«الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء»

syllbus11.jpg

نور الدين الرفاعي

التاريخ هو قصة البشرية وما طرأ عليها من أحوال وتقلبات، وما تعاقب فيها من أمم وشعوب وحضارات، سعى فيها الإنسان إلى اكتشاف محيطه وتسخيره في التعبير عن ذاته بكل ما فيها من خير أو شر.

والتاريخ لم يمض قط، بل هو حاضر فينا، يتحرك معنا ويحركنا بوعينا أو دون وعينا، بإرادتنا أو عكس إرادتنا. هو وقود لحركتنا، وهو القيد الذي يثقل كاهلنا في آن معًا، وبناء عليه فإن درس التاريخ هو من أعمق الدروس التي قد تساعدنا في فهم ذواتنا وفي استشراف مآلاتها.

حتى القرآن نجد أنه يتحدث بشكل متكرر عن سير الأقوام السابقة، وكأنه ينبهنا إلى أهمية درس التاريخ. بل نجد فيه حثًا صريحًا وواضحًا على التأمل في التاريخ وأخذ العبرة منه، إذ يقول تعالى: «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل»، ويقول في موضع آخر: «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين».

ما السر إذًا في هذا التركيز القرآني على درس التاريخ؟

يمكننا القول بأن قراءة التاريخ تمنحنا فهمًا أعمق لطبيعة الإنسان وطبيعة المجتمعات، بل وتجعلنا أكثر قدرة على استشراف المستقبل، ليس بكشف صوفي ولا بنبوءة. بل لأن حكمة الخالق اقتضت أن يكون كل شيء في هذا الكون محكمًا بالغ الإحكام، يسير وفق سنن وقوانين لا يحيد عنها، بما في ذلك حركة المجتمعات التي تسير وفق قوانين ومعادلات تشبه إلى حد غير قليل قوانين الفيزياء والكيمياء، فالدول والمجتمعات والأمم تسير في نشأتها وازدهارها، وشبابها وشيخوختها، وأفولها أو انتحارها، وفق قوانين متشابهة أو حتى متطابقة، تساعدنا على فهم الحاضر واستكناه المستقبل. وفي القرآن إشارة إلى ذلك في قوله تعالى: «فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا».

بناء على ما تقدم فإن دراسة التاريخ قد تلعب دورًا مهمًا في نهوضنا الحضاري، وهو ما يقتضي منا دراسة علمية موضوعية لتاريخ البشرية عمومًا وتاريخ أمتنا بالخصوص نبحث فيها عن الحقيقة والمعرفة، عن عوامل الازدهار وأسباب الانحطاط، ولا نكتفي بتمجيد الماضي والبكاء على عصوره الذهبية الضائعة.

دراسة علمية كهذه قد تساعدنا في تفكيك الكثير من المشكلات والتعقيدات التي تعاني منها مجتمعاتنا، والتي تضرب بجذورها في عمق التاريخ. وقد تجنبنا أيضًا تكرار أخطاء الماضي، فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء كما قال ابن خلدون.

على سبيل المثال، عندما نقرأ التاريخ سنكتشف أن الطغاة لعبوا دائمًا على الفوارق الموجودة بين محكوميهم، عمقوا هذه الفوارق وعززوها باستضعاف طائفة دون أخرى، ليصنعوا توازنات معينة تبقيهم في هرم السلطة.

نجد إشارة لذلك في القرآن الكريم، إذ يكشف الله –عز وجل- لنا خطة فرعون في الحكم فيقول: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ».

بنى فرعون حكمه إذًا على أساس عنصري طائفي، وأحدث بذلك انقسامًا في المجتمع قضى فيه على لحمة الشعب كي لا يشكل بوحدته مصدر تهديد لمشروعه السلطوي، ودفع شطرًا من المجتمع إلى مواجهة دموية مع شطر آخر، فيما لعب هو على هذا التوازن ليرسخ سلطته ويمضي في طغيانه.

نستنتج مما سبق أن التفرقة –أيًا كانت قبلية أو عنصرية أو طائفية أو طبقية أو جهوية- هي من أخطر أسلحة الطغاة وأمضاها، فهي تقسم المجتمع على نفسه وتجعله ضعيفًا ممزقًا مشلولًا لا يقوى على الوقوف صفًا واحدًا في وجه حاكمه الظالم.

وبالتالي فإن كفاح شعوبنا لرفع نير الظلم والاستبداد يقتضي منها أن تنتزع هذا السلاح من أيدي الطغاة وتحطمه. والسبيل لتحقيق ذلك في أمتنا يكمن بتعزيز وتوظيف المشتركات الإنسانية والإسلامية فيها، عوضًا عن تعميق الفوارق العنصرية والطائفية.

والفرق بين الحالتين كبير. ففي الحالة الأولى سنكون خير أمة أخرجت للناس. أما في الحالة الثانية فسنبقى أتعس أمة بين الناس.

تابعنا على تويتر


Top