tag icon ع ع ع

لجين مراد | حسام المحمود | خالد الجرعتلي

لحظات وصفها الناجون بـ”القيامة”، طالت تفاصيل الحياة في المدن المتضررة، وخلّفت أضرارًا جسدية واضحة، وأخرى نفسية لم يظهر أثرها الحقيقي كاملًا بعد.

خوف وشكاوى من أشكال مختلفة من الاضطرابات النفسية، بدأت تظهر تدريجيًا على الأهالي في شمال غربي سوريا، دون أن تستثني الأطفال أيضًا، وسط تحذيرات من “كارثة ثانية” قد تنتج عن غياب الاستجابة للأضرار النفسية التي طالت الناجين.

وأمام الاحتياجات الملحّة لخدمات الصحة النفسية، وصف تقرير صادر عن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC)، كارثة الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا بـ”قنبلة موقوتة” تهدد الصحة النفسية لمتضرري البلدين.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع اختصاصيين وأطباء نفسيين وجهات معنيّة حجم الاحتياجات لخدمات الصحة النفسية، ومدى إقبال سكان الشمال السوري على تلقي تلك الخدمات وسط ارتفاع وتيرة حاجات سابقة، وظهور أخرى خلقتها الكارثة.

كما تبحث جاهزية قطاع الصحة النفسية لاستيعاب الكارثة، ومدى أولوية تلقي العلاج النفسي من وجهة نظر مجتمع متنوع المعاناة.

الكارثة لم تنتهِ..

ناجون عالقون في دوامة الخوف والقلق

بعد أسبوعين من الزلزال المدمر، ضرب زلزال، في 20 من شباط الماضي، منطقة دفنة بولاية هاتاي التركية، بلغت شدته 6.4 درجة على مقياس “ريختر”، خلّف أضرارًا محدودة في شمال غربي سوريا، لكنه أعاد استحضار مشاهد الرعب، في وقت كانت المنطقة تتجه فيه إلى لملمة جراحها، والتعامل مع الأزمات الراهنة التي خلقها أو فاقمها الزلزال.

“بنتي لليوم رافضة تحكي، ورافضة أي تعاطي مع الناس، حتى معي”، هذا ما قالته فاطمة العرنوس لعنب بلدي من غرفة مستشفى تجمعها بطفليتها المصابتين في مدينة إدلب.

لا تزال فاطمة وطفلتاها يتلقين العلاج اللازم للكسور أو الجروح التي أصابت أجسادهن، بعد مضي شهر على الزلزال، كما تعيش الأم حالة قلق مستمرة حيال الضرر النفسي الذي تواجهه إحدى ابنتيها، وفق قولها.

“كل الإصابات ممكن تتعالج، لكن خوفي الحقيقي من حالة بنتي النفسية”، تابعت فاطمة، لافتة إلى أن صحتهن الجسدية بدأت تتحسن، لكن حالة ابنتها النفسية التي تجهل تفسيرها لم تشهد أي تطور إيجابي خلال الأيام الماضية.

ومع امتداد الزلزال إلى مناطق واسعة في الشمال، يعاني أيضًا أطفال رمضان سليمان المقيم في مدينة اعزاز آثارًا نفسية مختلفة، إذ يرفضون العودة إلى منزلهم بعد أكثر من شهر على الكارثة.

“منذ حدوث الزلزال نستيقظ يوميًا على صراخ طفلي الصغير وهو يستنجد بنا لننقذه من كابوس الزلزال”، تابع رمضان لعنب بلدي.

وفي استطلاع رأي أجرته عنب بلدي في مدينتي إدلب واعزاز، اتفقت معظم الآراء على أن الخوف صار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للكبار والصغار في المنطقة، ما ترتبت عليه آثار متفاوتة، وصلت في بعض الحالات إلى العجز عن ممارسة الروتين اليومي لدى الراشدين، بينما تركت تأثيرًا مضاعفًا على الأطفال، إذ يعاني العديد منهم صعوبات بالنوم والكلام وفقدان الشهية، بحسب الاستطلاع.

طفلة تجلس على ركام منزلها المدمر في مدينة جنديرس-14 شباط 2023 (واشنطن بوست)

بعض الأعراض “غير طبيعية”

“أعراض طبيعية لحدث غير طبيعي”، هكذا اختصر الطبيب النفسي محمد أبو هلال ما يعيشه الناجون من الزلزال في سوريا وتركيا.

وقال أبو هلال، خلال حديث إلى عنب بلدي، إن الطب النفسي بعد الكوارث ومنها الزلزال، يتجنب الحديث عن اضطرابات نفسية، في “الفترة الحادة” التي تتراوح بين أسابيع وأشهر بعد الكارثة، مع التركيز على طمأنة الناس، مبررًا ذلك بأن حالة الخوف يمكن أن تزيد عند الحديث عن الأمراض النفسية.

هذا الرأي يتفق معه الطبيب النفسي جلال نوفل، إذ يرى أن العديد من الأعراض يمكن أن تكون طبيعية، ولا سيما في ظل استمرار الكارثة.

وأوضح نوفل أن استمرار الهزات الارتدادية ووجود إشاعات حول زلزال متوقع، يفرضان استمرارية تلك الأعراض لوقت أطول.

وبحسب تقرير صادر عن منظمة “أطباء بلا حدود” حول الصحة النفسية بعد الزلزال، سيكون لدى جميع المتضررين من الزلزال باختلاف مستويات الضرر الذي تعرضوا لها، رد فعل نفسي واستجابة طبيعية للكارثة.

ويتطلب هذا المستوى من الأعراض جلسات دعم نفسي، واهتمامًا ورعاية خاصة لتجنب تفاقم المشكلة، وفق التقرير.

أبرز الأعراض الطبيعية التي يمكن أن يعيشها الناجون من الكوارث الطبيعية

-ردود فعل لدى البالغين:

1) الخوف.

2) مشكلات النوم.

3) الرغبة بتجنب كل ما يمكن أن يذكرهم بالكارثة.

-ردود فعل لدى الأطفال:

-سرعة الانفعال.

-العدوانية.

-القلق.

-الرجوع إلى مرحلة سابقة من الحياة (مص الإبهام، سلس البول…).

المصدر: “أطباء بلا حدود”

وبينما قد تكون بعض الأعراض التي يواجهها الناجون من الزلزال عارضة ومؤقتة وطبيعية، من المتوقع أن تظهر أمراض مزمنة وحالات تتطلب تدخلًا طبيًا، وفق الطبيب جلال نوفل.

إلى جانب ذلك، يشير تقرير “أطباء بلا حدود” إلى احتمالية استمرار أثر تلك الحالات على المدى الطويل، وامتداد أثرها على العائلة والمجتمع بأكمله، كما أن أثر تلك الحالات على المجتمع يمكن أن يسبب زيادة بتعاطي المخدرات، وكثرة في المشكلات الزوجية، وظهور مشكلات إضافية مرتبطة بالعنف والعدوانية، في حال عدم الاستجابة لها بالسرعة المطلوبة.

أبرز الأعراض الشديدة التي يمكن أن يعيشها الناجون من الكوارث الطبيعية:

-الاكتئاب.

-الذهان.

-أعراض جسدية ليس لها تفسير عضوي.

-اضطراب ما بعد الصدمة.

-انتكاسات في أمراض نفسية موجودة مسبقًا.

المصدر: “أطباء بلا حدود”

في بحر احتياجات.. العلاج النفسي أولوية؟

“12 سنة حرب، وفوقا زلزال، والفقر والقهر، مين مرتاح؟ وين المصاري لزيارة الطبيب النفسي؟ لازم آكل أو أزور الطبيب النفسي؟”.

يلخّص زياد غنوم بأسئلته التي لا ينشد لها جوابًا، المشهد الذي يعيشه السوريون في شمال غربي سوريا قبل وبعد حدوث الزلزال، حيث تتشابه ظروف الحياة ومنغصاتها في نفس الوقت.

رب الأسرة المقيم في ريف إدلب وأحد الناجين من الكارثة، بيّن لعنب بلدي وجود حالة فزع وذعر وخوف بعد الزلزال، كما أكّد خوف العائلة على الأطفال في المقام الأول، على اعتبار أنهم لا يعرفون كيف يحمون أنفسهم إن حلّ طارئ ما.

وقال زياد، إن الخوف متواصل منذ حدوث الزلزال، كما ارتفعت حساسية الكبار تجاه ما يرتبط بهذا الحدث، ما ينعكس على الأطفال الخائفين أصلًا، فبعد 12 عامًا من الحرب، لم يبقَ لدى الناس شعور باطمئنان أو راحة بال، والتوترات حاضرة دائمًا، وفق قوله.

يضع زياد العلاج النفسي بميزان مفاضلة مع الغذاء والطعام، رغم إدراكه أهميته لمختلف الفئات العمرية شمال غربي سوريا، تدفعه إلى ذلك الظروف المعيشية والاقتصادية، التي فاقم الزلزال قسوتها.

ويتقاطع رأي زياد مع مجموعة آراء أخرى استطلعتها عنب بلدي ميدانيًا، وشددت بالمجمل على وجود حالة رعب وخوف كبير من تكرر حادثة الزلزال.

رفض أو جهل مجتمعي

رغم قبول بعض الأشخاص المستطلَعة آراؤهم فكرة مراجعة الطبيب النفسي، ورفض بعضهم الآخر لأسباب اجتماعية، أو لشعور تلقائي بتحسن، أشار بعض الأشخاص إلى عدم القدرة المادية على مراجعة طبيب مختص نفسيًا، مشيرين في الوقت نفسه إلى ترتيب أولويات لا يضع العلاج النفسي على رأس سلّم الاحتياجات، الأمر الذي تعززه الأجور المرتفعة التي تتطلبها جلسات العلاج من هذا النوع، في ظل نقص حاد بأطبائه المختصين في المنطقة.

فاطمة العرنوس، التي تعاني ابنتها آثارًا نفسية عديدة، بررت عدم الاستعانة بدعم نفسي لابنتها باعتقاد لم توضح مصدره، بأن هذه الآثار ستزول مع الوقت.

“بعمرنا ما رحنا على طبيب نفسي، بكفي نقرأ الأذكار والله بصبرنا”، أضافت فاطمة.

الطبيب النفسي والمشرف على مركز منظمة “أوسوم” الطبية، محمد العلي، قال لعنب بلدي، إن إقبال الأهالي على العلاج النفسي في المنطقة “مقبول”، لكن المسألة تتطلب مزيدًا من التثقيف والتوعية.

وأوضح العلي أن هناك من يعتبر العلاج الطبي النفسي مرتبطًا بـ”وصمة عار” مجتمعية، ما يجعل التوعية بأهمية العلاج وتصحيح تلك المعتقدات الخاطئة أولوية في الوقت الراهن، وهو ما يؤكده أيضًا الطبيب جلال نوفل، الذي اعتبر “المعتقدات الاجتماعية الخاطئة” سببًا لاستبعاد بعض الناس فكرة تلقي علاج أو دعم نفسي في الشمال.

وأضاف نوفل أن العديد من الأشخاص يفضّلون مراجعة أشخاص يمارسون “الشعوذة” على مراجعة شخص مختص، ما يفاقم المشكلات على الصعيد الفردي والمجتمعي.

شوارع مدينة جنديرس بريف حلب بعد الزلزال الذي ضرب شمالي غربي سوريا - 24شباط 2023 (عنب بلدي/ أمير خربطلي)

شوارع مدينة جنديرس بريف حلب بعد الزلزال الذي ضرب شمالي غربي سوريا – 24شباط 2023 (عنب بلدي/ أمير خربطلي)

قطاع الطب النفسي “غير مؤهل”

يعاني القطاع الطبي شمال غربي سوريا مشكلات وضغوطات كبيرة، جراء محدودية الدعم المقدم للمنشآت من جهة، وغياب الكوادر الطبية المتخصصة بما يلبي احتياجات المنطقة من جهة أخرى.

ويعدّ قطاع الطب النفسي من أبرز القطاعات غير المؤهلة لاستيعاب احتياجات المنطقة، خصوصًا في ظل كارثة فاقمت الاحتياجات، بحسب معلومات حصلت عليها عنب بلدي من عدة مصادر عاملة بالقطاع.

تحديات “كبيرة”

تراكم المعاناة بالنسبة لسكان شمال غربي سوريا ضاعف الحاجة لتعزيز قطاع الطبي النفسي في المنطقة حتى ما قبل حصول الزلزال، خصوصًا أن أكثر من نصف سكان المنطقة نازحون من مناطق أخرى، ويعانون الآثار المترتبة على الصراع المستمر في سوريا.

منذر الخليل، طبيب باحث في مشروع أبحاث لتقوية النظام الصحي في شمالي سوريا، ومدير صحة إدلب السابق، قال لعنب بلدي، إن الصحة النفسية للمقيمين في المنطقة تمثّل “تحديًا كبيرًا”، ولا سيما للناس المعرضين للاضطهاد، كالنساء والأطفال والمسنين وذوي الإعاقة.

وأضاف أن الارتفاع الملحوظ في عدد حالات الانتحار المسجلة، على مستوى المنشآت الصحية، “رغم غياب الإعلان الرسمي”، يعتبر دليلًا على ذلك.

وتنشر غرف ومعرفات نشطة عبر “تلجرام” في شمال غربي سوريا، بشكل متكرر، أخبارًا عن حالات انتحار تتكرر من وقت لآخر، ضحاياها من فئة الشباب في أوقات كثيرة.

وتعاني خدمات الصحة النفسية في سوريا بالمجمل تحديات كبيرة، بحسب الطبيب، مثل النقص الحاد في التمويل والموارد البشرية، والأوضاع الأمنية غير المستقرة، ونقص الخبرة والتدريب، وعدم تكييف خدمات الصحة النفسية لتتناسب مع أعراف المجتمع وثقافته واحتياجاته.

إمكانيات محدودة

مدير مديرية الرعاية الأولية في مديرية صحة إدلب، الطبيب محمد مستت، قال لعنب بلدي، إن الآثار الكارثية التي أحدثها الزلزال انعكست بطبيعة الحال على الصعيد النفسي، ومنها “اضطراب الهلع” و”اضطراب الكرب” (ptsd) اللذان ارتفعت نسبتهما بين سكان المنطقة كأول أثر ظهر بعد الزلزال على الصعيد النفسي.

وتفاقم أثر الكارثة جرّاء ضعف بقطاع الطبي خصوصًا على صعيد خدمات الطب النفسي، بحسب ما قاله مستت، الذي أرجع العوائق الأساسية لتدبير مثل هذه الحالات إلى شح الكوادر المتخصصة الخاضعة للتدريبات الخاصة بالطب النفسي، إلى جانب فقدان بعض هذه الكوادر بسبب الزلزال مؤخرًا.

وحول المناطق التي تديرها “الحكومة السورية المؤقتة”، شمالي محافظة حلب، قال وزير الصحة في الحكومة، الدكتور مرام الشيخ، إن اهتمام القطاع الطبي بالمجمل انصب على تأمين التدخل العلاجي المتعلق بـ”إنقاذ الحياة”، بينما لم تتوفر لدى الوزارة إحصائية دقيقة لعدد العاملين في قطاع الطب النفسي بمناطق شمالي حلب.

متطوع من "الدفاع المدني السوري" شمالي غربي سوريا, أخذ قسطًا من الراحة بعد البحث عن الضحايا في منطقة جنديرس بريف عفرين إثر الزلزال - 7 شباط 2023 (عنب بلدي/ ديان جنباز)

متطوع من “الدفاع المدني السوري” شمالي غربي سوريا, أخذ قسطًا من الراحة بعد البحث عن الضحايا في منطقة جنديرس بريف عفرين إثر الزلزال – 7 شباط 2023 (عنب بلدي/ ديان جنباز)

نقص يعود لسنوات

الطبيب منذر الخليل قال لعنب بلدي، إن ضعف هذا القطاع تعود جذوره لأكثر من عشر سنوات، وتفاقم خلال فترة الحرب، إذ لا يوجد في منطقة شمال غربي سوريا مركز واحد متكامل يقدم خدمات الطب النفسي.

وفي ظل الاحتياجات الطارئة الإسعافية المستمرة، عادة ما تتجه المنظمات ومقدمي الرعاية الصحية لتقديم الخدمات المنقذة للحياة على حساب الخدمات الأخرى، بما في ذلك خدمات الطب النفسي، وفق ما قاله الخليل.

“من الضروري أن يولي صنّاع القرار في قطاع الصحة أهمية خاصة لخدمات الصحة النفسية، بما في ذلك الرعاية النفسية بالكوادر الطبية، مع ضرورة تقديم المنظمات الدولية والحكومات الدعم لتعزيز قدرة هذا القطاع”.

منذر الخليل

طبيب باحث في مشروع أبحاث من أجل تقوية النظام الصحي في شمالي سوريا، ومدير صحة إدلب السابق.

وخلال الأيام الأولى للزلزال، استجابت المستشفيات والمراكز الطبية في سوريا للأزمة بقدرتها القصوى من معدات وكوادر، رغم العجز الكبير الذي يعانيه القطاع الطبي عمومًا.

وزير الصحة، الدكتور مرام الشيخ، قال حينها لعنب بلدي، إن المستشفيات في المنطقة تعمل بطاقة قصوى، وسط إعلان حالة طوارئ واستنفار، شمل منظومات الإسعاف والمستشفيات والكوادر الطبية كاملة.

ويظهر ذلك النقص المستمر منذ سنوات، كما ورد في بحث سابق أعدّته منظمة “إحياء الأمل” عام 2019، إذ توصل الباحثون إلى أن برامج الدعم النفسي- الاجتماعي في سوريا “مقبولة إلى حد ما” لكنها لا تغطي الحاجة.

حضور المنظمات

عملت عشرات المنظمات على الاستجابة للكارثة وتقديم خدمات الدعم النفسي، بينها منظمة “إحياء أمل”، إذ استقبل العاملون فيها مدنيين يعانون اضطرابات نفسية ناتجة عن الصدمة التي مرّوا بها.

وبحسب ما قالته المنظمة لعنب بلدي، فإن تدخلها في مجال الدعم النفسي انقسم إلى شقّين، الأول الدعم النفسي- الاجتماعي غير الدوائي، وينفذه داعم نفسي اجتماعي، أو اختصاصي نفسي يقيّم الوضع النفسي للمصاب، ويقدم له العون النفسي الأولي والجلسات الفردية التي تتضمن بعض التقنيات للمساعدة على التعامل مع الضغوط والاستجابات الناجمة عن الحدث الصادم، بينما يتضمن الشق الثاني العلاج الدوائي بإشراف الطبيب النفسي الذي يصف الدواء المناسب لكل حالة، ويتابع مستوى تحسنها بالتنسيق مع الاختصاصي النفسي.

الطبيب النفسي والمشرف على مركز منظمة “أوسوم” الطبية، محمد العلي، قال لعنب بلدي، إن حالة من النقص الحاد في فرق الدعم النفسي يعانيها العاملون في القطاع، رغم الحاجة الملحة في هذا الجانب مؤخرًا، كما أن قلة الخبرات اللازمة للتعامل مع مرحلة بعد الصدمة، عاقت الاستجابة للأزمة التي تواجهها المنطقة، بالنسبة للعاملين في القطاع.

أشار العلي أيضًا إلى أن بناء القدرات في المجال، وتنمية الكفاءات بالتدريبات الضرورية واللازمة للتعامل مع الأزمات، ضرورة تحتاج إليها المنطقة.

وحذّر تقرير منظمة “أطباء بلا حدود” من الأثر الذي يمكن أن تتركه الكارثة على العاملين ضمن المنظمات التي تقدم خدمات الدعم النفسي، موصيًا هؤلاء الأشخاص بعدم العمل لأكثر من ستة أيام متتالية.

كما قال الطبيب النفسي العامل ضمن “الجمعية الألمانية السورية” جلال نوفل، إن العاملين بالمنظمات التي كانت تقدم خدمات الدعم النفسي في وقت سابق، صاروا ضحايا للكارثة.

وأوضح الطبيب أن العاملين ضمن ذلك القطاع صاروا بحاجة إلى الدعم والاستشارات، لتجنب وصولهم إلى حالة “الاحتراق النفسي”.

متطوعة من الخوذ البيضاء تواسي طفلاً كان ينتظر انتشال جثة صديقه من تحت الأنقاض في قرية عزمارين شمال غربي سوريا (الدفاع المدني السوري)

الإسعاف النفسي رفيق الإغاثة

تعيش مناطق شمال غربي سوريا واقعًا معقدًا لا يمنح المقيمين في المنطقة “رفاهية” التفكير والبحث عن علاج نفسي لمشكلات أو أعراض نفسية يمكن أن تطرأ على الشخص بصرف النظر عن العامل الزمني، قبل أو بعد حدوث الزلزال.

الأرقام والإحصائيات توضح أن معظم السكان لا يلبون الحد الأدنى من هرم الاحتياجات البشرية التي حددها عالم النفس إبراهام ماسلو في كتاب “الدوافع الشخصية” عام 1954، وأكثرها إلحاحًا في المقام الأول الاحتياجات الفيزيولوجية (طعام وشراب بشكل أساسي)، ما يضع الإحساس بالأمان، الذي يرتبط هنا بالعلاج النفسي نسبيًا، في درجة أعلى على سلّم الاحتياجات.

ويعيش في شمال غربي سوريا 4.6 مليون نسمة، يحتاج 4.1 مليون منهم إلى المساعدة، كما يعاني 3.3 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي، من الرقم الإجمالي المكوّن من 2.9 مليون نازح و1.8 مليون شخص يقيمون في المخيمات، وفق بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، الصادرة في 23 من شباط الماضي.

ونزح جراء الزلزال نحو 40 ألف عائلة، وبلغ عدد الأبنية المدمرة بالكامل نحو 550 بناء، والمتضررة بشكل جزئي أكثر من 1570 بناء، بالإضافة إلى مئات الأبنية المتصدعة، بحسب تقديرات “الدفاع المدني”.

وتضرّر ما لا يقل عن 55 مرفقًا صحيًا من الزلزال في شمال غربي سوريا، وأكثر من 110 من المراكز الصحية بحاجة إلى الوقود أو الأدوية، كما تشير التقديرات الأممية إلى وجود 280 ألف شخص متضررين من الزلزال بشكل مباشر، وبحاجة ماسة إلى المأوى والمواد غير الغذائية.

أمام هذه الأرقام، شدد عامر الغضبان، الدكتور في علم النفس التربوي، على وجود علاقة بين الإسعاف النفسي وأنواع الإغاثة أو الدعم الأخرى بعد الزلزال، مشيرًا إلى تركيز الاهتمام في الفترة الأولى من وقوع الكارثة على الإغاثة المادية، بينما تتطلّب المسألة دعمًا وإغاثة نفسية ترافق منذ اليوم الأول الإغاثة المادية والغذائية والطبية.

في سياق متصل، أوضح الدكتور الغضبان أنه في مرحلة ما بعد الكوارث تظهر بعض الأعراض النفسية، ليتبعها التكيّف والتعافي، وتراجع في ظهور أعراض كثيرة كانت واضحة، لكن شريحة من الناس تستغرق معها الأعراض النفسية وقتًا أطول، دون اهتمام بالحالة، على أمل التعافي مثل الآخرين.

ولفت الغضبان، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن تفاقم الحالة قد يؤدي بالشخص إلى الاكتئاب الشديد، والأمراض الذهانية، وظهرت خلال الثورة حالات من هذا النوع بسبب إهمالها بعد ظهور الأعراض.

وعزز ضعف القطاع الطبي من جهة، وارتفاع الإصابات وتفاوت خطورتها في المنطقة من جهة أخرى، التركيز أكثر على الجانب الطبي من الإصابات، إذ بيّنت تقديرات منظمة الصحة العالمية، أن احتياجات القطاع الصحي في شمال غربي سوريا تصل إلى 15.7 مليون دولار، منها 6.7 مليون لتوفير الأدوية، و0.7 مليون فقط لدعم الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي.

English version of the article

مقالات متعلقة