وأنا.. حلمي والله الشهادة

21.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 20 – الأحد – 17-6-2012

 

«اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واختم بالصالحات أعمالنا، وأمتنا موتًا غير مخزٍ ولا فاضح»، إذ باتت هذه الكلمات زاد علاء –كما قالت أمه- في الأيام الخالية، ينطق بها في كل لحظة علها تكون ساعة استجابة، فتقلصت أحلامه حتى باتت تتراوح بين عيشة هنية وللحظات معدودة، وميتة سوية، بمنزلة رضية، عند الباري جل شأنه، فلم يعد يحلم ببيت أو بأثاث وثياب، ولم تعد الدنيا أكبر همه، بل أصبحت الشهادة مرمى تفكيره وأحلاها، ولها يخطط في كل لحظة.

 فمترا قماش أبيض، مع كلمة حق ننطق بها، أصبحا في بلدي السليب المحرك الأساسي لنهاراتنا، إذ بتنا نعيش كل يوم عيش مودّع اقترب أجله، ولم يعد راغبًا بما في الدنيا الزائلة، بل الفردوس يطوف حول مخيلته، فلا يفارقها لحظة.

نزف شهيدًا إلى قصره، إلى الحور العين الذين يفرشون دربه وردًا ومسكًا، وبالوقت ذاته نهيئ آخر ليخطو درب صديقه، وأخرى لترافق الشهداء في مسيرهم إلى الباري، فقد قدر الله لنا أن نذهب جماعات، وأن تُفتح أبواب الجنة لنا لينتظرنا السندس والإستبرق، وليبدلنا الله بثياب من حرير، مع ولدان مخلدين يطوفون علينا بأباريق من معين، فننسى ما تركنا، ونسعد بما هُيئ لنا.

ثم تمزج الأم كلماتها بدموعها فتقول: حتى في أشد لحظات الطرب بات علاء  يردد «طالع ع الموت يا أمي أتحدى الخوف» « وأنا يومّاه حلمي والله الشهادة»، فقد سما تفكيره عن عرض الدنيا الزائل، وانحصر بنعيم الآخرة الدائم.

وأصبح شهداؤنا قوافل من كل فج عميق، يرتادون طريق الحقيقة، بعد أن نطقوا حقًا، أو كانوا شاهدين على من ينطق بصدق وحي ضميره الحي، ومع ذلك بتنا ننتظر أن يأتي دورنا لنحجز مكانًا في هذه القافلة، علها تحط رحالها في حينا، فأصعد وإخوتي معهم، ونطوف حول عرش الباري هذي المرة، نسبح بحمده، ونقدس جلاله، إذ علمنا ألا نصمت أمام فرعون مهما علا في الأرض واستكبر فيها، وأن نتمسك بالحق، لأن الله سيحقق وعده وسيقذف به على الباطل، فيدمغه ويزهقه، ويومها يتحقق وعيده بالظالمين والطغاة، ولهم الويل مما عملوا واستكبروا في الأرض بغير الحق.

ودموع الأم مازالت تسيل على خديها، علها تغسل ما علق من همومها، فليتها تدخل إلى القلب المفجوع فتكون بلسمًا يدواي جراحه، إذ تتوق لرؤية ابنها، لضمه إلى صدرها، فقد غاب عن داره منذ شهرين، لا تعرف له دربًا، تقتفي أثره عبر الهاتف، الذي لا ينقل لها تعابير وجهه الملائكي، وعلامات الألم التي رأتها حفرت على وجهه في آخر مرة شاهدته بها، ومع هذا فرائحته تعبق في أنفها، تدلها على كل خطوة خطاها في بيتهم، وصوته يملأ أركان الدار، تتزلزل أقدامهم كلما قرع الباب عل بالباب علاء.

في كل قائمة نقرأ بها أسماء الشهداء بتنا نبحث عن أسمائنا، وأسماء من أحببنا، تُرى أبقي لهم مكانًا لتُدرج أسماؤهم ،أم أنهم تُركوا ليُقلّوا الحافلة الأخرى، فنلتقي معًا في محطة الآخرة، بعد أن نغادر دنيا الطغاة والمستكبرين، بل وأكثر سنلتقي مع أولئك المتجبرين يوم الوعيد، ونخبرهم أننا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فلم يبخل علينا، طالما أدّينا الأمانة وساهمنا في كشف الغمة عن بني أمتنا، علاء زين شباب داريا كما رفاقه بذلوا دماءهم أضحية لنعيش نحن بسلام، فأكرمهم الله بالشهادة، وسيعزّنا نحن برفقتهم، أو بالعيش في دار تفتقد صورهم وأصواتهم، ريثما نجتمع معهم في اليوم المورود.

ربما رؤية هذه القائمة التي تطول وتطول يومًا بعد يوم يؤلمنا، وتكاد تذهب بالأبصار لهول طريقة إدراجهم إليها، ولكن أملنا سيمحو ألمنا، ووعد الله آت ولن نستعجله ، بل سننتظر مقعد صدق لنا إما في قافلة الشهداء، أو في قافلة من سيسيرون على خطاهم وسيقتفون أثرهم، ويستلهمون حكمة وخيرًا من حُسن أفعالهم.

تابعنا على تويتر


Top