tag icon ع ع ع

محمد ديب بظت | آلاء شعبو | غنى جبر

كلما وقع حادث على طريق سوري، بدا المشهد كأنه يبدأ وينتهي في المكان نفسه، صور لمركبة محطمة، إسعاف، طريق يُغلق لبعض الوقت، ثم أرقام جديدة تضاف إلى سجل الخسائر، لكن الحوادث التي تتكرر لا تبدأ بالضرورة عند لحظة الاصطدام، ولا تنتهي عندها.

الحادث المميت على طريق دمشق- دير الزور الذي وقع في 25 من تموز الماضي وأودى بحياة 35 شخصًا وأصاب 30 آخرين وفق الحصيلة المعلنة، كان واحدًا من تلك اللحظات التي تجاوز فيها السؤال عدد الضحايا إلى ما هو أبعد، لماذا تتكرر الحوادث، وهل يكفي البحث عن المخطئ بعد وقوعها، أم أن في منظومة السلامة نفسها ما يسمح للخطأ بأن يتحول إلى مأساة؟

السرعة ليست السبب الوحيد لحوادث السير، والسائق ليس بمفرده في مواجهة الحادث، إذ إن هنالك مركبة قد تُدخل الطريق بعطل، وطريق قد يفتقد الصيانة أو الإنارة أو الإشارات، وقانون قد يحدد المخالفة دون أن يردعها بما يكفي، وبين هذه العوامل تتشكل لحظة الحادث، وقد تتحول لحظة الخطأ إلى خسارة لا يمكن إصلاحها.

في هذا الملف، تتتبع عنب بلدي الحوادث المرورية من أكثر من جهة، فترصد حجمها وأسبابها وأماكن تركزها، وما إذا كانت البيانات قادرة على تحويل الخطر من أرقام مسجلة إلى مواقع وتدخلات محددة، وتتناول واقع الطرق السورية، بين التهالك، وإعادة التأهيل، وعناصر السلامة، والصيانة، كما تبحث في قانون السير، والمسافة بين النص وتطبيقه، وبين العقوبة وقدرتها على الردع.

حوادث الطرق.. أرقام تكشف حجم الخطر

لا تبدو حوادث السير في سوريا مجرد وقائع متفرقة، إذ تظهر بيانات وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ارتفاعًا حادًا في عدد الحوادث والخسائر البشرية خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وبحسب بيانات وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، ارتفع عدد الحوادث بالمقارنة بين النصف الأول من 2025 و2026 بنحو 95%، و99% في عدد المصابين، و74% في عدد الوفيات، ويبرز الأطفال ضمن الخسائر البشرية المتصاعدة، إذ ارتفع عدد وفيات الأطفال في الحوادث من أربع حالات خلال النصف الأول من 2025 إلى 19 حالة خلال الفترة نفسها من 2026.

تأتي هذه الخسائر في سياق عالمي أوسع، إذ تقدّر منظمة الصحة العالمية وفاة نحو 1.16 مليون شخص سنويًا جراء حوادث الطرق، فيما تمثل إصابات المرور السبب الرئيس للوفاة بين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 عامًا، وتتركز أكثر من 90% من وفيات حوادث المرور في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

لكن وضع سوريا ضمن هذا السياق لا يعني أن أسباب الحوادث واحدة في كل مكان، إذ تكشف البيانات المحلية أن السرعة الزائدة تصدرت أسباب الحوادث خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 31.09%، تلتها التجاوزات غير القانونية بنسبة 13.50%، ثم الأعطال المفاجئة في المركبات بنسبة 10.38%.

عشرات الوفيات والإصابات جراء تصادم حافلتي نقل ركاب على طريق دير الزور- دمشق - 25 تموز 2026 (سانا)

عشرات الوفيات والإصابات جراء تصادم حافلتي نقل ركاب على طريق دير الزور- دمشق – 25 تموز 2026 (سانا)

أين يتركز الخطر؟

تنطلق منظمة الصحة العالمية من مقاربة أوسع تُعرف بـ”نهج النظام الآمن”، تقوم على اعتبار الخطأ البشري جزءًا متوقعًا من استخدام الطرق، وليس أمرًا يمكن إلغاؤه بالكامل، لذلك لا تقتصر مسؤولية السلامة على سلوك السائق، بل تشمل تصميم الطرق والسرعات والمركبات ومستخدمي الطريق والاستجابة بعد وقوع الحادث.

وتقوم الفكرة الأساسية على أن الخطأ لا ينبغي أن يتحول بالضرورة إلى وفاة أو إصابة خطيرة، وأن تصميم منظومة النقل يجب أن يأخذ في الاعتبار احتمال وقوع الخطأ ويحد من عواقبه.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر عند النظر إلى توزيع الحوادث في سوريا، إذ تظهر بيانات وزارة الطوارئ أن الطرق الخارجية سجلت 58% من إجمالي الحوادث خلال الفترة المدروسة، و64% من الإصابات، و66% من الوفيات، مقابل النسب المسجلة داخل المدن والبلدات.

ولا يعني ارتفاع الحوادث على الطرق الخارجية أن الطريق وحده هو سبب وقوعها، لكنه يكشف أن مستوى الخطر ونتائج الحوادث لا يتوزعان بالتساوي، ما يجعل تحديد المواقع الأكثر خطورة خطوة أساسية قبل اختيار نوع التدخل المناسب.

وهنا تتحول البيانات من وسيلة لتسجيل الخسائر إلى أداة يمكن استخدامها لمعرفة أين يتكرر الخطر، وما الذي يميز هذه المواقع، وأي تدخل يمكن أن يقلل من تكرار الحوادث أو يخفف من شدتها.

هذا هو الاتجاه الذي تقول وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إنها تسعى إلى تبنيه ضمن خطتها الوطنية للسلامة على الطرق.

وقال مدير إدارة السلامة والحماية المدنية في الوزارة، إبراهيم شنان، لعنب بلدي، إن إعداد الخطة لم يأتِ استجابة لحادث واحد، وإنما نتيجة “تراكم مؤشرات تستدعي تدخلًا وطنيًا منظمًا”، بهدف الانتقال من التعامل مع الحوادث بعد وقوعها إلى نهج وقائي يعتمد على إدارة المخاطر وتقليل احتمالية وقوعها.

شنان ذكر أن الوزارة تقترح حصر وتصنيف الطرق عالية الخطورة، ومعالجة “النقاط السوداء”، وتحسين اللوحات والعلامات الأرضية والإنارة والحواجز في المواقع الحرجة، إلى جانب تنفيذ تقييمات ميدانية مشتركة مع الجهات المختصة.

وتُعرف الوزارة “النقاط السوداء” بأنها المواقع التي تتكرر فيها الحوادث أو ترتفع فيها معدلات الوفيات والإصابات مقارنة بغيرها، على أن يجري تحديدها بالاعتماد على بيانات الحوادث والمسوح الميدانية، ومنهجية التقييم الدولية (IRAP).

وبحسب شنان، فإن الوزارة قدمت تصورًا أوليًا يقسم التدخلات إلى إجراءات عاجلة ومتوسطة وطويلة الأمد، على أن تضع اللجنة الوطنية المشتركة البرنامج التنفيذي التفصيلي، مع تحديد مسؤوليات الجهات ومؤشرات لقياس التقدم وتقارير متابعة دورية.

لكن تنفيذ التدخلات لا يتوقف عند تحديد المواقع الخطرة، إذ تقول الوزارة إن متابعة الخطة ستتم من خلال لجنة وطنية مشتركة، وخطة زمنية تحدد مسؤوليات الجهات المعنية، إلى جانب مؤشرات أداء وتقارير دورية لقياس التقدم، وقد قسمت الوزارة مبدئيًا الإجراءات إلى عاجلة ومتوسطة وطويلة الأمد.

ولا تقتصر مهمة اللجنة، وفق الوزارة، على تنسيق التدخلات الحالية، إذ يفترض أن تعمل على تطوير إطار وطني مستدام للسلامة على الطرق، وصولًا إلى إعداد “كود” سوري للطرق وفق أفضل الممارسات الدولية.

جمع البيانات من أجل وفيات أقل

تظهر تجارب دولية أن جمع بيانات الحوادث لا تكون قيمته في تسجيل الخسائر فقط، وإنما في استخدامها لتوجيه التدخلات وقياس نتائجها، ففي العراق، سجل ممران رئيسان انخفاضًا بنسبة 81% في الوفيات السنوية بين عامي 2013 و2022، ضمن مشروع للبنك الدولي تضمن تحسينات في السلامة المرورية، بينما شهد ممر ضمن مشروع لتحسين النقل الحضري في دار السلام بتنزانيا انخفاضًا بنسبة 79% في الوفيات بين عامي 2015 و2021.

ولا تقوم هذه المقاربة على إجراء واحد، وإنما على التعامل مع السلامة كمنظومة تشمل إدارة الطرق والسرعات والمركبات ومستخدمي الطريق والاستجابة بعد الحوادث.

ولا تبدو مهمة تنفيذ الخطة بسيطة، فوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث نفسها أقرت بتقادم جزء من شبكة الطرق، ومحدودية الموارد المالية، والحاجة إلى تحديث بعض الأطر التشريعية، وتوحيد المعايير الفنية بين الجهات المعنية، لذلك فإن نجاح الخطة لن يتوقف على تحديد مواقع الخطر فقط، وإنما على قدرة الجهات المختلفة على تحويل هذا التشخيص إلى تدخلات قابلة للتنفيذ والقياس.

حالة الطرق.. 9058 كيلومترًا دون صيانة لسنوات

تعاني شبكة الطرق المركزية من تراجع في واقعها الإنشائي نتيجة سنوات طويلة من محدودية أعمال الصيانة، ما أدى إلى تدهور العديد من المقاطع وارتفاع مستوى المخاطر على مستخدميها.

الطرق المتهالكة، ونقص الصيانة الدورية، وغياب أو سوء توزيع الإشارات المرورية، وضعف الإنارة، وافتقار بعض المحاور للحواجز الوقائية، جميعها عوامل قد تزيد من احتمالية وقوع الحوادث أو تفاقم آثارها.

وفي المقابل، يبرز دور الجهات المعنية في مراقبة الطرق، وتنفيذ أعمال الصيانة، وتطبيق إجراءات السلامة والرقابة المرورية.

وفي هذا السياق، أكد مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، لعنب بلدي، أن واقع شبكة الطرق المركزية في سوريا يواجه تحديات كبيرة نتيجة تراجع أعمال الصيانة على مدى سنوات طويلة، موضحًا أن طول الشبكة يبلغ نحو 9058 كيلومترًا، وأن العديد من المقاطع تعرضت للتدهور، الأمر الذي انعكس على مستوى السلامة المرورية وأمان مستخدمي الطرق.

وقال نجار، إن أبرز التحديات تتمثل في الامتداد الكبير للشبكة الطرقية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل، وما يرافق ذلك من تكاليف مالية مرتفعة وفترات تنفيذ طويلة، إضافة إلى النقص في تجهيزات السلامة المرورية على معظم المحاور، والحاجة الملحة لمعالجة “النقاط السوداء” واستكمال الإشارات المرورية والدهانات الطرقية.

وأشار إلى أن الحمولات الزائدة والمخالفة تشكل أحد أبرز أسباب تضرر البنية الإنشائية للطرق وتسريع وتيرة تدهورها.

بدوره، قال المهندس الإنشائي أحمد صبحي اللحام، لعنب بلدي، إن واقع الطرق في سوريا يُعد مترديًا من الناحيتين الإنشائية والمرورية، موضحًا أن البنية الإنشائية للعديد من الطرق تعاني من تهالك ناتج عن التقادم والعمر التشغيلي الطويل، في حين تعود الكثير من المشكلات المرورية إلى غياب الدراسات المتخصصة.

وأضاف اللحام أن معالجة واقع الطرق يجب أن تبدأ بدراسة الوضع الراهن من الجانبين الإنشائي والمروري، يعقبها إعداد دراسات صحيحة متكاملة تحدد أساليب المعالجة المناسبة.

 

واقع الطرق يعاني من مشكلات إنشائية ومرورية نتيجة التهالك العمري والاستهلاك الكبير، وأي معالجة حقيقية يجب أن تبدأ بدراسة الوضع الراهن بشكل دقيق من الناحيتين التنفيذية والمرورية.

أحمد صبحي اللحام

مهندس إنشائي

ويتفق المهندس المدني والمدير التنفيذي لمجموعة “بوزانت يعقوبيان”، ياسر دلال، مع هذا التقييم، إذ قال لعنب بلدي، إن تراجع واقع الطرق في سوريا هو نتيجة تراكم سنوات من ضعف الصيانة وتضرر البنية التحتية ومحدودية الموارد.

وأشار إلى أن الحركة على شبكة الطرق ازدادت بعد التحرير في كانون الأول 2024 مع ارتفاع التنقل بين المحافظات، وزيادة عدد السيارات، وعودة النشاط الاقتصادي والسكاني.

وأوضح أن تطوير شبكة الطرق لا يقتصر على تحسين النقل الداخلي، بل يمثل فرصة استراتيجية لاستعادة دور سوريا كممر إقليمي يربط البحر المتوسط بالعراق ودول الخليج، وتركيا وأوروبا بالأسواق العربية.

تأهيل الطرق الدولية، وفي مقدمتها “M5″ و”M4” وطريق دمشق- درعا والطرق المؤدية إلى المعابر والمرافئ، لا يمثل مشروعًا خدميًا محليًا فقط، بل يعد استثمارًا اقتصاديًا يسهم في تنشيط حركة الترانزيت، وخفض تكاليف النقل، ودعم الصادرات وجذب الاستثمارات، وفقًا لدلال.

وأشار إلى وجود جهود حكومية لتحسين عدد من المحاور الرئيسة، إلا أن حجم الأضرار يتطلب إطلاق برنامج وطني متكامل لإعادة تأهيل شبكة الطرق وتعزيز السلامة المرورية، بما يدعم التعافي الاقتصادي واستعادة الدور الإقليمي لسوريا.

 

الطرق منظومة متكاملة، وإعادة تأهيلها تتطلب تخطيطًا علميًا وبرنامجًا وطنيًا شاملًا، لأنها استثمار في السلامة والاقتصاد واستعادة الدور الإقليمي لسوريا.

ياسر دلال

مهندس مدني والمدير التنفيذي لمجموعة “بوزانت يعقوبيان”

 

ما أولوية مشاريع التأهيل؟

تعتمد المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، بحسب مديرها العام معاذ نجار، على منهجية فنية واضحة لتحديد أولويات مشاريع إعادة التأهيل والصيانة في مختلف المحافظات، ترتكز على تقييم شامل للمحاور المركزية وفق معايير تشمل الحالة الإنشائية للطريق، و”النقاط السوداء”، والكثافة المرورية، والصيانات على الطريق، إلى جانب الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لكل طريق، مع مراعاة متطلبات الربط بين المحافظات والمناطق الحيوية.

وأضاف أن المؤسسة تتابع سلامة البنية التحتية باستخدام تقنيات حديثة للكشف عن العيوب، حيث تم لأول مرة في سوريا استخدام أجهزة متخصصة لمسح طريق دمشق- حلب وتقييم حالته الفنية، في إطار توجه المؤسسة نحو توظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة شبكة الطرق وتحديد أولويات الصيانة بكفاءة أكبر.

ووفقًا لنجار، فإن مراقبة حالة الطرق تتم بشكل مستمر من خلال فروع المؤسسة المنتشرة في جميع المحافظات السورية.

كما أكد أن المؤسسة وضعت خطة إسعافية عاجلة إلى جانب خطة استراتيجية لإعادة تأهيل المحاور الأكثر ازدحامًا والأعلى من حيث معدلات الحوادث.

وفي هذا الإطار، أعلنت المؤسسة عن طلب عروض خارجي لإعادة تأهيل محور نصيب- حلب، كما طرحت مشروع إعادة تأهيل محور دمشق- تدمر- دير الزور، الذي يتضمن صيانة الطريق القائم وإنشاء فرع ثانٍ كامل لفصل حركة السير بالاتجاهين، مشيرًا إلى أن العروض قيد الدراسة وسيتم الإعلان عن نتائجها خلال الأيام المقبلة.

كما أعلنت المؤسسة مؤخرًا عن مشروع إعادة تأهيل طريق البصيري- التنف ضمن خطتها لتطوير شبكة الطرق المركزية، بحسب ما صرح به المدير العام للمؤسسة.

من جانبه، يرى المهندس المدني والمدير التنفيذي لمجموعة “بوزانت يعقوبيان”، ياسر دلال، أن حجم الضرر والحركة المتزايدة يتطلبان الانتقال من المعالجات الإسعافية إلى برنامج وطني متكامل، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الطرق صُمم لحركة مرورية أقل من الحالية، ما أدى إلى ضغوط كبيرة مع زيادة أعداد المركبات والتنقل بين المدن، لافتًا إلى أن أعمال الصيانة خلال السنوات الماضية اقتصرت في كثير من الأحيان على معالجات إسعافية دون معالجة الأسباب الجذرية للتلف.

وأضاف أن تطوير المواصفات الفنية بات ضروريًا، سواء في تصميم الخلطات الأسفلتية أو آليات التنفيذ وضبط الجودة، مع استخدام المواد المحسنة وفق نتائج الفحوص والحاجة الفعلية لكل طريق.

عشرات الوفيات والإصابات جراء تصادم حافلتي نقل ركاب على طريق دير الزور- دمشق - 25 تموز 2026 (سانا)

عشرات الوفيات والإصابات جراء تصادم حافلتي نقل ركاب على طريق دير الزور- دمشق – 25 تموز 2026 (سانا)

تجهيزات السلامة جزء من الطريق

لا تقتصر تحديات الطرق على حالتها الإنشائية، بل تمتد إلى عناصر السلامة المرورية، التي تشكل جزءًا أساسيًا من الحد من الحوادث، إذ تلعب الإشارات والدهانات الطرقية والإنارة دورًا مهمًا في تنظيم حركة المرور وتوجيه السائقين، إلا أن فعاليتها ترتبط بمدى تنفيذها وفق دراسات تراعي طبيعة كل طريق وكثافة الحركة المرورية عليه.

وفي هذا السياق، لفت نجار إلى أن معظم الطرق تعاني من نقص تجهيزات السلامة المرورية، وأن المؤسسة تعمل بشكل متواصل على استكمال الإشارات المرورية، بمختلف أنواعها، وتنفيذ أعمال الدهان الطرقي، إضافة إلى إدراج الإنارة ضمن مشاريع إعادة التأهيل للمحاور ذات الكثافة المرورية العالية، وفي مقدمتها طريق دمشق- حلب.

وأوضح نجار أن هناك تنسيقًا دائمًا بين وزارة النقل، ممثلة بالمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، ووزارة الداخلية، بهدف تعزيز السلامة على الطرق وتأمين بيئة مرورية أكثر أمانًا للمواطنين.

 

تولي المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية أهمية خاصة للمحاور التي تشهد حركة مرورية كثيفة أو معدلات حوادث مرتفعة، حيث تتضمن مشاريع إعادة التأهيل تحسين عناصر السلامة المرورية، بما يسهم في الحد من المخاطر على الطريق.

معاذ نجار

مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية

 

ويتفق المهندس أحمد اللحام مع أهمية هذه العناصر، لكنه يشدد على أن وجودها وحده لا يكفي، إذ نوه إلى أن تجهيزات السلامة المرورية، كالإشارات والإنارة، تعد من العناصر الأساسية لرفع مستوى الأمان على الطرق، إلا أن فعاليتها ترتبط بوجود مختصين لتوزيعها، لافتًا إلى أن توزيع هذه التجهيزات بصورة خاطئة قد يؤدي إلى زيادة أخطار الحوادث بدلًا من الحد منها.

وأكد أن الصيانة الدورية تمثل أولوية قصوى في المرحلة الحالية، نظرًا إلى ما تعانيه معظم الطرق من استهلاك كبير.

وختم اللحام بالقول، إن معالجة واقع الطرق يجب أن تبدأ بدراسة الوضع الراهن من الجانبين الإنشائي والمروري، ثم إعداد دراسات صحيحة متكاملة تحدد أساليب المعالجة المناسبة.

السلامة تبدأ من التصميم

بينما يركز مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، على استكمال تجهيزات السلامة والمهندس الإنشائي أحمد صبحي اللحام  على ضرورة توزيعها وفق دراسات متخصصة، يوسع المهندس المدني والمدير التنفيذي لمجموعة “بوزانت يعقوبيان”، ياسر دلال، مفهوم السلامة ليشمل تصميم الطريق نفسه.

وقال دلال، إن سلامة الطريق تبدأ من التصميم الهندسي الصحيح، إذ يجب توفير مسافات رؤية كافية، وتصميم آمن للمنعطفات والتقاطعات، ومعالجة الفروقات المفاجئة في المناسيب، إضافة إلى تأمين تصريف فعال للمياه لمنع تجمعها وفقدان المركبة لتماسكها مع سطح الطريق.

ويجب أن يتمتع السطح الأسفلتي باستواء ومقاومة كافيين للانزلاق، وأن تخلو الحارات المرورية من الحفر والتشققات والهبوطات وفروق المنسوب الخطرة بين حافة الطريق والكتف.

كما يجب أن تكون الإشارات واضحة وعاكسة للضوء، والتخطيطات الأرضية ظاهرة ليلًا ونهارًا، مع توفير عواكس أرضية خصوصًا عند المنعطفات والمناطق التي تنخفض فيها الرؤية.

داخل المدن، لا بد من إعطاء أولوية أكبر للمشاة من خلال معابر واضحة وآمنة، وأرصفة قابلة للاستخدام، وتنظيم مواقف السيارات، وتخفيف السرعة قرب المدارس والأسواق والتجمعات السكنية، ومسارات خاصة للدراجات والعربات، وفقًا لدلال.

وقال إنه يجب ضبط المداخل العشوائية على الطرق السريعة، لأن كثرة المداخل والمخارج غير المنظمة ترفع احتمال الحوادث بصورة كبيرة، ومن أهم الإجراءات أيضًا إجراء تدقيق وتفتيش دوري للسلامة المرورية، وتحديد النقاط العمياء التي تتكرر فيها الحوادث، ثم معالجة كل موقع وفق سببه الحقيقي، فقد يكون السبب إنارة ضعيفة، أو تقاطعًا غير مناسب، أو سرعة مرتفعة، أو نقصًا في الرؤية، وليس بالضرورة سوء الأسفلت وحده.

الإنارة والإشارات والحواجز الوقائية ليست عناصر تجميلية، وفقًا لدلال، بل مكونات أساسية في منظومة السلامة المرورية، إذ تسهم في تحسين رؤية السائق وتقليل أخطار الحوادث، خاصة على الطرق ذات الحركة الليلية الكثيفة.

وأشار إلى وجود ضعف في الإنارة على عدد من الطرق الحيوية، منها أجزاء من طريقي” M5″ و”M4″ وطريق دمشق- درعا، لافتًا إلى أن الأولوية في ظل محدودية الموارد يجب أن تكون لإنارة التقاطعات والمنعطفات الخطرة ومداخل المدن والجسور والأنفاق، بالتوازي مع تركيب عواكس ولوحات إرشادية ودهانات أرضية عالية الانعكاس.

وأضاف أن الإشارات الواضحة والتخطيط الأرضي يمنحان السائق معلومات مبكرة تقلل القرارات المفاجئة، فيما تسهم الحواجز الوقائية في الحد من شدة الحوادث، بشرط أن تُصمم وتُركب وفق معايير هندسية تضمن فعاليتها وسلامتها.

خارطة طريق للصيانة

تتطلب الطرق خطة صيانة مستدامة تحدد أولويات التدخل وفق الحالة الفنية لكل طريق، بما يضمن رفع مستوى السلامة والحفاظ على البنية التحتية.

وتنقسم الصيانة المطلوبة إلى ثلاثة أنواع، بحسب المهندس المدني والمدير التنفيذي لمجموعة “بوزانت يعقوبيان”، ياسر دلال، هي:

  • صيانة روتينية تشمل إغلاق الحفر الخطرة، وإزالة الأتربة والمخلفات، وتنظيف المصارف والمطريات، وإصلاح الإنارة والإشارات والحواجز، وإعادة الدهان الأرضي، وقص النباتات التي تحجب الرؤية، وهي أعمال يجب أن تُنفذ بشكل مستمر.
  • صيانة وقائية تشمل إغلاق الشقوق، ومعالجة التسرب المائي، وتنفيذ طبقات سطحية رقيقة أو معالجة موضعية قبل أن يصل الضرر إلى طبقات الأساس، ما يقلل التكلفة مقارنة بإعادة إنشاء الطريق.
  • صيانة إنشائية تُجرى عندما تظهر هبوطات أو تشققات أو ضعف في قدرة الطريق على تحمل الأحمال، وقد تتطلب كشط الطبقات المتضررة، أو تقوية الأساس، أو تنفيذ طبقات أسفلتية جديدة.

وبالنسبة للمدد الزمنية بين عمليات الصيانة، فلا توجد مدة واحدة تصلح لجميع الطرق، وفق دلال، مشيرًا إلى أن الطريق الدولي الذي تمر عليه الشاحنات يحتاج إلى مراقبة أكثر من طريق محلي قليل الحركة.

وأشار إلى أنه يجب ألا يعتمد قرار الصيانة على العمر الزمني وحده، وإنما على مؤشرات قابلة للقياس مثل استواء السطح، والتخدد، والتشققات، ونسبة التشققات، ومقاومة الانزلاق، وجودة الطبقات الأسفلتية الظاهرة.

تحسين شبكة الطرق، وفقًا لدلال، يجب أن يبدأ بإنشاء قاعدة بيانات وطنية لحالة الطرق والحوادث وأحجام الحركة المرورية، بما يتيح تحديد الأولويات وفق مستوى الخطورة والأهمية الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على الشكاوى أو التوزيع المتساوي للموارد.

 

الأولوية العاجلة تتمثل في معالجة مواقع الحوادث المتكررة عبر إصلاح الحفر، وتجديد التخطيط الأرضي، وتركيب الإشارات والعواكس، وصيانة الحواجز والإنارة وتحسين التصريف، لما لهذه الإجراءات من أثر سريع في رفع مستوى السلامة.

ياسر دلال

مهندس مدني والمدير التنفيذي لمجموعة “بوزانت يعقوبيان”

 

وأضاف أن التركيز يجب أن ينصب على المحاور الحيوية، وفي مقدمتها “M5″ و”M4” وطريق دمشق- درعا، ثم الطرق الرئيسة داخل المدن، بالتوازي مع تحديث المواصفات الفنية، وتشديد الرقابة على التنفيذ، وربط عقود المقاولين بمعايير أداء وفترات ضمان واضحة.

وختم دلال بأن تمويل تطوير الطرق لا ينبغي أن يقتصر على الموازنة العامة، بل يمكن دعمه عبر الشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من المنح والقروض التنموية، واستثمار الخدمات الواقعة ضمن حرم الطرق وتوجيه جزء من عائداتها لأعمال الصيانة.

من التشريع إلى التطبيق..

ما ثغرات منظومة السلامة المرورية؟

أعاد الحادث المميت على طريق دمشق- دير الزور فتح النقاش حول مدى كفاية المنظومة القانونية الناظمة للسير في سوريا، وما إذا كانت التشريعات الحالية قادرة على الحد من الحوادث، أم أن المشكلة تكمن في ضعف تطبيقها على أرض الواقع.

وجود قانون للسير لا يعني بالضرورة انخفاض الحوادث، إذ تبقى فاعلية أي قانون مرتبطة بمدى الالتزام به، وقدرة الجهات المعنية على ضبط المخالفات وفرض العقوبات الرادعة.

وفي سوريا، يوجد قانون للسير ينظم حركة المركبات والمخالفات المرورية، إلا أن تكرار الحوادث المميتة أعاد طرح تساؤلات حول مدى كفاية هذا القانون، وحاجته إلى تعديلات تتناسب مع الواقع المروري الحالي، سواء لناحية قيمة الغرامات أو آليات الرقابة أو معالجة بعض السلوكيات التي باتت سببًا متكررًا للحوادث.

ويرى خبراء في المرور أن المشكلة الأساسية لا تكمن دائمًا في النص القانوني، وإنما في الفجوة بين وجود القانون وتطبيقه، إذ إن كثيرًا من المخالفات التي تبدو بسيطة للسائقين قد تتحول إلى أسباب مباشرة لحوادث مميتة، ما يجعل تعزيز الردع ونشر الوعي وتطوير آليات الرقابة جزءًا أساسيًا من أي محاولة للحد من الحوادث.

أسباب متعددة وراء الحوادث

في هذا السياق، قال رئيس قسم مباحث مرور حلب، الرائد جمعة قدور، إن أسباب وقوع الحوادث المرورية لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها مجموعة من العوامل، مشيرًا إلى أن خبرته في العمل المروري تُظهر وجود أربعة أسباب رئيسة تقف خلف وقوع الحوادث:

  • الأول هو “العنصر البشري”، سواء من السائقين أو المشاة أو مستخدمي الطريق بشكل عام، مبينًا أن هذا الجانب يرتبط بعدم المعرفة الكافية بقانون السير، إضافة إلى رعونة بعض السائقين وقلة الانتباه في أثناء استخدام الطريق.
  • أسباب طبيعية تؤثر على السلامة المرورية، ومنها الظروف الجوية مثل الغبار والضباب والأمطار، التي قد تؤثر على قدرة السائقين على التحكم بالمركبات أو رؤية الطريق بشكل واضح.
  • أسباب “لوجستية” مرتبطة بحالة الطرق، تشمل عرض الطرق، وحالتها الفنية، وتخطيط المسارب، إضافة إلى الإشارات الدالة والإرشادية والتحذيرية، وهذه العوامل تلعب دورًا في الحد من الحوادث أو زيادة احتمالية وقوعها.
  • الحالة الفنية للمركبة، التي تمثل عاملًا آخر في وقوع الحوادث، إذ إن قلة متابعة الصيانة أو إهمال الأعطال الفنية قد يؤديان إلى حوادث، خصوصًا في المركبات التي تُستخدم لمسافات طويلة.

القانون ليس سبب المشكلة

لا يمكن تحميل قانون السير مسؤولية الحوادث المرورية، سواء بشكل كامل أو جزئي، بحسب رئيس قسم مباحث مرور حلب، الرائد جمعة قدور، معتبرًا أن القانون وُضع بعد تجارب تراكمية ومعاناة مرتبطة بالواقع المروري، بهدف معالجة المشكلات التي ظهرت على أرض الواقع.

وأوضح أن هناك بعض النقاط التي تحتاج إلى تعديل ضمن القانون، مشيرًا إلى أنها موضع دراسة من الجهات المعنية في المرحلة الحالية.

السبب المباشر في كثير من الحوادث يعود إلى مخالفة قانون السير وعدم تطبيقه، حتى في المخالفات التي قد يعتبرها البعض بسيطة أو عادية.

 

حادث السير وليد لحظة من قلة الانتباه، واستخدام الهاتف في أثناء القيادة من المخالفات الخطرة التي تقف خلف نسبة كبيرة من الحوادث.

الرائد جمعة قدور

رئيس قسم مباحث مرور حلب

وأضاف أن تجاوز الإشارات المرورية والسرعة الزائدة وغيرها من المخالفات التي قد يستهين بها بعض مستخدمي الطريق، تعد أسبابًا رئيسة للحوادث، مشددًا على أن عدم تفعيل الجانب الردعي للمخالفات، ولا سيما الغرامات، يمثل أحد أوجه القصور التي تحتاج إلى معالجة ضمن القانون الحالي.

وقال إن تدني قيمة الغرامات مقارنة بالواقع الاقتصادي وتراجع قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأخرى جعل من الضروري إعادة النظر بقيمتها، بما يحقق الهدف الردعي من العقوبات، موضحًا أن هذا الأمر يجري العمل عليه من قبل الجهات المعنية.

وتنسجم هذه النقطة مع التوجهات المعلنة لتعديل منظومة الغرامات، إذ تشير التصريحات الرسمية الحديثة إلى أن مشروع قانون السير الجديد يتجه إلى رفع قيم المخالفات بصورة كبيرة وتصنيفها بحسب درجة الخطورة، إلى جانب اعتماد عقوبات متدرجة ونظام لحسم النقاط من رخص القيادة.

كفاية كوادر المرور

فيما يتعلق بالكادر البشري لعناصر المرور، قال قدور إن عدد العناصر أصبح ضمن الحدود “المعقولة والمقبولة” في الوقت الحالي، مع وجود تطلع لزيادة العدد خلال الفترة المقبلة.

وأضاف أن هناك توجهًا لرفد فروع المرور بعناصر جديدة بعد إخضاعهم لدورات تدريبية، بهدف تأهيل كوادر قادرة على التعامل مع الحركة المرورية بمهنية، وبما ينسجم مع آداب العمل الشرطي وأخلاقياته.

ويربط قدور بين قدرة القانون على تحقيق أهدافه وبين مستوى الوعي المروري لدى مستخدمي الطريق، إذ قال إن قلة الوعي المروري تعد من أكبر العقبات أمام تطبيق قانون السير.

ويرى أن نشر الثقافة المرورية يجب أن يكون عبر الندوات والمدارس واللقاءات المجتمعية، إضافة إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ومنصات التواصل الاجتماعي.

ولا يقتصر تعزيز تطبيق القانون، بحسب قدور، على زيادة الوعي، إذ أوصى أيضًا بنشر نقاط مراقبة مرورية على الطرق السريعة والطرق الرابطة بين المحافظات لمراقبة حركة مستخدمي الطريق والحد من المخالفات.

شرطي ينظم الحركة المرورية عند ساحة الأمويين في العاصمة السورية دمشق- 21 آذار 2026 (سانا)

شرطي ينظم الحركة المرورية عند ساحة الأمويين في العاصمة السورية دمشق- 21 آذار 2026 (سانا)

ساعات العمل الطويلة للسائقين

في جانب آخر من تطبيق القانون، لفت قدور إلى أهمية عدم إغفال الحالة الفيزيولوجية للسائقين، ولا سيما سائقي الشاحنات الكبيرة وحافلات النقل (البولمان)، موضحًا أن ساعات العمل الطويلة والجلوس خلف المقود لفترات ممتدة قد تؤدي إلى انخفاض التركيز والانتباه، ما يزيد من احتمالية وقوع الحوادث.

واعتبر أن معالجة هذا الجانب تحتاج إلى تحديد ساعات عمل محددة ومنطقية لهذا النوع من السائقين، بما يضمن سلامتهم وسلامة مستخدمي الطريق الآخرين، مؤكدًا أن الخلل الأساسي يكمن في تطبيق القانون وليس في وجود القانون نفسه.

وأشار كذلك إلى أن عدم مراعاة الشاخصات المرورية الدالة والإرشادية والتحذيرية يمثل سببًا آخر للحوادث، إذ إن هذه الإشارات وضعت لتنظيم حركة المرور وتنبيه السائقين إلى المخاطر المحتملة على الطرق.

من الردع إلى الوقاية

في ختام حديثه، قدم قدور مجموعة توصيات للحد من الحوادث المرورية، تتقاطع في جانب منها مع ما طرحه الخبراء في البنية التحتية، خصوصًا فيما يتعلق بتحسين الطرق، وزيادة الرقابة، وتعزيز إجراءات الوقاية.

توصيات الخبراء للحد من الحوادث المرورية

  • زيادة الوعي المروري لدى مستخدمي الطريق.
  • تسريع ترميم وتأهيل الطرق الداخلية والخارجية.
  • استثمار المساحات غير المستخدمة لإنشاء مواقف للمركبات.
  • تعديل بعض فقرات قانون السير، ولا سيما ما يتعلق بالغرامات.
  • نشر نقاط مراقبة مرورية على الطرق السريعة والطرق الرابطة بين المحافظات.

مقالات متعلقة