صلات خفية بين الشركة وموسكو.. بمواجهة واشنطن وحلفائها

هل تنجح شركة نفط بريطانية بالعودة لتفعيل استثماراتها في سوريا

مصفاة نفط بدائية لتكرير النفط بالقرب من مدينة الباب شمالي محافظة حلب- 28 من آذار 2022 (AFP)

ع ع ع

دعت شركة النفط البريطانية “GulfSands” لإيجاد سبيل قانوني دولي لإعادة تفعيل استثماراتها في حقول شمال شرقي سوريا، مقابل تخصيص جزء من عائدات البيع لفائدة السوريين، مثل مشاريع “التعافي المبكر”، في مبادرة سمتها “الأمل”، مثيرة التساؤلات حول إمكانية تحقيق مشروع كهذا في ظل الأوضاع الراهنة.

وجاء في تقرير نشرته الشركة البريطانية على موقعها الرسمي، في 9 من كانون الثاني الحالي، أنه مضى ست سنوات على إبلاغ الشركة بأن حقولها في “البلوك رقم 26” شمال شرقي سوريا بالقرب من منطقة رميلان بالحسكة، قد أعيدت إلى الإنتاج “بشكل غير قانوني”، بعد توقف الشركة عن العمل امتثالًا لعقوبات المملكة المتحدة في آب 2011.

واتهمت الشركة “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، وكياناتها من “وحدات حماية الشعب” (YPG)، و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، و”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، بسرقة أكثر من 41 مليون برميل نفط، بقيمة تقارب 2.9 مليار دولار أمريكي حتى الآن، على اعتبار سعر البرميل 70 دولارًا.

وردّت “الإدارة الذاتية” على اتهامات الشركة البريطانية والتي طالتها أيضًا من الخارجية الصينية بـ “سرقة” الموارد السورية، بالنفي معتبرة إياها “مواقف سياسية”.

وأضافت، أن معظم آبار النفط “مدمرة وخارجة عن الخدمة”، والباقي طاقته “الانتاجية “ضعيفة”، ويجري استهلاكه للحاجة المحلية ومن أجل “الداخل السوري.

وقالت شركة النفط العالمية، إن استخراج وبيع النفط بعيدًا عن التنظيم والرقابة، سيزيد من احتمالية الفساد، وانخفاض الأسعار، وإن معظم عوائد النفط تفيد “الجهات غير الشرعية”، وليس الشعب السوري.

كما حذرت من أن ممارسات استخراج النفط من الحقول غير الآمنة وغير المنظمة بعيدًا عن المعايير الأمنية والبيئية، ستخرب البيئة “بشكل كبير” وسيكون لها أيضًا تأثير “كارثي” على صحة المجتمعات المحلية.

وتدعو الشركة، ومقرها لندن، إلى مبادرة إنسانية “رابحة للطرفين”، من شأنها أن تمكنها وشركات النفط العالمية الأخرى من استعادة السيطرة على أصولها، وبدلًا من أن يتدفق النفط إلى الكيانات الخاضعة للعقوبات وغيرها من الوسطاء غير المصرح لهم، ستسهم مبادرة “الأمل” في تحويل عائدات مبيعات النفط إلى صندوق تسيطر عليه الأمم المتحدة.

ما فرصة “الأمل” للتحقيق

خلال حديثه مع موقع “إنيرجي فويس”، الأربعاء الماضي، قال المدير التنفيذي لشركة “GulfSands”، جون بيل، إن العقوبات الغربية قد فُرضت منذ 12 عامًا، وإلى الآن لا يرى السكان المحليون فوائد موارد بلادهم.

وأضاف بيل أنه على الرغم من العقوبات، “يُسمح” لهذه التجارة غير المشروعة بالاستمرار وتذهب العائدات إلى الميليشيات المحلية، والوسطاء غير الشرعيين الذين يبيعون لدمشق وكردستان العراق، مشيرًا إلى أن بعض الدول المؤثرة، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تغض الطرف عن هذه التجارة.

وحول مشروع “الأمل”، أوضح بيل أنه بموجب المبادرة، يمكن لشركة “GulfSands” وأقرانها العودة إلى مواقعهم المستثمرة في سوريا، مع الاستثناءات والموافقات اللازمة، بحيث تسهم العودة في التحكم التشغيلي بالحقول، وتحسين حقول النفط من ناحية الإنتاج وتقليل التأثير على البيئة.

وأضاف أنه بعد العودة، تبيع الشركات النفط “بشفافية” من خلال “تجار معتمدين”، يدفعون الإيرادات إلى حساب معلوم، أو يوجهونها نحو غايات مقبولة دوليًا، مثل دفع ثمن المساعدات الإنسانية، أي التخفيف من فاتورة مساعدات الدول المانحة، وخلق “صلة محلية” بين الإنتاج والفوائد.

ووصف بيل هذه المبادرة بأنها “ليست سياسية”، ويجب على الأمم المتحدة أو أي طرف محايد مماثل تصميمها والإشراف عليها، معتبرًا أن المبادرة تأتي لإيجاد حل محلي لأزمة إنسانية استمرت لفترة طويلة عن طريق استجرار عائدات بمليارات الدولارات سنويًا، لكنها حاليًا “تتبدد”.

وعن فرصة تحقق المبادرة قال بيل، “هناك مصلحة إقليمية واضحة بحل الأزمة في سوريا، ما يعطينا بعض الأسباب للتفاؤل”.

المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط الأكاديمي محمد الفتيح، قال لعنب بلدي، إنه يوجد عمليًا شركتان تظهران الاهتمام الجدي بنفط المنطقة الشرقية السورية، هما “GulfSands”، التي عادت إلى المشهد منذ أن سيطرت روسيا عليها، حيث تمتلك فعليًا الحقوق التعاقدية الأصلية، وشركة “Delta Crescent Energy” الأمريكية، التي حصلت على استثناء منتهٍ من إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب.

واستبعد الفتيح في الظروف الحالية أن تحصل “GulfSands” على دعم غربي يسمح لها بالعودة إلى المنطقة، كما استبعد أيضًا أن تنجح الشركة الأمريكية الأخرى في الحصول على استثناء من إدارة الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، وذلك بسبب علاقاتها بالحزب “الجمهوري”، كما أن الشركة بالأصل لم تكن تحظى بتوافق الحزب.

وربط الفتيح عودة استخراج نفط شمال شرقي سوريا من قبل الشركات الأجنبية، بعودة الاستقرار الأمني واتضاح الوضع السياسي للمنطقة، وهو ما لا يلوح في أفق السنوات المقبلة، على حد قوله.

وأوضح المحلل الاقتصادي والسياسي أن مبادرة كهذه تحتاج للعمل بها إلى استثناء من عقوبات “قيصر”، إذ إن الإعفاءات من العقوبات المعلنة في أيار 2022 من الخزانة الأمريكية لشمالي سوريا، سمحت ببعض الاستثمارات الهادفة، واستثني منها استخراج النفط في شرق الفرات.

كما قررت إدارة بايدن عدم تمديد الإعفاء من العقوبات الممنوح لشركة “Delta Crescent Energy” لأسباب عدة، أهمها اعتراض شركات أجنبية تملك حقوق السيادة في الحقول النفطية.

ما واقعية الفوائد

نوّه المدير التنفيذي لشركة “GulfSands”، جون بيل، في حديثه، إلى أن “البلوك رقم 26” التابع للشركة يمكن زيادة إنتاج النفط فيه حاليًا، بتوجيه من الشركة البريطانية، إلى 100 ألف برميل يوميًا، بدلًا من 80 ألف برميل، مستندًا إلى السنوات الخمس أو الست الماضية التي أمضتها الشركة في “العمل على الخطط” التي تطور الحقول.

وعلى المستوى الإقليمي، يعتقد بيل أن إنتاج النفط في سوريا يمكن العودة به إلى الأوقات حين وصل إلى حوالي 500 ألف برميل في اليوم، وهو ما يمكن أن يدر عائدات تتراوح بين 15 مليارًا و20 مليار دولار أمريكي سنويًا، اعتمادًا على سعر النفط.

المحلل الاقتصادي في شؤون الشرق الأوسط محمد الفتيح، يختلف مع بيل بالنسبة للفوائد، مشيرًا إلى أن البنية التحتية للقطاع النفطي في شمال شرقي سوريا قد تضررت “بشكل كبير” وباتت بحاجة إلى استثمارات “كبيرة ومعقدة تقنيًا”، تصل إلى مليارات الدولارات.

وأضاف الفتيح أن أغلب آبار النفط بحاجة إلى عمليات “إحياء” بعد أن تضررت نتيجة “الاستخراج البدائي” للنفط، موضحًا أن عمليات “الإحياء” بدأت قبل 2011 بعدة سنوات، وذلك لأن جزءًا مهمًا من آبار النفط السورية كان قد “تجاوز ذروته الإنتاجية” وبدأ بالتراجع، واصفًا الحديث عن عودة الزخم الإنتاجي الكبير للنفط بـ”غير الواقعي”.

وعن العوائد التي تتحدث عنها الشركة بما يصل لـ20 مليار دولار سنويًا، وصف الأكاديمي الاقتصادي هذه الفرضية بـ”المستحيلة”، فبالإضافة إلى اعتبار سعر البرميل بحدود 110 دولارات لكي يحقق العائد المزعوم، كانت ذروة إنتاج النفط السوري في أواخر التسعينيات حوالي 700 ألف برميل نفط، وانخفض في مطلع 2011 إلى نحو 340 ألف برميل.

وأشارت تقديرات شركة النفط “BP” البريطانية لعام 2011، إلى أن سوريا ستتحول لمستورد للنفط في 2020، بحسب الاستهلاك والاحتياطي الموجود حينها، لكن الصراع غيّر من نتائج هذه التوقعات، بعد أن انخفض الإنتاج بشكل كبير، ما سمح باستمراره حتى الآن.

ويرجح الفتيح دخول مسار نضوب نفط شمال شرقي سوريا خلال بضع سنوات، ما لم تتوفر “معطيات جديدة” ناجمة عن عمليات مسح زلزالي واسعة لكامل المنطقة.

بركة نفط في حقل نفطي تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الرميلان بمحافظة الحسكة- (AP)

خلفية روسية

تمتلك شركة “GulfSands” حصة 50% في “البلوك رقم 26” شمال شرقي سوريا، حيث بدأت أنشطتها في قطاع النفط السوري منذ العام 2000، واشترط حضورها في قطاع النفط مع منحها حصة بنسبة 5.7% لابن خال رئيس النظام والمسؤول عن اقتصاد العائلة حينها رامي مخلوف، ممثلًا بصندوق “المشرق الاستثماري”.

الشركة البريطانية استمرت بالدفع لرامي مخلوف حتى آب 2011، عندما أعلنت أنها أوقفت الدفعات المالية تطبيقًا للعقوبات البريطانية التي فُرضت في أيار من ذلك العام، بحسب تقرير لموقع “فاينانشال تايمز” عام 2011، وكان ذلك بداية تعليق حضور الشركة في قطاع النفط السوري.

ولم تلغَ العقود الممنوحة للشركة البريطانية، التي لا تزال تعتبر نفسها صاحبة الأحقية بعقود استخراج النفط من المواقع التي بدأت الاستكشاف فيها خلال العقد الأول من الألفية الثانية.

وفي شباط 2019، أُسست شركة “Delta Crescent Energy” من قبل ثلاثة أشخاص، أولهم المسؤول التنفيذي السابق في شركة “GulfSands”، جون دورير، والثاني جيم ريس، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة الأمريكية، ولديه خبرة في العمل الأمني التعاقدي، وآخرهم جيمس كين، أحد رجال الأعمال وكبار المتبرعين للحزب “الجمهوري” الأمريكي، وحاولت فيما بعد الشركة الدخول إلى المواقع التي عملت فيها الشركة البريطانية في سوريا من خلال الاستثناء الممنوح لها.

وفي نيسان 2020، منحت إدارة ترامب استثناء من العقوبات لشركة “Delta Crescent Energy” للعمل في قطاع النفط السوري، وذلك قبل بضعة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لكنها لم تنجح باستقطاب استثمارات تموّل أنشطتها في المنطقة.

وبحلول 31 من كانون الأول 2021، انتهى مفعول “الاستثناء” الذي منحته إدارة ترامب، ولم يعد للشركة حق استئناف أنشطتها النفطية في سوريا.

وفي أيار 2021، بيعت الحصة الكبرى من شركة “GulfSands” لشركة “Waterford Finance”، وهي شركة يملكها رجل الأعمال الروسي، ميخائيل كروبييف، وباتت الشركة مرخصة في بريطانيا ولكنها عمليًا تحت السيطرة الروسية.

وافتتحت “GulfSands” مؤخرًا مكتبًا في أبو ظبي لتكون أقرب إلى الحوار الإقليمي بشأن سوريا، وتعمل أيضًا على خطط لتوسيع عملياتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتعد تجارة النفط غير المشروعة من القضايا العالمية، إذ يقدّر المعهد العالمي لأبحاث اقتصاديات التنمية التابع لجامعة الأمم المتحدة (WIDER)، أن سرقة النفط غير المشروعة تمثّل من 5 إلى 7% من السوق العالمية للنفط الخام.

من منشآت شركة “Gulfsands” للنفط – (Gulfsands Petroleum)



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة