الصراع على الرقائق

ع ع ع

إبراهيم العلوش

بعد الحرب الروسية على العالم الغربي في مجال الطاقة، رد الغرب عليها بحرب الرقائق الإلكترونية، فأين نحن من هذا الصراع، وماذا يفيدنا في المستقبل؟

أعلنت الولايات المتحدة في عام 2022 رصد مبلغ 52 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق الإلكترونية وتوطين خبراتها، وتوفير مواد “أنصاف النواقل” التي تعتمد عليها هذه الصناعة، واعتبرت الحكومة أن الحرب المقبلة هي حرب الرقائق الإلكترونية التي تهيمن شيئًا فشيئًا على الاقتصاد العالمي.

والحقيقة أن الرقائق الإلكترونية هي عصب الذكاء في الأجهزة الحديثة، فالأجهزة الخلوية والحواسيب وأجهزة الذكاء الصناعي لا تعمل بكفاءة عالية دون الرقائق التي تشغّل البرمجيات وتوسع الذواكر وتسرّع الاستجابة، وتجعل العالم أكثر تقاربًا بفضل البرامج الحديثة في التواصل، والتجارة، والترجمة، ومعالجة المعلومات، بدءًا من التحكم بالأسلحة والمقذوفات الصاروخية، وتشخيص الأمراض، وابتكار اللقاحات، وانتهاء بإدارة الأقمار الصناعية و”التلسكوبات”، التي كان آخرها “تلسكوب جيمس ويب” الذي التقط في عام 2022 صورًا للكون تعود إلى أكثر من 13 مليار عام، وهذا رقم خرافي بالنسبة للبشرية.

اندلع الصراع على الرقائق الإلكترونية بعد تعاون الصين مع روسيا في بدء الحرب التي شنها بوتين على أوكرانيا، إذ منعت أمريكا تصدير الرقائق الحديثة التي تسيّر الصواريخ والطائرات الروسية إلى موسكو، ما جعلها تستنجد بأنواع قديمة من الرقائق التي تُستخدم في السيارات والغسالات والأجهزة الإلكترونية الصغيرة.

ولأن الصين كانت حذرة ومصالحها الاقتصادية متعلقة بشراء بضائعها في العالم الغربي، فإنها رفضت تزويد روسيا بالأسلحة الحديثة، وبسبب استنفاد بوتين ذخيرته الموجهة بشرائح ذكية خلال قصفه الكثيف الممتد إلى أكثر من عشرة أشهر حتى الآن، استنجد بالمسيّرات الانتحارية الإيرانية لدعم جيشه المتقهقر واستعان بأبرزها “شاهد 136″ و”مهاجر 6” من أجل تدمير حياة المدنيين الأوكرانيين، وتحطيم البنى التحتية، وخاصة شبكات الكهرباء والتدفئة في هذا الشتاء الذي تصل درجة الحرارة فيه إلى -10 مئوية.

التحقيقات الأمريكية حول الطائرات المسيّرة الإيرانية بيّنت أن أكثر من 75% من القطع التكنولوجية في تلك الطائرات هي من صناعة أمريكية أو تدخل فيها الصناعة الأمريكية والغربية واليابانية، وهذا ما جعل إيران تحت المجهر في منع التكنولوجيا الحديثة عنها، وخاصة الرقائق الإلكترونية التي تدخل في صناعة هذه المسّيرات، بالإضافة إلى إدانتها الأخلاقية في مساهمتها بتدمير البنى التحتية المدنية بأوكرانيا، ما جلب عليها مزيدًا من الاستنكارات الدولية!

تتركز صناعة الرقائق الإلكترونية بشكل رئيس في أمريكا واليابان وأوروبا وخاصة في هولندا، بالإضافة إلى تايوان الجزيرة المجاورة للصين، وتوجد صناعة للشرائح في الصين أيضًا، ولكن معظم خبرائها هم من الأوروبيين أو الأمريكيين الذين يمتلكون الخبرات المتقدمة في هذه الصناعة، وأي عقوبات أمريكية وغربية على الصين ستسحب هذه الخبرات وتمنع توريد التكنولوجيا الحديثة لإنتاج الرقائق الإلكترونية، إذ إن هولندا مثلًا متخصصة في المعامل التي تنتج الرقائق وتصدّرها إلى الصين وإلى غيرها من الدول المسموح توريد تلك المعدات المتطورة إليها.

تنتج تايوان أحدث الرقائق، وتمتلك حصة كبيرة في السوق الدولية بهذه الصناعة، ولذلك تطمع الصين بهذه الجزيرة الصغيرة الواقعة قبالتها، وقد هددت باحتلالها بذرائع قومية مع بداية الحرب الروسية في أوكرانيا، ولكن فشل بوتين في تحقيق أهدافه أخافها، وجعلها تتراجع عن اجتياح تايوان، وقد تحول الدعم الصيني لروسيا إلى مجرد وعود ونصائح بعيدة عن الحرارة التي بدأت بها قبل الحرب الأوكرانية عندما التقى الرئيسان الصيني والروسي في قمة تاريخية شجعت روسيا على دخول الحرب.

العالم العربي كان له صوت مسموع في حرب النفط والغاز خلال العام الماضي، وقد انحاز معظمه إلى روسيا ودعمها في قرارات “أوبك بلس” 2022، مستفيدًا من ارتفاع أسعار النفط والغاز، بالإضافة إلى أن روسيا صارت بلدًا مجاورًا للعراق والسعودية ودول الخليج العربي، وصارت مؤثرة بعد احتلالها لسوريا وتحالفها مع إيران.

وبعد تراجع أخطار حرب الطاقة مع تعويض الإمدادات الروسية بغيرها، فإن العالم العربي يجد نفسه يتيمًا في حرب الرقائق الإلكترونية التي تندلع الآن ولا ينتج منها شيئًا ذا قيمة، إذ تكتفي معظم الحكومات بنهب الثروات العامة، وبإدارة القمع، والاتهامات، والفتاوى المشبوهة، وتدليل جيوشها التي لم تترك حربًا إلا وخسرتها خلال العقود الماضية.

المستقبل هو لصناعة الرقائق الإلكترونية والبرمجيات الحديثة، وهذه لا تحتاج إلى كثير من المواد الأولية، وكل حاجتها هي العقول والتطور التعليمي، وهذه العقول متوفرة في العالم العربي، وفي سوريا بشكل كبير إذا تم الإفراج عن الطاقات البشرية والتوقف عن تهديدها بالمعتقلات والتكفير والتخوين، وإبعادها عن خطر “الكبتاجون” الذي تتاجر به عائلة الأسد.

الجامعات الحديثة هي النواة الأولى لصناعة الرقائق التي تدر مئات المليارات من الدولارات في الأسواق العالمية، ولعل بلدًا مثل سوريا بعد تحرره مستقبلًا من نظام الأسد، سيُعد من أبرز الدول المرشحة لهذا المسار في السباق التكنولوجي، لا سيما إذا عرفنا أن الأردن من الدول الرائدة في البرمجيات وفي التطور الرقمي، ومن الدول المرشحة للنجاح في هذا المجال.

الدخول إلى سوق الرقائق الإلكترونية والبرمجيات قادر على إعادة دولة مثل سوريا إلى العالم الحديث بعد عقود من الاستبداد والتدمير ونهب الموارد من قبل نظام الأسد وإيران وروسيا وغيرها، فالطاقات البشرية السورية قادرة على خوض هذا السباق بمساعدة الأجيال التي تتخرج في أوروبا من أبناء اللاجئين، وفي ظل دولة سورية حرة، تحفظ كرامة مواطنيها مهما كانت أفكارهم، ومهما كانت طوائفهم وقومياتهم.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة