«رويدًا الغزو ينمرق»

1017296_680556318636757_1294050083_n.jpg

طريف العتيق

هذا مثلٌ عربيّ ذكره أبو الفضل أحمد بن محمّد النيسابوريّ في كتابه «مجمع الأمثال»، ويقال لمن شغله عارضٌ عن عمله وهدفه، وقصّته أن امرأةً كانت من طي يقال لها رقاش، كانت تغزو بهم ويتيمنون برأيها، وكانت كاهنة لها حزم ورأي، فأغارت طي، وهي عليهم، على إياد بن نزار بن معد، يوم رحى جابر، فظفرت بهم، وغنمت، وسبت، وكان فيمن أصابت من إياد شابٌ جميل، فاتخذته خادمًا، فرأت عورته يومًا فأعجبها فدعته إلى نفسها، فحملت، فأتيت في الغزو فقالوا: هذا زمان الغزو، فاغزي ان كنت تريدين الغزو، فجعلت تقول: «رويدًا الغزو ينمرق». فأرسلتها مثلًا، ثم جاؤوا لعادتهم فوجدوها نفساء مرضعًا قد ولدت غلامًا.

إنها إذًا قصّة امرأة كانت معروفة برجاحة العقل، وحزم الرأيّ، وشجاعة الموقف، تُغير مع قبيلتها، وتنفعهم بحنكتها، فشغلتها مشاغل الدنيا عن الغزو، فراحت مضرب مثلٍ عند العرب، فحتى الغزو بات يؤجّل تحت ضغط اللحظة.

وهذه لعمري قصة اليوم، تكاد تتكرّر في كلّ بقعة من بقاع البلاد، فها هناك كتيبة نشأت من منطلق الدفاع عن المدنيين وحماية مظاهراتهم، ثم ما إن أن كُشفت عورةٌ للنظام، فغنموا الغنائم، واستراحوا بعد عناء، راحت كلّ كتيبة فيهم، تتصرف وكأنها دولة حكم، تقيم المحاكم، وتسنّ القوانين، وتتاجر بالأموال والأنفس والسلاح والعقارات، وعندما يأتيها من يذكرها بالغزو وإسقاط النظام، تقول لهم «رويدًا الغزو ينمرق».

إنها لبّ مشاكل الثورة اليوم: ضياع الهدف الواحد، الذي كان يجمع مئات الألوف من السوريين حوله، وبات لكل جماعة عاملة اليوم هدفها الخاص، الذي تتغنى به، وبقدسيته، وبأنه خيرٌ من أهداف الآخرين، وبغض النظر عن سموّ هذا الهدف أو دنوّه، فهي أهداف لم تقدر على أن تجمع حولها الجهود العاملة في الثورة، بل أحدثت من الشقاق والفراق أكثر ما أفادت.

والتنسيقيّة التي ولدت لتنقل الأخبار والأحداث بمصداقيّة، لتكسر التعتيم الإعلاميّ الذي يفرضه النظام، صار التزييف وتغيير الحقائق أساسًا في عملها، تحت دعاوٍ شتى، لعلّ أبرزها حشد الرأي العام العالميّ (الشعبيّ والرسميّ)، ثم دخل الكذب والتلفيق في كتاباتهم تحت دعوى الإشاعات التي هي من صالح الثورة، والتي تربك صفوف النظام، وها هي بوستات النكت والطرائف والحِكم والمواعظ تتتالى على صفحة تنسيقيّة الأخبار، يقولون كي تبقى الصفحة نشطة تستقطب المزيد من المتابعين، وهكذا ضاع الهدف الأساس، وسط عشرات الأهداف، وغُيبت القيم التي يحتاجها ذلك الهدف، على حساب تكتيكات عجائبيّة.

وما يقال عن الكتيبة والتنسيقيّة يصحّ على الجريدة والإذاعة والمنشور، لقد خسرنا حقيقة ظاهرة المواطن الحرّ الصحفيّ، التي لم تدم طويلًا ولم يكتب لها النجاح، إلى ظاهرة التطبيل والتزمير بالانتصارات الوهميّة للكتائب، ونشر البيانات، واجترار ما قيل ألف مرّة، للمرّة الألف وواحد.

خلاصة القول، إننا لم ننجح في بناء بوصلة قيميّة للثورة أو المحافظة عليها، فما إن هبّت التحديّات والتغييرات حتى انحرفت الأعمال عن أهدافها، وفقدت معناها، واتجهت نشاطات الثورة لتغدوا وظائف فرديّة، نقتات منها ونعيش على مدخولها، ولسان حالنا يقول: رويدًا الغزو ينمرق..

تابعنا على تويتر


Top