شريك حياة عبر “تيك توك”.. علاقات متأرجحة في الفضاء الإلكتروني

بث مباشر للتعارف والزواج عبر تطبيق "تيك توك" (عنب بلدي/ تعبيرية)

ع ع ع

عنب بلدي – حسن إبراهيم

“جميلة، متوسطة الطول، لا تغريها المظاهر، تسكن في تركيا، جذّابة، تجيد الطبخ الشرقي”، مواصفات أرادها أحد مستخدمي تطبيق “تيك توك” في الفتاة التي يرغب أن يتعرف إليها من أجل الارتباط والزواج، وذلك خلال ظهوره في بث مباشر لغرفة لـ”التعارف والدردشة”.

عبر بث مباشر يديره منشئ المحتوى أو القناة، يتبادل من شخصين إلى أربعة أشخاص من شباب وفتيات، الحديث عن الصفات الجسدية والخلقية التي يفضّلونها في الشخص الذي يريدون الارتباط به، تضاف إليهم تفاعلات المشاهدين عبر التعليقات، في حالة بدأت تنشط مؤخرًا وهي غرف للتعارف بهدف الارتباط والزواج عبر “تيك توك”.

عمليات البث تستمر لساعات طويلة، لا تحكمها قواعد أو ضوابط ولا معايير سوى حظر المستخدم في حال نشوب مشكلة، ويحصر مدير القناة التواصل والحديث عبر البث، ويتعدى الحديث في بعضها أحيانًا “الدردشة” والصفات الجسدية إلى الإيحاءات “الجنسية”.

وتحت عنوان “البحث عن زوج وزوجة”، طرحت عمليات البث هذه تساؤلات عن الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى اللجوء لهذه الغرف، ومدى نجاح هذه العلاقات، وسط غياب الحضور الفيزيائي للشخص، واقتصار معرفة المعلومات عنه وعن مجتمعه عبر الإنترنت، وأبرز الإيجابيات والسلبيات لهذا التعارف والعلاقة الناشئة، والمخاوف التقنية للمستخدمين من عمليات البث هذه ومدى انتهاكها الخصوصية.

“تسلية وعدم جدّية”

محمد شاب سوري عازب مقيم في تركيا (28 عامًا)، يدخل البث من باب الفضول والتسلية من أجل ملء الفراغ، ومعرفة وجهات نظر الشباب والفتيات في موضوع الارتباط.

أشار محمد إلى أنه يتحدث خلال البث ما يراه من وجهة نظره، دون أن يطلق أي وعود أو يرتبط مع أي فتاة.

وأكد الشاب لعنب بلدي استحالة أن يختار “فتاة أحلامه” من خلال البث الذي يشاهده العشرات وأحيانًا المئات، منتقدًا وصول الحديث في بعض الأحيان إلى التلميح بكلام “جنسي”، لافتًا إلى أن التعميم خاطئ، ولا يريد أن يطعن بأشخاص يتفاعلون بغرض الارتباط والتعارف.

وذكر الشاب أن مناقشة قضايا الارتباط والزواج والصفات في فضاء مكشوف (البث المباشر) يمنح بعض الخبرة في معرفة وجهات النظر، ويشكّل تجربة جديدة للتواصل مع أشخاص جدد، لكنه لا يعتبر البث أو التطبيق مكانًا آمنًا لبناء علاقة جدّية من أجل المستقبل.

من جهته، نور شاب سوري عازب (24 عامًا) مقيم في تركيا، يرفض وبشكل قاطع اللجوء إلى “تيك توك” وغيره من التطبيقات من أجل البحث عن فتاة للزواج، وعزا السبب إلى أن ما تحتويه التطبيقات وما يتبادله الأشخاص من خلالها مخالف للشريعة والعادات والتقاليد.

وأوضح نور لعنب بلدي، أنه في حال أراد الارتباط والزواج فسيتجه إلى أصدقائه ومعارفه في تركيا للبحث عن زوجة، كونه يقيم وحيدًا في اسطنبول دون أهله المقيمين في مدينة حمص، معتبرًا أن هذه التطبيقات لا تحمل الصدق الكافي، لأن الشخص غير معروف، وعدم الحضور فيزيائيًا يضع الشخص في شكوك دائمة.

بين هواجس النجاح والفشل

تحديد عادات محبوبة ومكروهة في “شريك الحياة” الذي سيختارونه، ومواصفات أخرى متعلقة بعمل الشخص، وكيفية التعامل في بعض المواقف، وإجادة الطبخ، وتحمّل ظروف الزوج في حال تعثر ماديًا، وغيرها، متطلبات حاضرة عبر عمليات البث في تطبيق “تيك توك” الذي يجذب مئات الملايين من الأشخاص، وتجاوز عدد مرات تنزيله من متجر “GooglePlay” مليار مرة.

ولا تعتبر عمليات التعارف والدردشة وبناء العلاقات المختلفة عبر “تيك توك” جديدة، إذ يضج الفضاء الإلكتروني بمواقع الدردشة وربط الأشخاص ببعضهم بغية إقامة علاقات عدة، بعضها يُكلل بالنجاح وبعضها يُحكم عليه بالفشل، وتحمل معها آثارًا إيجابية وسلبية.

الاختصاصي والباحث في علم الاجتماع صفوان قسام أوضح لعنب بلدي، أن أسباب ميل الأشخاص للبحث عن شريك حياة عبر الإنترنت، هي رغبة منهم بالعثور على ما يطلبونه بطريقة حديثة (Modern) وغير تقليدية، ونوع من توفير عدة أمور منها الوقت والجهد، والخروج مع الأشخاص في حالة التعارف بشكل فيزيائي، كما تمنح الشخص خيارات أوسع وإمكانية التعرف أسرع إلى أشخاص متشابهين في الفكر والمزايا المطلوبة.

ويرى قسام أن نجاح العلاقات وسط غياب الحضور موضوع شائك وفيه مخاطرة، فـ”شريك الحياة” أو الشخص، لا يظهر على صورته الواقعية، وحديثه عن مواصفاته وما يحب أو يكره، ليس بالضرورة أن يكون كذلك، ربما يُفضّل لكن سلوكه معاكس لما يقول، وحتى من الناحية الجسدية، بوجود “المرشحات والفلاتر” التي تجعل الصور تبدو أفضل مما هي عليه، واحتمالية نجاح العلاقات عبر الإنترنت مختلفة بحسب الظروف ومرتبطة بمعرفة كل حالة بمعزل عن غيرها.

ولفت قسام إلى أن سلبيات هذه العلاقات تكمن باستلاب العقول، فـ”السوشال ميديا” لا تصدّر الواقع حرفيًا، وإنما تجمّله وتغيّر من حقيقة وجوهر العلاقات وتعطيها أشكالًا هشة ووهمية، وفي حال حدوث العلاقة على أرض الواقع، يشعر الشخص بخيبة أمل، وتذهب العلاقة إلى البرود والنفور وربما البحث عن شريك آخر، ما يجعلها آيلة للسقوط.

واعتبر الباحث أن العلاقة والمعرفة الفيزيائية متوسطة المدى (من ستة أشهر إلى سنتين) بحضور أطراف العلاقة تميل إلى النجاح أكثر، كون الأشخاص تعرّفوا إلى بعضهم أكثر، وتخضع العلاقة لاختبارات أكثر، ومع ظهور مواقف وردود فعل ومشكلات، تظهر الشخصيات بشكل واقعي أكثر.

أسباب ودوافع

يتجاوز عدد الحضور أو المشاهدين خلال البث المئات، ويرغب العديد منهم في المشاركة بعمليات البث من خلال ما رصدته عنب بلدي من تعليقات في إحداها، كما تحتوي التعليقات على البحث عن أشخاص بمواصفات محددة.

مؤسِّسة منصة “نَفْسَجي” للتمكين النفسي، آلاء زينو، اعتبرت أن جيل “رقائق الثلج” (مصطلح لوصف مواليد الجيل الحديث من عام 2010) أصبح أكثر عُرضة للهشاشة والانكسار وطلب الدعم بصورة مبالغ بها، إضافة إلى تعدد مصادر المتعة والتسلية التي تعد من أشهرها التسلية من خلال التواصل الاجتماعي.

وذكرت زينو لعنب بلدي عدة أسباب تقف وراء اللجوء لاستخدام التواصل الاجتماعي للتعارف بين الجنسين وهي:

– إدمان “السوشال ميديا”، وبالتالي يكون الإدمان على المادة التي تفرز في الدماغ خلال التسلية والمتعة السريعة وسهولة الوصول إليها.

– الفشل بالعلاقات في الواقع، ما يدفعهم لتعويض ذلك بالعالم الافتراضي.

– فقدان المعنى من الحياة وغياب الهدف.

– الهروب من الواقع إلى الفضاء الإلكتروني.

– الإحساس بالفراغ العاطفي، وسببه التنشئة والتربية.

– المقارنات على “السوشال ميديا” ومحاولة إثبات الذات.

– فقدان قيمة الخصوصية مع إدمان المشاركة على “السوشال ميديا”.

– وجود أنماط تعلق غير صحية عند الطرفين أو أحدهما.

– الضغط المجتمعي للزواج، وبالتالي قد يُجبر أحد الأطراف على أن يسلك هذا الطريق للارتباط.

– الرغبة في زيادة عدد المشاهدات والشهرة، وبالتالي يشعر الشخص بأنه مرغوب اجتماعيًا.

– الاستماع إلى تجارب نجحت عن طريق “السوشال ميديا”، والمراهنة على نجاح علاقتهم أيضًا وتحدي المجتمع.

ولفتت زينو إلى أن تأثير الفشل في علاقات العالم الافتراضي أخف نوعًا ما من العلاقات التي يحضر فيها الشخص فيزيائيًا، لأنه في حال كانت العلاقة سرية، فهي علاقة بلا شهود على هذا “الفشل”، كما أن العلاقات الافتراضية لا تصل إلى مرحلة كبيرة من الحب الحقيقي، فهي مشاعر غير مؤكدة يغلب عليها طابع التعلق والتخيلات.

مخاوف تقنية.. التصيّد وارد

الحديث عن غرف تعارف ودردشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يترافق بمخاوف من انتهاك لخصوصية الشخص من خلال الوصول إلى بيانات تسجيل دخوله للموقع.

ويُقبل انضمام أي شخص للبث بمجرد امتلاكه التطبيق، وتسجيله الدخول عبر إيميل أو منصات أخرى كـ”فيس بوك” أو “تويتر” أو عبر رقم الهاتف.

وعن قدرة وصول المنصة أو صاحب البث إلى معلومات شخصية أو خاصة بالمستخدم، ميّز مستشار الأمن الرقمي بمؤسسة “سيكدف” المتخصصة بتقديم الحلول البرمجية مهران عيون، بين قدرة المنصة كشركة وبين قدرة صاحب البث (المستخدم).

وأوضح عيون لعنب بلدي، أن الشركة، على سبيل المثال “تيك توك”، لها كامل القدرة والصلاحية للوصول إلى معلومات جميع المستخدمين على المنصة، لأنها المالكة لهذا التطبيق مع جميع المعلومات الموجودة، والتي يتم تداولها على هذه المنصة، وحالها كحال أي منصة تواصل اجتماعي أخرى.

في حين ترتبط قدرة وصول صاحب عملية البث إلى معلومات المستخدمين الذين يتابعونه بشكل رئيس بما يكتبه وينشره المستخدم من معلومات يمكن أن تظهر على الفضاء العام، سواء من إظهار لبريده الإلكتروني أو مكان الإقامة، وغيرهما بحسب ما يحدده المستخدم، وفق عيون.

ولفت عيون إلى أن المخاوف التقنية بهذه الحالات مرتبطة بشكل رئيس بالتصيّد عن طريق الهندسة الاجتماعية، وعلى سبيل المثال، إذا كان الإيميل أو رقم الهاتف ظاهرًا، يمكن إرسال روابط خبيثة وروابط تصيّد للمستخدم تمكّن المرسل من السيطرة على الحساب.

دعم البث وجني المال

يقتصر الحديث والتعارف وقبول دخول الأشخاص للمشاركة في غرف الدردشة على البث المباشر فقط، ومع بدء البث يطلب المنشئ أو المنشئة الدعم من المشاهدين بإرسال الهدايا التي يمكن شراؤها من التطبيق نفسه، وتعود بفوائد مالية على صاحب عملية البث.

وقال مهران عيون، إنه غالبًا ما يكون الهدف من البث المباشر هو الربح، وذلك من خلال القيام ببث مباشر على حساب “تيك توك”، وبعد ذلك يتم جمع الهدايا، ومن ثم يتم تحويلها إلى نقود يمكن سحبها من خلال حساب البنك أو حساب “PayPal” (هو نظام دفع عبر الإنترنت يسمح للمستخدم بتحويل الأموال عبر الإنترنت في جميع أنحاء العالم إلى حسابات أخرى).

وأضاف عيون أن المستخدم لا يمكنه البدء بتحقيق الربح من عملية البث المباشر إلا عند تحقيق الشروط التالية:

-ألا يقل عمر الشخص عن 18 عامًا.

-أن يحصل الحساب على أكثر من عشرة آلاف متابع حقيقي وليس متابعين وهميين.

-أن تحقق مقاطع الفيديو المنشورة 100 ألف مشاهدة خلال آخر 30 يومًا.

-الإقامة في دول غير خاضعة للعقوبات، ويتم شملها بصندوق دعم “تيك توك” (TikTok Creator Fund).

-أن يكون الحساب متوافقًا مع سياسة النشر، ومع معايير استخدام التطبيق المحددة من “تيك توك”.

-أن يتم تقديم محتوى حصري غير منسوخ أو مكرر (غير مسروق أو محتوى خاص بمستخدمين آخرين)، أو التعديل على محتوى الغير من خلال برامج الفيديو والمونتاج.

وجود هذه الأسباب والسلبيات والمخاوف، لم يمنع علاقات عديدة في الفضاء الإلكتروني من الوصول إلى الارتباط والزواج، عدا عن علاقات متعددة في حياة الأشخاص، كان مفتاحها أحد التطبيقات في الواقع الافتراضي، كما فرضت بعض الظروف، من حملات النزوح واللجوء التي شهدها المجتمع السوري، تغيير بعض العادات والتقاليد بمراسم الزواج والخطوبة.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة