خلف كل يد ممدودة قصة.. كيف غيرت الأزمة وجوه التسول في سوريا؟

لم تعد ظاهرة التسول في سوريا تقتصر على طلب المال بل امتدت إلى أنماط مختلفة فرضها الانهيار الاقتصادي (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconلم تعد ظاهرة التسول في سوريا تقتصر على طلب المال بل امتدت إلى أنماط مختلفة فرضها الانهيار الاقتصادي (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – آلاء شعبو

تتنقّل بين بساتين ريف اللاذقية وأبواب البيوت، وتطلب من أصحابها السماح لها بأخذ جزء من المزروعات مثل السلِق أو الفاصولياء، من دون مقابل مادي، ثم تقوم ببيعها.

امرأة في الـ73 من عمرها، تقضي يومها بهذه الطريقة لتأمين احتياجاتها مع شقيقتها المسنّة.

ورغم صعوبة ظروفها المعيشية، ترفض المرأة الظهور أمام الكاميرا أو ذكر اسمها، وتقول إن أبناءها قد ينزعجون من الحديث عنها أو من تصويرها، في محاولة منها لحمايتهم من أي إحراج أو شعور بالمسؤولية تجاه وضعها الصعب، مؤكدة أنها لا تريد أن تكون عبئًا عليهم في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

قصتها ليست استثناء، بل هي واحدة من صور متعددة للحاجة في سوريا، حيث لم تعد ظاهرة التسول تُقرأ من زاوية واحدة، ولا تقتصر على طلب المال، إنما تمتد إلى أنماط مختلفة فرضها الانهيار الاقتصادي.

وبينما لا تتوفر إحصاءات رسمية شاملة عن حجم الظاهرة في سوريا، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن حملة ميدانية نفذتها بالتعاون مع محافظتي دمشق وريف دمشق، أسفرت عن احتواء 185 حالة تسول، أغلبيتها من الأطفال، في مؤشر يعكس جانبًا من اتساع الظاهرة، دون أن يقدم صورة كاملة عنها.

خلف الأيادي الممدودة

في أحد شوارع اللاذقية، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحًا، حيث تتخذ الحاجة أشكالًا مختلفة.

يجلس رجل سبعيني في أحد شوارع اللاذقية، يحتضن كيسًا أسود بين ذراعيه المبتورتين، متحفظًا على التصوير أو الكشف عن هويته. وبعد تردد، وافق على الحديث.

قال الرجل (65 عامًا) لعنب بلدي، وهو من قرية ربيعة في ريف اللاذقية، إنه كان يقتات من العمل في أرض يملكها، قبل أن يتعرض لإصابة ناجمة عن لغم في أثناء عمله الزراعي، أدت إلى بتر يديه وأفقدته القدرة على متابعة عمله كما في السابق.

وأضاف أن ما يجنيه يوميًا من التسول مبلغ يكفي لتغطية جزء من احتياجاته الأساسية، مشيرًا إلى أنه حاول سابقًا العمل على “بسطة” صغيرة لتأمين دخله، لكن التجربة لم تنجح بسبب إصابته.

“إذا عم تسجلوا على شغل.. أنا بدي اشتغل”

لم يكد حديث الرجل الستيني ينتهي، حتى اقترب رجل يحمل كيسًا مليئًا بالأعشاب البرية، وسأل على عجل: “إذا عم تسجلوا على شغل.. أنا بدي اشتغل”، معتقدًا أن فريق عنب بلدي يجمع أسماء باحثين عن عمل.

الرجل، الذي عرّف عن نفسه باسم رزاز (48 عامًا)، قال إنه يحمل إجازة جامعية في التاريخ، مضيفًا أنه كان موظفًا حكوميًا لمدة 16 عامًا قبل أن يُفصل من عمله، مشيرًا إلى أنه يعيش اليوم مع زوجته في منزل مستأجر، ويحاول تأمين دخلهما من خلال بيع الأعشاب البرية، قبل أن يخفض صوته قائلًا: “وأحيانًا وصل بي الحال إلى التسول”.

وعلى الرصيف ذاته، كان محمد (50 عامًا)، القادم من حلب، يروي تجربة مختلفة مع التسول. وقال إنه يزور اللاذقية باستمرار بحكم عمله التجاري، ويشاهد بشكل شبه يومي امرأة تتسول أمام أحد محال الصرافة.

وأضاف أنه اعتاد إعطاءها مبلغًا “بحسب المتيسر”، وذكر أنها خلال الحرب الأخيرة في لبنان، ادعت أنها نازحة سورية عادت من هناك، وهي رواية من أصل عشر روايات أخبرته بها.

لكن محمد قال إن نظرته إلى بعض المتسولين تغيرت مع مرور الوقت، مستشهدًا بالمرأة نفسها، إذ اكتشف في إحدى المرات أنها تملك منزلين في أطراف اللاذقية تقوم بتأجيرهما، وهي رواية لم تتمكن عنب بلدي من التحقق منها بشكل مستقل.

وبينما تحدث محمد عن تردده بين التعاطف مع المتسولين والخشية من التعرض للخداع، تشير بعض الوقائع إلى أن الاستغلال بات أحد أوجه الظاهرة، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية، في 24 من حزيران الماضي، تفكيك شبكة في حلب متورطة باستغلال أطفال في أعمال التسول والسرقة، وتحرير عدد منهم.

هل يكفي التعاطف؟

الاختصاصية الاجتماعية يسار الدروبي، ترى أن دوافع التسول لا ترتبط بالفقر وحده، بل تشمل عوامل نفسية واجتماعية، مثل الشعور بالعجز وفقدان الدعم الأسري والاجتماعي، مشيرة إلى أن التسول قد يتحول لدى بعض الحالات إلى سلوك اعتيادي مع مرور الوقت.

أما الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة، فترى أن التعامل مع الظاهرة بوصفها حالة فردية منفصلة عن السياق العام يختزل المشكلة، وأن التعاطف وحده، دون بدائل حقيقية، يسهم في إعادة إنتاجها، مؤكدة أن الحل يحتاج إلى تكامل أدوار الدولة والجمعيات والأفراد في توفير فرص العمل والدعم وإعادة التأهيل.

وقالت مروة، لعنب بلدي، إن الدولة مطالبة بتوفير فرص عمل ودعم نفسي واجتماعي وحماية للأطفال، فيما ينبغي أن تركز الجمعيات على برامج إعادة التأهيل والتعليم المهني وتنظيم المساعدات، بينما يحتاج الأفراد إلى إدراك أن تقديم المال في الشارع لا يشكل حلًا مستدامًا، وقد يعزز الاعتماد على التسول.

وأضافت أن حملات التوعية تبقى محدودة الأثر إذا لم ترافقها بدائل ملموسة، لأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى إعادة تأهيل وبناء الثقة وتعزيز قيم العمل والكرامة.

وختمت بالقول، إن التسول ليس مجرد مد يد لطلب المال، بل “جرح نفسي واجتماعي” يحتاج إلى معالجة شاملة تتجاوز البعد الاقتصادي.

الرواية الرسمية والواقع الميداني

مقابل الروايات المتباينة التي رصدتها عنب بلدي في الشارع، ترى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن جزءًا كبيرًا من ظاهرة التسول يرتبط بالاستغلال أكثر من ارتباطه بالحاجة المباشرة.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد في دمشق، خزامى النجاد، في تصريحات سابقة، إن الحملة الميدانية التي أطلقتها الوزارة بالتعاون مع محافظتي دمشق وريف دمشق، أسفرت عن احتواء 185 حالة تسول، بينها 13 امرأة، فيما شكل الأطفال أغلبية الحالات.

وبحسب النجاد، نُقلت الحالات إلى مراكز رعاية متخصصة لفترات تتراوح بين ستة أشهر وعام، بهدف تقديم الرعاية الاجتماعية والنفسية وإعادة التأهيل، مشيرة إلى أن العديد من الأطفال الذين تستقبلهم هذه المراكز يعانون مشكلات نفسية ناجمة عن ظروف أسرية واجتماعية معقدة.

وفي محافظة طرطوس، أطلقت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل حملة توعوية بعنوان “لا تعطوهن.. أعطونا”، بهدف تشجيع المواطنين على توجيه المساعدات عبر القنوات الرسمية بدلًا من تقديمها مباشرة في الشوارع.

وتقول المديرية إن بعض المتسولين يحصلون على مبالغ مرتفعة في الشارع، ما يجعل إقناعهم ببدائل عمل أو برامج دعم اجتماعي أكثر صعوبة.

في المحصلة، تبقى مكافحة التسول في سوريا مرتبطة بتداخل القانون مع الحلول الاجتماعية والاقتصادية، عبر التوسع في مراكز الإيواء، وتفعيل برامج إعادة التأهيل، وتعزيز فرص العمل، إلى جانب حماية الفئات الأكثر هشاشة من الوقوع في دوائر الاستغلال.

بين رجل فقد يديه في حادث عمل، وآخر يبحث عن فرصة تعيده إلى سوق العمل، وامرأة تجمع ما يتيسر من البساتين لتبيعه، تتكشف ظاهرة التسول في سوريا بوصفها حكايات متباينة يجمعها خيط واحد هو الحاجة، لكنها لا تحمل التفسير ذاته، فخلف كل يد ممدودة قصة مختلفة، وتبقى الحلول المستدامة وحدها القادرة على كسر هذه الدائرة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة