزمة الاقتصادية على قطاع التعليم، انتقال حوالي 55 ألف طالب من التعليم الخاص إلى الحكومي، جرّاء العجز عن تسديد الأقساط، ما ضاعف الضغط على القطاع الحكومي.

وقبل عام 2019، كانت نسبة الطلاب المسجلين في التعليم الخاص المجاني وغير المجاني للعام الدراسي 2017- 2018 نحو 66% من إجمالي عدد الطلاب، بينما انخفضت هذه النسبة بحوالي 6% في العام الدراسي 2020- 2021، بحسب إحصائية صادرة عن “المركز التربوي للبحوث والإنماء” في لبنان.

التعليم عن بُعد.. ضغوط إضافية

طُرح خيار التعليم عن بُعد، لأول مرة، بعد انفجار مرفأ “بيروت” الذي أسفر عن تضرر حوالي 163 مدرسة، وعرّض طفلًا واحدًا على الأقل من بين كل أربعة أطفال في المدينة لخطر فقدان تعليمهم.

بينما صار التعليم عن بُعد ضروريًا في أنحاء البلاد كافة، في ظل انتشار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) عام 2020، وما فرضه من تحديات كبيرة على المعلمين والطلاب وعائلاتهم.

وفي العام الدراسي الماضي، لم يتلقّ 700 ألف طفل تعليمهم، أي ثلث السكان في سن الدراسة، بينما تلقى حوالي مليون و300 ألف طفل تعليمًا محدودًا، إذ لم يملك قطاع التعليم منصات رقمية مؤهلة للتعليم عن بُعد.

وأظهرت دراسة استقصائية أجرتها “الجامعة اللبنانية الأمريكية” (LAU)، ومركز “الدراسات اللبنانية” (Centre for Lebanese Studies)، بالإضافة إلى “شبكة المشاركة المحلية لأبحاث اللجوء” (LERRN)، أن الجزء الأكبر من التعليم عن بُعد في لبنان اعتمد على تطبيق “واتساب”، دون أي استعدادات أو توجيهات لكيفية تقديم تعليم فعال عبر هذا التطبيق.

كما تعذّر على مئات الطلاب، معظمهم من السوريين، الوصول للتعليم عن بُعد، جراء عجزهم عن تأمين الأجهزة الإلكترونية والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.

يأتي ذلك في وقت يعجز فيه السوريون عن توفير الحد الأدنى من الإنفاق اللازم لضمان البقاء على قيد الحياة، إذ يعيش تسعة من أصل كل عشرة لاجئين سوريين في فقر مدقع، وفق تقرير لمفوضية اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في 29 من أيلول 2021.

المعلمون يضربون.. تلاعب بالمساعدات

“بنتي صف تاسع ولهلأ (حتى الآن) ما أخدت ولا درس”، هذا ما قاله اللاجئ السوري في لبنان أديب القاق لعنب بلدي، معربًا عن قلقه حيال مستقبل ابنته غنى التي تدرس في الصف التاسع بدوام مسائي بمدرسة حكومية، برفقة أخيها عبد الحكيم في الصف السادس.

وأضاف أديب أن إدارة المدرسة أخبرتهم قبل أيام بتأجيل موعد بدء الدوام المسائي للطلاب السوريين، وأرجعت ذلك إلى استمرار إضراب المعلمين.

وبسبب الأزمات الاقتصادية المتزايدة، يستقبل المعلمون اللبنانيون موعد العام الدراسي، في كل عام، بتنظيم إضرابات، وعدم التحاقهم بالمدارس احتجاجًا على انخفاض قيمة رواتبهم التي لا تتناسب مع الغلاء المعيشي في لبنان، بالإضافة إلى تأخر تسلّم رواتبهم، وعلى عدم منحهم الحوافز المصروفة لهم من قبل البنك الدولي.

وتزداد حدة الإضراب في الدوام المسائي المخصص للطلاب السوريين، رغم أن نصف أموال المانحين المخصصة لدعم اللاجئين السوريين في لبنان تذهب لوزارة التعليم اللبنانية.

أزمة رواتب المعلمين المسؤولين عن الطلاب السوريين، ترتبط بتحويل المانحين المساعدات بالدولار الأمريكي عن طريق البنك المركزي اللبناني، الذي يأخذ معظم المساعدات قبل وصولها إلى المستفيدين.

ويقدم المانحون مبلغًا محددًا بالدولار لكل طالب سوري مسجل في المدرسة الحكومية، معتمدين على المعلومات المقدمة من قبل وزارة التربية والتعليم اللبنانية التي تتلاعب بالأرقام، بحسب تحقيق أجرته قناة “الجديد” اللبنانية.

وكشف التحقيق عن أن الوزارة تلقت فائضًا يقدّر بحوالي سبعة ملايين دولار خلال العام الدراسي 2019-2020، بسبب تقديم تقارير للمانحين تتضمّن عدد طلاب أكثر من الحقيقي.

أطفال سوريون في مكب بلاستيكي في بيروت-30 من حزيران 2022 (AP)

المدارس الخاصة للسوريين

رسميًا ممنوعة.. عمليًا مسموحة والدفع بالدولار

“إذا لم يتعلم اللبنانيون، فلن يكون ممكنًا تعليم غير اللبنانيين، مهما كانت الأساليب والمشاريع”، عبارة حملها بيان لوزارة التربية والتعليم في لبنان، صدر في 27 من أيلول الماضي، لخّصت أسباب رفض الوزارة السماح للمدارس الخاصة بتدريس طلاب اللاجئين، رغم تعهد الجهات المانحة بتحمّل جميع التكاليف والرسوم.

وأكدت الوزارة عدم قبولها أي محاولة لدمج طلاب نازحين وتوطينهم من خلال القطاع التربوي الخاص، ووصفت دمج التلاميذ السوريين بالمدارس الخاصة بـ”التوطين المقنّع”، واعتبرت أن قرارها يأتي من “سياسة وطنية وتربوية واضحة، تقضي بإعادة النازحين إلى المناطق الآمنة في سوريا وهي كثيرة”.

وهددت أصحاب تلك المدارس الخاصة، بحال موافقتهم على تلك العروض، باتخاذ إجراءات عقابية ضدهم، بدءًا من عدم الاعتراف بقانونية تسجيل هؤلاء التلاميذ، وصولًا إلى منع تلك المدارس من استقبال تلاميذ جدد، وإيقافها عن الاستمرار في التدريس، وسحب تراخيص عملها عند الاقتضاء.

وفي ظل ما يتعرض له اللاجئون في المدارس الحكومية اللبنانية، كان لدى العديد منهم خيار تدريس أطفالهم بمدارس خاصة، حيث ترتفع السويّة التعلمية، وتقل نوعًا ما المعاملة التمييزية، لكن هذا الخيار لم يعد متوفرًا رسميًا هذا العام، ولكن عمليًا، بحسب ما رصدته عنب بلدي، لم تلتزم العديد من المدارس بهذا القرار، دون أسباب واضحة لذلك.

الدفع بالدولار حصرًا

قبل بداية العام الدراسي الحالي، سجّل الشاب حسين الخلف (سوري 32 عامًا) طفله علي (سبع سنوات) في الصف الأول وطفلته سمر (أربع سنوات) في صف “روضة ثانية” في بلدة غادير قضاء كسروان (تبعد عن العاصمة بيروت 22 كيلومترًا).

الطفل علي الذي يُفترض أن يكون في الصف الثاني، تأخر عامًا عن الالتحاق سابقًا في صفوف الروضة، لعدم قدرة العائلة ماليًا، ما زاد عليه عامًا دراسيًا إضافيًا، إذ تضع المدارس الحكومية والخاصة في لبنان شرطًا لقبول أي طالب ضمن الصف الأول، وهو أن ينهي دراسة في صف رياض أطفال واحد كحد أدنى، من بين صفوف رياض الأطفال التي تبدأ من روضة أولى بعمر ثلاث سنوات، وروضة ثانية بعمر أربع، وثالثة بعمر خمس سنوات.

اختار الشاب السوري الذي يعمل في أحد المطاعم براتب شهري حوالي 200 دولار أمريكي، مدرسة خاصة لتعليم طفليه، بدلًا من المدارس الحكومية، كون أولوية التسجيل في المدارس الرسمية للطلاب اللبنانيين، وفي حال جرى قبول الطلاب السوريين، تحدد المدرسة دوامهم في فترة بعد الظهر حتى الساعة السادسة مساء، وهي عقبة أخرى أمام الأهالي.

اضطرت بعض العائلات السورية في لبنان إلى تسجيل أطفالها في مدارس خاصة كحل بديل وإجباري، ما وضع على عاتقهم أعباء مادية وتكاليف لا تتناسب مع واقعهم الاقتصادي والمعيشي المتردي.

قال الشاب لعنب بلدي، إن التكاليف المالية للمدرسة الخاصة تشكّل عبئًا ماليًا إضافيًا على عاتق العائلة، وتشغل بالها قبل أشهر من بداية كل موسم دراسي، خاصة الأقساط الشهرية، وذكر أنه دفع رسم التسجيل عن صف الروضة والصف الأول 40 دولارًا أمريكيًا في بداية العام الدراسي.

ورغم إصرار وزير التربية والتعليم العالي في لبنان، عباس الحلبي، على أن يكون دفع الأقساط في المدارس الخاصة بالليرة اللبنانية، لم يمنع ذلك عددًا منها من فرض دفع جزء من أقساطها بالدولار، وهو ما عززه قرار حكومي برفض تعليم طلاب النازحين في المدارس الخاصة.

كما حمل قرار الحلبي عدة محاذير يعتبر تجاوزها خرقًا قانونيًا، مفادها عدم جواز فرض المدارس الخاصة غير المجانية أي مبالغ، أيًا كانت تسميتها وأيًا كانت مقاديرها على أولياء أمر الطلاب المسجلين فيها، بالإضافة إلى القسط المدرسي الذي تستوفيه من كل منهم.

تكاليف مرافقة للمدارس الخاصة

تكاليف وأعباء مالية مدرسية تلازم عائلة الشاب طوال العام الدراسي، حرمتها من تأمين احتياجات عديدة، مضافة إلى تكاليف فرضتها الحياة اليومية من إيجار منزل وفواتير كهرباء وغاز ومياه ومواد غذائية وأدوية وغيرها، وفق الشاب حسين الخلف.

وأضاف حسين أنه يدفع نهاية كل شهر 20 دولارًا لمدة سبعة أشهر، والقسط الشهري لطالب الصف الأول 30 دولارًا، وتزيد الدفعات الشهرية كلما علا الصف، لافتًا إلى أن الكتب والقرطاسية يشتريها أهالي الطلاب.

ودفع هذا العام ثمن كتب صف الروضة الثانية ما يقارب 50 دولارًا، عدا عن القرطاسية من دفاتر وأقلام وألوان، وكتب الصف الأول حوالي 100 دولار، دون القرطاسية، يضاف إلى المدفوعات لباس المدرسة الخاصة الذي تم شراؤه من المدرسة بقيمة 25 دولارًا، كما يجب على طالب الصف الأول شراء لباس الرياضة من هيئة المدرسة بقيمة 25 دولارًا (هذا اللباس إجباري لا يتم دخول الطلاب دون الالتزام بالزي المدرسي).

تفرض كل مدرسة خاصة لباسًا مدرسيًا خاصًا بها يختلف عن غيرها من المدارس، وفي حال نقل الطالب من مدرسة لأخرى يجب عليه شراء لباس جديد.

يوصل حسين طفليه إلى المدرسة بدراجته النارية، لعدم قدرته على دفع مبلغ 20 دولارًا في الأسبوع تُفرض على كل طالب لنقله بالحافلة المدرسية، لافتًا إلى أن أعباء التكلفة المادية لا تنفي أن المدارس الخاصة أفضل من المدارس الحكومية من ناحية الاهتمام والتواصل مع الأهل، لتحسين مستوى الطالب التعليمي.

التنمر.. أحد الأسباب

لم تكن أسباب لجوء الشاب حسين لتسجيل أطفاله بالمدارس الخاصة بعيدة عن تلك التي دفعت الشاب السوري قيس إبراهيم (33 عامًا) لتسجيل طفله محمد (ست سنوات) في الصف الأول، وطفلته أميرة (أربع سنوات) في صف الروضة الثانية ضمن إحدى المدراس الخاصة في بلدة السعديات، وتبعد 26 كيلومترًا عن العاصمة بيروت.

تعرّض بعض الطلاب السوريين للتنمر في المدارس الحكومية، وتحديد الدوام خلال فترة المساء، إضافة إلى تكرار توقف التعليم بسبب الإضرابات، هي أسباب يراها قيس الذي يعمل في إحدى المزارع، كافية لتسجيل طفليه في مدرسة خاصة.

وزعت المدرسة جدول الأقساط والرسوم محددة بالليرة اللبنانية، لكن لا مانع من أن يدفع الأهل بالدولار، ويدفع قيس مبلغ 150 دولارًا كقسط لطفله محمد، و135 دولارًا لطفلته أميرة، خلال السنة، وهي مقسمة على دفعات حددتها المدرسة، ورسوم تسجيل عن كل طفل تبلغ 120 دولارًا، بالإضافة إلى 40 دولارًا للمدرسة بدل احتياجات من أوراق ومطبوعات.

كما دفع قيمة اللباس الذي اشتراه من المدرسة عشرة دولارات، وتكلفة شراء القرطاسية 30 دولارًا، يضاف إليها مبلغ 15 دولارًا أجرة نقل للباص (أوتوكار) على كل طالب، وتزيد بحسب بُعد المنطقة عن المدرسة، كما قال قيس.

طفلة سورية تدرس في مخيم في سهل البقاع في لبنان-7 من تموز2022 (AP)

أين المنظمات من واقع التعليم؟

بحسب إحصائية صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أيلول 2021، فإن 30% من الأطفال السوريين في لبنان في سن المدرسة (من ستة إلى 17 عامًا) لم يذهبوا إلى المدرسة أبدًا، بينما انخفض معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة و14 عامًا بنسبة 25٪ عام 2021.

ووفقًا للإحصائية، استمر الاتجاه التصاعدي في عمالة الأطفال بين السوريين في لبنان عام 2021، إذ يعمل حاليًا ما لا يقل عن 27 ألفًا و825 طفلًا سوريًا لاجئًا، كما أن واحدة من كل خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عامًا متزوجة، ونحو 56٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنة و14 سنة تعرضوا لشكل واحد على الأقل من أشكال “التأديب العنيف”.

“المفوضية” تدعم الدوام المسائي

تواصلت عنب بلدي مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، لمعرفة تفاصيل دورها بضمان حقوق الأطفال السوريين في لبنان بقطاع التعليم، وتعاملها مع السلطات اللبنانية في هذا السياق، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى ساعة نشر هذا التقرير.

المتحدثة الرسمية لدى مفوضية اللاجئين في لبنان، نادين مظلوم، قالت لعنب بلدي، إن المفوضية تعمل عن كثب مع جميع الشركاء، بما في ذلك الحكومة اللبنانية، لضمان رفاهية وحماية الأطفال اللاجئين في لبنان.

وفيما يتعلق بقضية التعليم، تدعم المفوضية وزارة التربية والتعليم العالي وتنفيذ الخطة الخمسية للحكومة اللبنانية بشأن التعليم، والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم العالي على المستويين المركزي والإقليمي، للدعوة إلى تذليل العقبات التي تحول دون وصول التلاميذ اللاجئين إلى النظام الوطني، بحسب مظلوم، لكن الوضع الاقتصادي والبيئة المالية الخارجية يشكّلان تحديًا كبيرًا أمام ضمان حصول جميع الأطفال في لبنان على التعليم.

وأوضحت مظلوم أن المفوضية لم تمارس أي ضغط على الحكومة اللبنانية لتسجيل اللاجئين في الدوام الصباحي إلى جانب الطلاب اللبنانيين، لكن برامجها ركّزت على التدخلات المجتمعية، إذ فعّلت نظام التعليم المجتمعي (Liaison ECLs)، وهي شبكة تابعة للمفوضية من متطوعي التوعية، الذين يعملون في مدارس الدوام الثاني للمساعدة في التسجيل ودوام الطلاب.

كما يتمثل دور “ECL”، بحسب المتحدثة، بتمكين التواصل بين إدارة المدرسة وأولياء الأمور، وتوفير أنشطة الترفيه والمساعدة النفسية والاجتماعية والواجبات المنزلية، ومنع الغياب والتسرب، ومراقبة الظروف المدرسية وطرق التدريس وحصول اللاجئين على التعليم.

كما تتعاون المفوضية مع شركائها لتقديم المساعدة في الواجبات المنزلية ومجموعات الآباء والأمهات، بالإضافة إلى مشاريع محو الأمية الأساسية والحساب خارج المدرسة.

طفل يكتب على الوح بمدسة بمنطقة مرج البقاع بلبنان (مركز غرسة التعليمي)

ما الحلول؟

منذ السنوات الأولى، ركّزت العديد من المنظمات الأممية والدولية جهودها على ضمان حق تعليم الأطفال السوريين في لبنان، ولكن الأزمات الاقتصادية الإقليمية والدولية أسهمت بنقص حجم الدعم والتمويل المقدم لهم، والذي أثّر بشكل مباشر على الواقع التعليمي في البلاد.

وبحسب تقرير صادر عن مفوضية اللاجئين في حزيران 2021، يقدم المانحون الدوليون 300 مليون دولار سنويًا لقطاع التعليم في لبنان، لكن هذا المبلغ يغطي جزءًا ضئيلًا من الطلاب المحتاجين، إذ تغطي الخطة الرئيسة التي يمولونها الرسوم المدرسية لـ528 ألف طفل لبناني وسوري فقط، بالإضافة إلى تكاليف المدرسة التي تدير فصول الدوام الثاني للطلاب السوريين، والتي مُوّل منها 41% فقط حينها.

وتستهدف خطة طوارئ، لم تُموّل بعد، 220 ألف طالب، دون أن تشمل السوريين في الدوام المسائي، أو الفلسطينيين، وتهدف إلى تزويد العائلات والمدارس والمعلمين بالمساعدات العينية والنقدية.

الباحث والمدرب في منظمات المجتمع المدني، والخبير في شؤون الحوكمة، الدكتور باسم حتاحت قال، إن أصل مشكلة تفاقم أزمة التعليم للاجئين السوريين في لبنان كجميع الأزمات المرافقة لها، هو غياب منظمة أو جهة سياسية أو هيئة حقوقية رسمية تمثّلهم بشكل رسمي، فتدافع عن حقوقهم وتحميهم من التعرض للإساءة أو لانتهاكات حقوق الإنسان.

وأضاف حتاحت لعنب بلدي، أن سياسة الحكومة اللبنانية تعزز هذه الأزمة، إذ إن جميع المنظمات الأممية التي تقدم مساعدات للاجئين السوريين، هي عبارة عن منظمات وسيطة تقدم الخدمات لهم على أنهم نازحون وضيوف غير دائمين، لكون الحكومة تعتبرهم كذلك أساسًا، وعمل هذه المنظمات يخضع لرقابة الحكومة بشكل مباشر.

والأصل في قضية التعليم، أن اللاجئ يحصل على حقه الكامل في التعليم عندما تعترف الحكومة بحق الحماية الإنسانية له، لكن بما أن الحكومة اللبنانية تتعامل مع هذا الملف بنوع من الضغط على المجتمع الدولي، تعتبر العملية التعليمية من أهم البرامج التي يتم فيها انتهاك حقوق الأطفال السوريين بشكل كبير، بحسب الدكتور باسم حتاحت.

مستقبل “ضبابي” مع بدء الترحيل

في 26 من تشرين الأول الماضي، وصلت أول دفعة من اللاجئين السوريين في لبنان إلى الأراضي السورية، بموجب خطة الحكومة اللبنانية لإعادة اللاجئين.

وذكرت الوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا)، أن دفعة من “المهجرين” السوريين وصلت من المخيمات اللبنانية عبر معبر “الدبوسية” الحدودي مع ريف حمص، للعودة إلى مناطقهم “الآمنة والمحررة من الإرهاب”، على حد تعبيرها.

وفي 4 من تموز الماضي، كشف وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، عصام شرف الدين، عن خطة لبنانية تنص على إعادة 15 ألف “نازح” سوري من لبنان بشكل شهري، إلا أنه لم يعد إلا 511 شخصًا فقط، بحسب أحدث بيان صادر عن “الأمن العام اللبناني” في كانون الأول الحالي.

وقال حينها، إنه “مرفوض كليًا ألا يعود النازحون السوريون إلى بلادهم بعدما انتهت الحرب فيها وباتت آمنة”، لافتًا في الوقت نفسه إلى خطة بغرض تشكيل لجنة ثلاثية تضم النظام السوري ومفوضية شؤون اللاجئين، إلى جانب لجنة رباعية تتكوّن من تركيا والعراق والأردن ولبنان، لتحقيق هذه “العودة”.

الدكتور باسم حتاحت اعتبر أنه في ظل المعطيات الحالية، لا يمكن النظر بإيجابية إلى مستقبل التعليم في لبنان، وطالما أن الحكومة تضغط لإعادة اللاجئين، فإن ذلك يخلق ضبابية في موقف الحكومة اللبنانية من جميع قضايا حقوق الإنسان في لبنان.

وحول الحلول، أوضح حتاحت أنه لأجل أن تتم عملية تعليم الأطفال السوريين في لبنان بشكل طبيعي أو تتحسن وتتطور، لا بد من الاعتماد على خمس قواعد رئيسة:

1. إنشاء مجلس أعلى لتعليم اللاجئين السوريين في لبنان، على أن يضم ممثلين عن المنظمات الدولية، وممثلين عن اللاجئين (رؤساء المخيمات، أو لجنة منتخبة لتمثيل السوريين).

2. أن يحصل هذا المجلس على اعتراف من جهتين أساسيتين هما المنظمات الدولية، ووزارة التعليم والتربية اللبنانية، وذلك بهدف العمل ضمن تعاون مشترك لإيجاد الحلول.

3. أن تخضع عملية التدريس لمنظور أو منطق أو قواعد الحماية الإنسانية المؤقتة (بما في معناه أن تدفع الأمم المتحدة والجهات المانحة للحكومة اللبنانية بدل هذا الأمر).

4. أن يصبح ملف تعليم الأطفال في لبنان لدى الممثلين الرسميين عند المعارضة السورية، أحد أهم الملفات التي يراسلون بها الهيئات الأممية المعتبرة، لضمان الحصول على نتائج إيجابية.

5. أن تكون هناك جهة أو لجنة أو منظمة ما، تتمثل طبيعة عملها بمهمتين، الأولى رصد وتوثيق، والثانية دور إعلامي، ليتم رفع رصد وتوثيق سير العملية التعليمية إعلاميًا إلى مراكز القرار.

أطفال سوريون يجمعون القمامة في أحد شوارع بييروت- 28 من حزيران 2022 (AP)

English version of the article

مقالات متعلقة