الحصار وحبة الصويا السحرية

main_01345558180.jpg

عنب بلدي – العدد 100 – الاثنين 20/1/2014

main_01345558180حنين النقري

إن وجد في موسوعة جينيس العالمية مكان لأكثر الشعوب قدرة على التكيّف والتأقلم مع مختلف الظروف وأصعبها؛ لوجب أن يحصل عليها أهالي المناطق المحاصرة في سوريا، وإن كان ثمّة مرتبة ﻷكثر الأغذية قابلية لتعدد الاستخدام لحاز عليها «فول الصويا» في ريف دمشق بكلّ جدارة.

كانت بداية الحكاية مع هذا المحصول مربكة، فلا هو من المحاصيل الزراعية السوريّة، ولا هو ضمن قائمة الطعام الشعبية، ولعلّ دخوله إلى الغوطة كعلف للحيوانات واضطرار الناس لتناوله زاد الطين بلّة، فغدا من الضروري البحث عن طريقة تخفي ملامحه وتغيّب عن النفس إهانة «التعدّي» على علف الدواب وحرمانهم منها.

على الرغم من أنّ دول شرق آسيا هي الموطن الأم للصويا زراعةً واستهلاكًا، لكنّ مهارات المحاصرين وقدرتهم على التفنن باستخدام هذا «العلف» جعلت طرق استخدامهم للصويا تفوق عددًا ما هي عليه في بلدانها الأصلية.

بدأ الأمر مع الناس بطحن حبوب الصويا -ككل أنواع الحبوب الأخرى التي قاموا بطحنها- لاستخدام طحينها لاحقًا في صنع الخبز، ثم دخلت قائمة الطبخ كبديل عن الفاصولياء، ثم باتت بديلًا عن الفول «المدمّس» و «المسبّحة»، كل ذلك بفضل دأب وتجارب ربات البيوت، وتبادل خبرات الحصار..

أما عن صنع الحليب والجبن من الصويا فهو موضوع منته ﻷنه موجود ومطبّق في الدول الآسيويّة، لكن الجديد أن السوريين قاموا بصنع «قشدة» الصويا، والتفنن بأنواع الحلويات من طحين العلف وقشدة الصويا.

وقد يروق للبعض صباحًا تناول «الزعتر» كإفطار، لا تقلق فالصويا تحوّلت إلى «زعتر» أيضًا بقدرة قادر..

أما عن فنجان القهوة الذي سبق إفطارك، فكن على يقين أن الصويا المحمّصة جيدًا والمطحونة مع بعض الإضافات الأخرى هي السرّ في مذاقه العجيب.

لم تعجبك قائمة الطعام بعد؟ لازال بجعبة ابتكارات الناس المزيد، فلديك مثلًا فلافل الصويا، كبّة الصويا، بالإضافة لنقرشة السهرة مع الصويا المحمّصة بنكهاتها المختلفة.

طبعًا لم تثنِ حالات التسمم المنتشرة بشكل واضح الناس عن استخدامها، بل عزّز ذلك قدرتهم على تجاوز العقبة بالتحايل على البروتينات المعقّدة في الصويا بتحميص طحينها وتعريضها لدرجات حرارة عالية..

إذ يعتبر فول الصويا -كما يقول العلم- من أعلى الأغذية قيمة غذائية على الإطلاق، ففيه 36% من وزنه بروتين، 30% كربوهيدرات، 20% زيوت، بالإضافة إلى غناه بالألياف، والمعادن والفيتامينات المتنوعة.. الأمر الذي جعل العلماء يطلقون عليه لقب «غذاء ما بعد الحرب» لمعالجة فقر الأجسام وحاجتها الماسّة لمعوّضات غذائية بعد ويلات الحروب وجوعها.

ليست مجرّد لقمة يتناولونها لتفادي الموت، هي حكاية طويلة من التأقلم والتعايش، والتمسّك بالحياة وجعلها أجمل.. حتى لو كان السبيل إلى ذلك تناول علف الدواب..

الشعب الذي يستطيع فعل كل هذا من غذاء كان مجهولًا عنه، أهل لفعل أي شيء في سبيل نيل حريته وكرامته..

ولعلّه أهلٌ لجهود أكبر.. لرفع الحصار عنه.

تابعنا على تويتر


Top