هل يمكن أن يكون الجهل نور؟

5043785325_0c833131cd_z.jpg

أجمع العلماء عبر مختلف الأزمان أن التعصب وليد الجهل وابنه الشرعي وأن الحرب ابنة الظلمة وأمها، وعلقوا على بوابة العصور وجبين الأجيال أن العلم نور والجهل ظلام، تلك العبارة التي مازلنا نرددها كتعويذة منذ الصغر.

ويسأل الواقع اليوم: إذا صح أن الجهل وقود الحروب فهل يكون العلم كما يتصور المتفائلون به وبرومانسيته ترياق الشعوب ضد التعصب والصراعات؟

سؤال لا شك في أهميته، لكن الخوض في جدل ثلاثية «الجهل والعلم والتعصب» أمر غير يسير، لأن تعريف كل من هذه المصطلحات يختلف عند كل إنسان اختلافًا قد يبلغ التعارض، ولكن لو انطلقنا من افتراضٍ يعرّف العلم بأنه تلك الطريقة المنهجية في جمع المعارف وتقديمها، والجهل بأنه الخلوّ من تلك المعارف، فيمكننا أن نقول بعد جولة في كتب التاريخ ونظرة على الواقع، بكل أسف، أن العلم لا يدفع حربًا ولا يحصّن البشرية ضد تعصب أو شقاق.

فالحروب اليوم وعبر التاريخ لم يشعلها فارغو الرؤوس والجاهلون، وإنما وقف خلفها العلماء في كثير من الأحيان، وخاض غمارها المقتنعون حتى الموت «عن علم» بما يقومون به، وصفوف داعش اليوم ممتلئة بالأكاديميين والمثقفين وعلماء الدين الذين زادهم علمهم تعصبًا وأسدل على أبصارهم غشاوة كثيفة، جعلتهم يرون ما لا نرى، وهذا ما يدفعنا ألا نسرف في الأمل بالعلم. وإذا اختلفنا معرفيًا مع داعش، فليس بوسعنا أن نتجاهل استنادها على «علوم» تحسبها مقدسة.

لكن إذا عرّفنا العلم كما عرفته معاجم اللغات بأنه: معرفة الشيء معرفة مطابقة لما هو عليه في الواقع، والجهل بنقيض ذلك، فسننتهي إلى أن كل ما لدينا من العلوم هي أقرب للجهل منها للعلم، فالمعرفة البشرية في جملتها هي «محاولة» منقوصة ودائمة وأبدية للوصول إلى الحقائق، وعلينا إن أردنا علمًا صادقًا أن نتقبل جهلنا كما يقول «إرفين شرودنغر» إلى أمد غير معلوم.

فالعلم بحر لا يدرك عُبابه ولا تنتهي أبوابه، وخلف كل باب يفتحه ألف باب، فصفة العالم أو العلم لا تنطبق حتى على أكثر العقول عبقرية، باعتراف هذه العقول ذاتها، حيث يقول جورج برناردشو «العلم دائمًا مخطئ، فهو لا يحل مشكلة إلا ليخلق عشرة مكانها».

فإن كان العلم الكامل مستحيلًا ونصف العلم مخطئ وخطر، فهل يمكن أن نتفاءل بالجهل؟

قد يبدو التفاؤل بالجهل من باب المزاح الثقيل، ولكن ليس المقصود بالجهل هنا ذلك النوع الرديء منه، جهل الغباء واللامبالاة بشيء من العلوم، وإنما أقصد تلك النوعية فائقة الجودة منه، ذلك الجهل العميق الأصيل الذي تقود إليه المعرفة، ذلك الجهل الذي وصلت إليه بصيرة سقراط حين قال «كل ما أعلمه أني لا أعلم شيئًا»، ذلك الذي انساب حكمة من بين شفتي الرومي حين قال «لقد شربت شيئًا في قاع المحيط جعلني راض بجهلي».

نريد ذلك النوع من المعرفة الذي يقود إلى الإدراك العميق بالجهل الواعي الكامل، تلك المعرفة التي تخلق علماء يمشون على الأرض هونًا، ثقالًا بحكمتهم خفافًا بوعيهم لمدى جهلهم، وليس ذلك العلم الذي يقود إلى رؤوس خفيفة متثاقلة بعجرفتها.

ولعل هذا النوع من العلم من شأنه أن يقود إلى تقدم حقيقي في مجال العلوم وينقلها من أفق تكديس المعلومات وجمع المعارف الممل إلى رحاب الشغف والبحث الدؤوب، وأن يفتح أفقًا أوسع للتسامح مع الآخر وتقبله، فالآخر معك في دائرة الجهل ذاتها مهما رأيته مخطئًا.

وحينما تعي مدى جهلك وتتقبله، لن تجهل فوق جهل الجاهلين إن جهلوا عليك.

تابعنا على تويتر


Top