أعدّ لنا خبزنا… كفاف كرامتنا…

-بلدي-العدد-الثامن-عشر-الأحد-3-حزيران-2012.pdf-Page-8-image-21.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد الثامن عشر – الأحد – 3-6-2012


            كما العادة في أيام بلادي المكلومة، يستيقظ الشاب محمد محمود باكرًا، ويتوّجه إلى مكان عمله في الفرن الآلي بداريا، تتداخل خطواته تلاحق الواحدة منها الأخرى ليُسرع في تحضير العجينة، فيُعدّ لنا خبزنا كفاف كرامتنا، إذ يمزج مقادير من الماء والطحين، مع كميات لا متناهية الحجم من الكرامة، ويمزج المجموعة بكلمات من كتاب الله، يتلو ما تيسّر له من الآيات والذكر الحكيم، وهو يتضرّع للمولى أن يحوّل كل كسرة خبز إلى حريرات تمد بني قومه بطاقة، وتعينهم على الصمود والوقوف في وجه المستبدين، ثم يوقد النار ليشوي خبزًا طازجًا يقدمه لأهالي بلدته الطيبين، فيأكل منه الأحرار، ليساعدهم على المضي قدمًا في درب حريتهم.

وفي يوم 19 أيار من هذا العام العصيب على شعبنا الطيب، حصل ما لم نكن نأمل حدوثه، إذ اقتحمت قوى الأمن والمخابرات الجوية الفرن الآلي في بلدتنا الحبيبة داريا، وأطلقت النار بطريقة وحشية -كما عهدناهم عليها- على العمال، مستبعدة نفسها من ركب الإنسانية، فوقع من العمال عدد من الجرحى، ثم لتستل آلة غدرهم روح محمد ابن الثلاثين ربيعًا، والأب الطيب لولدين، عسى الله أن يكلؤهما بعطفه وعنايته، فاختلفت هذه الليلة طريقة تحضير عجينة الخبز، فكانت المقادير عبارة عن دم الشهيد، مع كمية من طحين قمح أرض ارتوت بدماء أبنائها فأنبتت خير محصول، أعطى قمحًا مباركًا وافرًا، ثم أضيف كمية من ملح الحياة، من مرارة ألمنا على فراق أحبتنا وشباب سوريا الطيبين، وكان الغريب بالأمر أنه كلما ازداد ملح العجين ازدادت حلاوة طعمه، وطاب مذاقه، بل وأصبح لذّة لطالبي الكرامة، الناطقين بالحق، ولم تكن الوصفة بحاجة إلى أي نوع من المطيّبات، أو إلى إضافة نكهات، فقد اكتفينا بحلاوة روح شهدائنا، وسيرتهم العطرة بين الناس، وحسن سلوكهم، بل والمحبة العارمة التي يكنّها لهم كل من يعرفهم، فكان ذلك أحلى على قلوبنا من أي منكهات إضافية.

  «محمد رحل عني شهيد بالجنة…ما بنسى ضحكاتك…ما بنسى أيامك ..ما بنسى كلماتك..ما بنسى أحلامك…طيرت أحلامي معك ورميتها أوجاع..بحبك أنا وعم أسمعك دخلك عمري ارجع…» كلمات رددها صديق محمد لحظة سماعه النبأ، فرغم سعادته بما نال صديقه من شرف الشهادة، ومن قرب للمولى، ومقعد صدق عند مليك مقتدر، إلا أن العين لتدمع، والقلب ليتفطّر أسى على ذهاب شباب لم يروا حلاوة دنياهم، واختلطت مشاعره، فلم يعد يدري أيصرخ بأعلى صوته «لن ننسى دمك يا صديق طفولتي، وقدوة شبابي، أم يأكل من خبز أعده محمد وهو يحاول أن يلملم ذريرات كرامتنا المهدورة، أم يضم أبناء الغالي إلى صدره، ويعتبرهم أمانة في عنقه، فلا يُسلمهم ولا يظلمهم، ولا يخذل والدهم بأخلاق صديق دربه؟

محمد حاله كما حال كل شاب سوري، يخرج صباحًا لكسب لقيمات عيشه، فيقبّل أبناءه، ويضمهم إلى صدره ضمة يشعرون أنها الأخيرة، إذ الخارج من داره أصبح مفقودًا، والعائد إلى بيته مساء تستقبله عائلته وكأنه عائد من سفر طويل، إذ قدّر له حياة جديدة داخل بلد حزين يودّع أبناءه.

محمد ارتقى شهيدًا وجبينه يقطر عرقًا، فقد استشهد وهو يعمل، وما أروع من أن يستمر المرء بالعطاء حتى النهاية، فإذا به وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة، يحاول أن يعيننا على أن نأكل خبزنا، كفاف كرامتنا، وكرامة أبنائنا، فتقبل اللهم شهداء الحق في عليين، وألهم أهلهم الصبر والسلوان، وأكرِم أبناءهم برؤية بلدهم حرًا، إذ يكفي ما  شرب من عرق ودم آبائهم.

محمد اسمه، ومحمود لقبه، بل وحتى محمود عمله، وكل ما أُثِر عنه، محمود فعله وحاله ومقاله، وحتى محمود بإذن الباري مقامه في الجنة مع الشهداء والصدّيقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

تابعنا على تويتر


Top