رجال الدين ودورهم في الثورات

-بلدي-العدد-الثالث-عشر-الأحد-29-نيسان-2012.pdf-Page-7-image-2.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد الثالث عشر – الأحد – 29/4/2012

 

تأتيك هواجس وأفكار في ظلمة الليل، وتسأل نفسك عن ما يجول في خاطرك، تريدُ تفسيرات عدة لهواجسك الكثيرة، ما العلل التي ألمت بنا وبأمتنا حتى وصلنا إلى هذا السوء ؟!.

يجيبك ضميرك الخفي علّة الأمّة هؤلاء المشايخ المنافقون، الذين يساندون الظالم، ويسكتون عن جرائمه، ويثبّطون الناس عن التظاهر والجهر بالحقّ..!!

أيّ ذلّ وهوان بلغته الأمّة إذا كان علماؤها بهذه الصورة المهينة.؟! كيف لنا أن نثق بهؤلاء المشايخ، وهم يقفون مع الظالم، ولا يقولون كلمة الحقّ لنصرة المظلوم .؟!

إن من أعظم مصائب الشعوب التي تعاني من الاستبداد هو تحول فئة من رجال الدين من دورهم الريادي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى مجرد مطبلينومزمرين للحاكم وأزلامه، يحرفون الكلم عن مواضعه ويستبدلون مرضاة الله بمرضاة الحاكم، يتخذون من الشريعة مادة خصبة لتأويل مقالاتهم لمصلحة السلطان.

فيأتي صوتٌ من بعيد ويقول: هوّن عليك.. فلن أدافع عن أحد بغير حقّ..

ولكن دعني أسألك هذا السؤال: كيف تصنّف سلوك هؤلاء المشايخ .؟! وهل هو حدث طارئ في هذا العصر .؟! أم له أمثال وأمثال .؟!

فقال: وماذا تعني بتصنيف سلوكهم.. إنّهم مجرمون بحقّ دينهم وشعبهم .. !!؟

قلت: لا أعني ذلك.. ولكن أليس هو نوعًا من الابتلاء، الذي أمرنا بالصبر عليه ومغالبته، ومعالجة أسبابه.؟! فلماذا نضيق به ذرعًا، ونضجر أمامه ونتأفّف، ونتقبّل ابتلاءات أخرى ونعالجها .؟!

وأجيب عنك على ذلك، لأنّنا نفاجأ به، ولا نتوقّعه، ونتصوّر المشايخ كالملائكة المطهّرين، أو الأنبياء المعصومين.. وهذا في الحقيقة خطؤنا.. لأنّ هذا الأمر ليس بجديد، وإنّما هو قديم قدم هذه الأمّة، كما أنّه مُستشر في الأمم الأخرى، بل هو سرّ انحرافها، وفساد دينها، وتحريفها لكتاب ربّها.. وقد ندّد القرآن الكريم بهؤلاء في مناسبات عديدة، وضرب لهم أسوأ الأمثال، وفي ذلك تحذير لهذه الأمّة أن تحذو حذو تلك الأمم، فيصيبها من غضب الله ونكاله ما أصابها ..

تعال لنقف معًا نتدبّر هذه الآيات، التي تتحدّث عن  فساد أولئك الذين اؤتمنوا على دين الله، فخانوا الأمانة، واشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً، ليتضح لنا خطر علماء السوء على دين الأمّة ومنهج حياتها: من كتاب الله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون}[البقرة:79]

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : « إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فهو لص»

فلقد ساد الصمتُ بين صفوف علمائنا في هذه الثورة لتتكشف الأقنعة ويظهر كلاً منهم على حقيقته وينطبق عليهم قوله تعالى:  «يأيُّها الذين آمنو لِمَ تقولونَ مالا تفعلون». الصف(2) ولم يصدح بقول الحق إلا ثلةٌ من العلماء الأحرار الذين سطروا بكلماتهم التي هزت عرش الطغيان والسباقون إلى تحريك الضمائر الحية لدى الشباب بإلقاء الخطب الرنانة التي لم تقف كلماتها الصادقة عند العتبة بل دخلت إلى القلوب دون استئذان فأيقظوا الهمم وأصبحوا قوة لا تقهر أمام المتسلطين على رقاب الناس ولا يغفل على أحدٍ منا دور الشيخ الجليل أحمد الصياصنة وأنس عيروط وغيرهم، عرفوا تمامًا معنى الحديث الشريف: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».

فبادر السفاح إلى استمالة رجال الدين من جميع الأديان والطوائف والملل نحو دعم مسيرته في الاستبداد والقمع، مستغلا بعض المصطلحات التي كان يسوقها عند عامة الشعب والتي فشل مؤخرًا في استمالتها، فتحول إلى الخاصة من رجال الدين، زعمًا منه أنها تستطيع مساندته في تجيش الفئات المترددة ضد شعوبه المنتفضة عليه ؟.

فبعد أن أفقد بشار عذرية رجال الدين في الداخل السوري عمد إلى استنفار مؤيديه من رجال الدين

في الدول المجاورة عله يستطيع تسويق بعض الشرعية له ولأزلامه من خلالها.

حيث كانت البداية في الإفطار الرمضاني الشهير وخطابه التربوي لرجال الدين يعلمهم مساوئ الأخلاق، ويبرر أفعاله الدنيئة في قتل المدنيين الآمنين وقصف مآذن المساجد، وحرق المصاحف، ويحملهم المسؤولية في إخفاقهم في إخماد نار الثورة، فيحاول  زيادة الشرخ بين عامة الناس ورجال الدين، وصولًا إلى فقدان الثقة بالرموز الدينية، والتي كانت وعلى مر العصور هي الملجأ والوسيلة للعامة، حيث كانوا يرون فيها الخلاص، وإذ بها تتحول إلى أداة لتبرير العدوان والقمع، ولم يعد هناك أي مبرر لأي عالم لم يقف حتى الآن موقف الحق من إنسان حاملٌ للشريعة الإسلامية ينطق بكلامها لا بكلام السلطان لا بلسان المنافق ولو نافق العالم الدينيّ لكان كلّ منافق أشرف منه؛ فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود.

إنّ الأمّة تريد من علمائها أن يكونوا لسانها الناطق بالحقّ، وقلبها النابض بالإيمان والهدى، وعقلها المفكّر، الذي يفقه دين الله، ويعي الواقع، بكلّ ملابساته وتعقيداته، ويُعلّم ويُبصّر، وأن يكونوا يدها المغيثة في كلّ نازلة، ورائدها القدوة في كلّ ميدان من ميادين الخير.. ولا نقول هذا الكلام من نسج الخيال، فالمطلوب اليوم من رجال الدين فقط الدخول مع عامة الشعب في الإضراب العام، من خلال إضرابهم عن الكلام الغير مقبول في مساندة بشار وأزلامه!! .

تابعنا على تويتر


Top