قصص وشجون سوريّة في المغترب

-بلدي-العدد-السادس-عشر-الأحد-20-أيار-2012.pdf-Page-8-image-3.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 16- الأحد – 20-5-2012

كون النظام السوري يكذب حتى في النشرة الجوية كما قال ممدوح عدوان ولولا أن تكون المعلومة قادمة من وزارة المغتربين السورية على موقعها على الإنترنت، لما صدّقت ولكن اعتراف هذه الوزارة بأن عدد السوريين في الشتات يقارب عدد السوريين في الداخل صعقني وقلت في نفسي، لماذا هذا الشتات؟

لماذا يتم تهجير العقول بسياسة ممنهجة من أعلى هرم النظام في سورية حين قال في المؤتمر الأول للمغتربين أن سياسة الحكومة في سورية ليست استقطاب السوريين ليعودوا إلى وطنهم ويبنوه وإنما أن يبقوا في الشتات ويفيدوا البلد من حيث هم. وكأن هذا النظام لا يريد لهم أن يعودوا. لهذا قررت أن أقوم بإجراء بحث يثبت بالإحصاءات والدراسة الموثّقة أن البلد ستكون أفضل حالاً إذا عاد هؤلاء وعملوا على بناء بلدهم من الداخل فنحن بحاجة إلى خبرة كل سوري.

وما أكثرهم هؤلاء السوريون النوابغ الذين التقيتهم في المهجر، سواء في أمريكا أو في أوربا أو في دول الخليج العربي. لطالما آلمني مشاهدة أفراد دفعتي من جامعة دمشق يهربون، وأقول يهربون، من البلد واحدًا تلو الآخر وكأنهم يفرّون من جحيم لا يطاق بحثًا عن جنّة موعودة خارج هذا البلد المسمّى سوريا. أكاد أجزم أنه لم يبق في سوريا من دفعتي في الجامعة أكثر من 5% بما في ذلك الفتيات حيث أن الأمر لم يكن مقتصرًا على الشباب الهاربين من الخدمة العسكرية ومن قلة الفرص وأملاً في مستقبل أفضل وجامعات وشركات أفضل تقدّر مواهبهم وعقولهم وإبداعاتهم. هذه الإبداعات التي بدأت تطفو إلى السطح وبرزت بشكل لا مثيل له خلال الثورة وأجدني معتزًا أشد الاعتزاز بهؤلاء عندما أشاهد إبداعاتهم على صفحات الشبكة الإلكترونية وعلى الأرض في سوريا.

لقد استطاع هؤلاء السوريون الشباب خلال ثورتهم أن يجمّعوا أنفسهم في كيانات وليدة فيها شيء من التنظيم الذي يزداد ألقًا يومًا بعد يوم بالرغم من حالة الثورة التي عادةً ما تفرز كيانات غير منظمة تسودها الفوضى والعشوائية. عندما أنظر إلى عمل لجان التنسيق المحلية ومجموعات العمل الثوري على الأرض وحتى الجيش الحر، فإني أرى تنظيمًا لا بأس به ينم عن وعي وعن إرادة للتغير لا ولن تنطفئ جذوتها.

ولكن أحزن كثيرًا عندما أسمع قصصًا عن سوريين يختلسون الأموال التي تجمع للداخل، سوريين يرفضون التحالف معك حتى تقبل أن تنطوي تحت جناحهم. أسمع قصصًا تظهر مدى الفرقة التي وصل إليها السوريون في المهجر، فضمن المجموعة الواحدة تجدهم متفقين ولكن جهودهم متناثرة ولا أثر لها كونهم لم يتحدوا مع مجموعة أخرى تعمل في السياق نفسه (الإغاثة مثلاً) وعندما تحاول مجموعة مخلصة العمل مع مجموعة أخرى، تبدأ الشروط وأهمها هو التركيز على الولاء ما بعد الثورة. نعم صور محزنة، بلدُ يهدم فوق رؤوس ساكنيه وأطفال تقتل ونساء ترمّل وفي كل يوم أسمع قصة عن أحد السوريين في المغترب أو عن مجموعة سوريين في المغترب يعملون منذ الآن على حجز مقاعدهم في حكومة ونظام ما بعد الثورة. المخزي أن هؤلاء لا وجود لهم على الأرض وتجدهم يعيشون حياتهم العاديّة وكل أملهم أن تنتصر الثورة ليعودا إلى الوطن ويجنوا المكاسب. ليس هنالك عمل خالص لوجه الله أو حتى خالص للوطن والمواطن.

هذه شجون وأحزان ولكنها ليست للإحباط وإنما من منطلق النقد البناء ومراجعة الذات ليعود كل واحد منا إلى داخله ويسأل نفسه، هل هنالك إخلاص في عملي أم أنني أركض وراء منصب أو مكسب شخصي بعد الثورة؟ وخاصّة أولئك المغتربون السوريون والمبعدون الهاربون من بطش النظام وآلة القتل.

تابعنا على تويتر


Top