أساليب الحراك الشعبي بين الثورة وبناء الدولة

181.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 26 – الأحد – 29-7-2012

عتيق – حُمص

   مع اقتراب بشائر النصر، بات واجبًا علينا التفكير والحديث عن مرحلة ما بعد سقوط النظام. حيث يشير البعض إلى ضرورة وضع تصوّرٍ للإحتمالات الممكنة للساعات الأربع والعشرين الأولى، والإستعداد لمواجهة التحديات المختلفة. وبنفس القدر من الأهمية، فإن التفكير في المرحلة الإنتقالية على المدى الأبعد من ذلك، يجب أن يشغل حيزًا مهمًا من نقاشاتنا.

   مشكلة الثائر أنه يبقى ثائرًا طيلة حياته، أي أنه يحمل مبادئ الثورة وأساليبها في حياته ما بعد الثورة، مما يعيقه عن تحقيق أهدافه، بل وربما القيم التي ثار من أجلها.

   فمن المعلوم أن الأسلوب في الحركة، يتناسب وطبيعة المرحلة، والهدف، والأطراف المشاركة فيها؛ لذلك فإن لمرحلة ما بعد السقوط أساليب أخرى في التعامل والحركة.

فما هي الإستراتيجيات التي يجب على الثائر أن يضعها جانبًا حالَ سقوط النظام وأن يستبدلها بأخرى غيرِها تنفع في مرحلة بناء الدولة الجديدة ؟

   حملت ثورتنا منذ البداية شعار رفض الحوار مع النظام، وأخشى أن كل الضخ والضغط الإعلامي والميداني بهذا الإتجاه، أفقد كلمة «الحوار» معناها الحضاري، والضروري لبناء الأمة والدولة، ولا أقصد هنا أننا يجب أن نعود للحوار مع أركان النظام من مرتكبي الجرائم، لكن أقصد أهمية أن نحمل معنا مفهوم «الحوار» لمرحلة ما بعد سقوط النظام، لأنه الأسلوب الوحيد الذي يمكن من خلاله، غدًا، حلُّ مشاكلنا، تحقيقُ مطالبنا، إعادةُ ترميم النسيج الإجتماعي، وغيرها من مهام بناء الدولة. ليس هذا فحسبُ، بل يفترض أن يكون الحوار والمشاورة، نهجًا يوميًا في حياتنا، ووسيلةَ معالجةِ تحدياتنا اليومية.

   إن كان النظام قد رفض الحوار، كآليةٍ لفهم الطرف الآخر، ثم تقديم تنازلاتٍ لشعبٍ يطالب بحقوقه البسيطة، وأسّسنا رفضنا للحوار على هذه الحقيقة، بإعتبار أن أي حوارٍ لا يهدف إلى فهم مطالب الشعب وتحقيقها هو حوارٌ أجوف، يضيع الوقت ويشتت الجهود، فهذا لا يعني أن الحوارَ أداةٌ غير مناسبة، أو لا تحقق المطلوب.

   أمر آخر، هو السلاح، لقد بقيت ثورتنا سلميةً لأشهرٍ طويلة، ثم اكتشفنا أن غياب أي رادعٍ أخلاقي أو سياسي لدى النظام يجعل من استمرار الثورة السلمية أمرًا صعبًا للغاية، فضلًا عن تحقيق مطالبها في إسقاط رؤوس النظام الحاكمة.

واليوم نشهد تمكّنًا تدريجيًا للثورة، مع اتساع رقعة سيطرة كتائب الجيش الحر على البلاد، ونسمع الكثير من الإشارات من الناس مثل «كان بدها سلاح من الأول» أو «ما بيحلها غير السلاح» … وغير ذلك من الإشارات التي تمجّد العمل المسلح، وتحقّر العمل السلمي اللاعنفي.

   ورغم أن بعض النشطاء يقول بأنه لم يكن من الضروري أصلًا للثورة مواجهة النظام، وسقوط العشرات من الشهداء بشكلٍ يومي؛ ما دفع بالبعض إلى التسلح، بل كان يكفي لها أن تفقد النظام هيبته وقدرته على منع الحراك الشعبي، وسيطرته على ضمائر الناس، وأن التصعيد التدريجي طويلُ الأمد حتى الوصول إلى عصيانٍ مدني حقيقي في دمشق وحلب هو طريقٌ ممكنٌ لإسقاط النظام، أو إجباره على تقديم تنازلاتٍ سياسية معتبرة. سنقول بأن هذا لا ينفع، لكن الذي يجب إدراكه تمامًا أن العمل السلمي اللاعنفي هو الشكل الوحيد الذي يمكننا من خلاله غدًا تحقيق مطالبنا المختلفة، والتعبير عن إرداتنا أو رفضنا.

   الحلول الوسط، هي أمرٌ آخر، فرفض التسويات والمفاوضات أمرٌ طبيعي في ظل ثورةٍ قدمت الكثير الكثير، ولم يعد من الممكن الرضا بأقل من الإطاحة برؤوس النظام الحاكم.

لكن مع الشركاء في بناء الوطن، فإن المساومات والمفاوضات وتقديم التنازلات المتبادلة أمر طبيعي جدًا، في سبيل بناء وطنٍ يتسع للجميع، ويأخذ منه الجميع نصيبهم وحقوقهم.

تابعنا على تويتر


Top