ضغط إعلامي لفك التضييق

ملامح احتكاك مقبل بين “الغرباء” و”تحرير الشام”

camera iconقائد هيئة تحرير الشام "أبو محمد الجولاني" والجهادي الفرنسي عمر أومسن (تعديل عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – حسن إبراهيم

توعدت “فرقة الغرباء” التي يقودها “الجهادي” الفرنسي عمر أومسن (عمر ديابي)، بإصدار سلسلة مقاطع فيديو، للرد على افتراءات تم الترويج لها بحق أومسن وأعضاء فرقته المقاتلة شمال غربي سوريا.

وذكرت الفرقة عبر تسجيل مصوّر، في 23 من أيار الماضي، أن السلسلة تتناول قضية تلو الأخرى من مزاعم “كاذبة” لـ”هيئة تحرير الشام” صاحبة النفوذ العسكري في المنطقة، وتثبت أن “الهيئة” تفتقد إلى “الأمانة والنزاهة، ولا يمكن الوثوق بها، لأنها خانت الشعب السوري والمجاهدين”.

بعد يومين من التسجيل، انتشرت أنباء عن اعتقال “تحرير الشام”، “الجهادي” الفرنسي “أبو الصديق”، أحد عناصر “فرقة الغرباء” عبر “كمين” دون توضيح الأسباب، وهو ما نفته “الهيئة”.

وقوبلت أنباء الاعتقال ببيان إدانة واستنكار من الفرقة، لتظهر ملامح خلاف جديد واحتكاك بين “تحرير الشام” ذات القبضة الأمنية في المنطقة، والمتمرسة في إقصاء الفصائل، وبين “جهاديي الغرباء” الذين طالهم تضييق من “الهيئة” خلال سنوات ماضية بعد وصولهم إلى إدلب عام 2013.

كشف افتراءات.. اعتقال “جهادي”

قالت “فرقة الغرباء” عبر التسجيل، إن هناك اتهامات كيدية روّجت لها “تحرير الشام” وأعضاء تركوا المجموعة بعداء، وكانت لـ”الهيئة” مصلحة كبيرة في قضية اختطاف طفلة عام 2018، واتهام أومسن بذلك، قبل تسليمها لوالدتها في بلجيكا، وتم الترويج للقضية على نطاق واسع، للحصول على اعترافات دولية وجني أرباح مالية، وفق الفرقة.

واعتبرت الفرقة في التسجيل، أنه لا يوجد خيار سوى دحض الافتراءات من خلال إنتاج سلسلة من الفيديوهات، خاصة بعد سجن أومسن من قبل “تحرير الشام” لمدة 17 شهرًا، والإفراج عنه في 31 من كانون الثاني 2022، وزيادة الافتراء عليه رغم الشكوى إلى “الهيئة” لكن دون جدوى.

في 25 من أيار الماضي، اعتقلت “تحرير الشام”، “الجهادي” الفرنسي “أبو الصديق”، أحد عناصر فرقة “الغرباء” في جبل الزاوية جنوبي إدلب، وهو من آخر اثنين انضموا إلى جماعة أومسن في تموز 2021.

وقال الصحفي في قناة “فرانس 24” وسيم نصر، المتخصص بالحركات “الجهادية”، عبر “تويتر“، إن “أبو الصديق” لم يكن من القاطنين مع أفراد الفرقة في مخيمهم شمالي إدلب.

وفي اليوم نفسه، أصدرت فرقة “الغرباء” بيانًا قالت فيه، إنها تستنكر الاعتقال “التعسفي والظالم” لـ”أبو الصديق”، وطالبت “تحرير الشام” بالإفراج عنه، بعد اعتقاله عبر نصب كمين له حين خرج لشراء معدات لازمة في تأمين نقطة “رباطه”.

وذكرت في البيان أنه لا يمكن بأي حال أن تُبرر أعمال القمع والترهيب ضد “المجاهدين”، وأن الفرقة لم تشكّل أبدًا تهديدًا للأمن العام، مطالبة بوضع حد لـ”الحملة القمعية”، حسب وصفها.

من جهته، نفى المكتب الإعلامي في “تحرير الشام” لعنب بلدي، عبر مراسلة إلكترونية، صحة اعتقال “أبو الصديق”.

“لا صدام عسكري”

الخلافات بين الجماعة الفرنسية و”الهيئة” ليست جديدة على الطرفين، إذ مارست “تحرير الشام” التضييق على جميع الفصائل التي لم تتماشَ مع سياستها في المنطقة، وخصوصًا المقاتلين الأجانب، رغم نفي “تحرير الشام” لوجود سياسة ممنهجة تجاههم.

الباحث في الجماعات “الجهادية” عرابي عرابي، قال لعنب بلدي، إن الفرقة تحدثت لعدم وجود أي متنفس للجماعات “الجهادية” الأجنبية في المنطقة، من تمويل وعمل، وإحكام “الهيئة” على زمام الأمور، وفرضها شروطًا عليهم بالمبايعة أو الخروج.

وأوضح عرابي أن الجو حاليًا متاح أمام الفرقة ومقاتليها للحديث عن حالة التضييق، بالتزامن مع مظاهرات رافضة لسياسة “تحرير الشام” في بعض مدن وبلدات الشمال السوري، لافتًا إلى أن المقاتلين الأجانب لم يحدثوا أي رد فعل بخصوص اعتقال أومسن قبل ثلاثة أعوام.

وتشهد بشكل يومي قرى وبلدات دير حسان والسحارة وكللي وأطمة مظاهرات مسائية وصباحية للمطالبة بالإفراج عن معتقلين في سجون “تحرير الشام”، ورفض سياسة “الاعتقالات التعسفية” التي تنفذها، عقب حملة اعتقالات ضد أفراد عائلات ينتمون إلى حزب “التحرير”.

يرى الباحث في الجماعات “الجهادية”، أن الفرقة لن تصعّد خلافها على الأرض ليصل إلى مرحلة الصدام العسكري، مع إمكانية تصعيده إعلاميًا، لأن فرق القوة كبير ويميل إلى “الهيئة”، ولعدم استطاعة الفرقة المكونة من 30 إلى 50 مقاتلًا مواجهة “تحرير الشام”، ولعدم امتلاك “الغرباء” أوراق قوة تفرضها على “الهيئة”.

واعتبر عرابي أن ما يصدر عن الفرقة حاليًا هو ركوب لموجة المظاهرات، واستغلال حالة تأجيج الجو وزيادة الاحتقان الموجود، من أجل المطالبة الإعلامية لعلها تحصّل بعض المكاسب مثل الإفراج عن المعتقلين.

من “الغرباء”؟

تقيم “فرقة الغرباء” في مخيم قرب الحدود التركية شمالي إدلب، يحيط به جدار شيّده أعضاؤها للحفاظ على خصوصيتهم مع عائلاتهم.

يترأس الفرقة عمر أومسن، الذي تقول السلطات الفرنسية إنه “مسؤول عن تجنيد 80% من الجهاديين الذين يتحدثون اللغة الفرنسية ممن ذهبوا إلى سوريا أو العراق”، وكان أول من أطلق فيديوهات دعائية لتحفيز الشباب في فرنسا على الانضمام لـ”الجهاد” في سوريا.

ولد أومسن في السنغال، وانتقل للعيش في فرنسا عندما كان طفلًا، قبل أن ينتهج “التطرف” بعد أوقات قضاها في السجون، وانتقل إلى سوريا في 2013، وترأس كتيبته “الجهادية” في غابات اللاذقية، ويعتبر الزعيم الروحي لجماعته.

ونشر أومسن سلسلة من مقاطع الفيديو تحت اسم “HH 19″، نسبة إلى الـ19 شخصًا الذين قاموا بهجمات “11 من أيلول” في أمريكا عام 2001.

وفي عام 2016، صنفت الخارجية الأمريكية عمر أومسن كـ”إرهابي عالمي“، وقالت إن “ديابي يتزعم جماعة تضم حوالي 50 مقاتلًا أجنبيًا في سوريا، شاركت في عمليات إرهابية مع (جبهة النصرة) الإسلامية المتشددة، التي غيّرت اسمها إلى (جبهة فتح الشام)”، قبل أن تصبح لاحقًا “هيئة تحرير الشام”.

وقالت الفرقة بإصدار سابق لها في 2020، إنها مستقلة من الناحية الإدارية والتنظيم الداخلي، الأمر الذي أتاح لأعضائها حماية أنفسهم من كل الصراعات التي اندلعت في سوريا، لكن “الاستقلال لا يمنعهم من الاستجابة للاستدعاءات الصادرة عن محاكم (تحرير الشام)”.

و”يرابط” مقاتلو الفرقة قرب خطوط التماس المشتركة مع قوات النظام السوري، حالهم كحال مقاتلي الفصائل بالمنطقة، وفي 16 من كانون الثاني الماضي، قُتل “جهادي” من “الغرباء” يدعى سفيان مرابط (أبو حمزة) ينحدر من مدينة نيس بمنطقة جبل الزاوية جنوبي إدلب، بعد إصابته بطلقة نارية في رأسه.

اعتقال الزعيم الروحي

في 1 من أيلول 2020، أكدت “تحرير الشام” اعتقال عمر أومسن، وبررت عبر تصريح لمكتب العلاقات العامة حينها وصل إلى عنب بلدي اعتقاله بحجة “تفرده بما يشبه إدارة مصغرة خاصة به وبأهل منطقته، تتضمن أغلب الإجراءات المدنية المتعلقة بالأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والمعاملات”.

في المقابل، ردت جماعة أومسن على الاتهامات عبر إصدار مرئي في 24 من الشهر نفسه، وقالت إنها مستقلة وإن لديها نظامًا داخليًا تجريديًا موضوعًا من قبل جميع أعضاء الجماعة، وأسست قواعد لتسهيل الحياة الجماعية، وإن “القواعد التي على الكتاب والسنة تم التحقق منها من قبل عديد من الكوادر الدينية على مر سنين”.

في 31 من كانون الثاني 2022، أفرجت “تحرير الشام” عن أومسن وفق ما نقلته قناة “فرانس 24“، وقال مدير مركز “تحليل الإرهاب” في باريس، جان شارل بريسار، “تحدثتُ إلى نجله وأُفرج عنه حقًا”، مضيفًا أن “الهيئة” فرضت شروطًا لا تريد الكشف عنها مقابل الإفراج عن أومسن.

وفي التسجيل الصادر عن “الغرباء” مؤخرًا في أيار الماضي، قالت إن سبب إنتاج السلسلة التي حملت عنوان “تفنيد”، هو تجنب أي خيانة جديدة واتهامات للفرقة بـ”أيديولوجيا داعشية” أو جماعات “باغية”، ما يضفي شرعية على مهاجمة الجماعة ومخيمها شمالي إدلب.

الأجانب ملف شائك.. إقصاء وتكتم

تعد قضية المقاتلين الأجانب من القضايا الشائكة في مناطق سيطرة “تحرير الشام” التي تشمل محافظة إدلب وجزءًا من ريف حلب الغربي وريف اللاذقية وسهل الغاب، شمال غربي حماة.

ويوجد في مناطق الشمال السوري أجانب أتوا من مختلف دول العالم خاصة في العام 2013 عبر تركيا، وانخرط معظمهم في القتال، وعمل بعضهم في المجال الطبي والإغاثي، كما دخل صحفيون لتغطية تطورات الأحداث.

ونظم المقاتلون الأجانب أنفسهم ضمن مجموعات كـ”الحزب الإسلامي التركستاني” و”الأوزبك”، وبعضهم انضم إلى فصائل وتنظيمات أخرى، كـ”هيئة تحرير الشام”، و”حركة أحرار الشام” سابقًا.

وعملت “تحرير الشام” على بسط سيطرتها وتعزيز حضورها العسكري، من خلال حلّ بعض الفصائل وإزاحتها، ومصادرة أسلحتها، أو إجبارها على التماشي مع سياستها، ثم اتجهت لتفكيك الجماعات “الجهادية” التي يطغى المقاتلون الأجانب على تشكيلاتها العسكرية.

وحصرت “الهيئة” جميع الأعمال العسكرية ضمن غرفة عمليات “الفتح المبين”، وحاربت فصائل أخرى واستطاعت تفتيتها، وهو ما حصل مع غرفة عمليات “فاثبتوا” التي كانت تضم فصائل “جهادية” على رأسها تنظيم “حراس الدين”، فرع تنظيم “القاعدة” في سوريا.

وتتكتم “الهيئة” على عمليات الاعتقال والإفراج عن الأجانب، وتتجنب الحديث عنهم إعلاميًا، وهذا ما حدث في قضية الإفراج عن أومسن، وتكتّمها على مغادرة قائد جماعة “أجناد القوقاز“، رستم آزييف، المعروف بـ”عبد الحكيم الشيشاني”، و25 شخصًا من عناصر جماعته، ريف اللاذقية في تشرين الأول 2022، لمحاربة القوات الروسية التي تغزو أوكرانيا.

وتنفي “تحرير الشام” وجود سياسة ممنهجة ضد الفصائل والمقاتلين الأجانب، وتبرر عمليات التضييق والاعتقال بـ”تنظيم العمل العسكري ومحاسبة بعض المعتدين”، وخلال لقاء أجراه مع صحيفة “Independent” بنسختها التركية، في 5 من أيلول 2021، أشاد القائد العام لـ”الهيئة”، “أبو محمد الجولاني”، بجهود من وصفهم بـ”الإخوة المهاجرين الذين جاؤوا للمساعدة”، ووعد بعدم التخلي عنهم، ردًا على سؤال حول وجود مكان لهم في مستقبل سوريا.

وقال “الجولاني”، إن هؤلاء المقاتلين “جزء منا، يختلطون بالناس، وهم سعداء بالناس والناس سعداء بهم، ولا يشكّلون خطرًا لدولتنا، وهم موجودون تحت السياسة التي أسسناها”.

نشأت “جبهة النصرة” (“تحرير الشام” حاليًا) في سوريا نهاية 2011، وهي فصيل تميّز بخروجه من رحم “القاعدة”، أبرز الفصائل “الجهادية” على الساحة العالمية، وأعلنت لاحقًا انفصالها عن أي تنظيم، واعتبرت نفسها قوة سورية محلية.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة