صالح لمدّة (….) بين طيف المعتقلين وسراب صورهم

Untitled-119.jpg

هذه العبوة صالحة لمدة سنة ونصف من تاريخ الصنع، لسنا مسؤولين عن سوء التخزين، تحفظ في مكان بارد بعيدًا عن أشعة الشمس وووو، وغيرها عبارات أخرى ترفق بمنتجاتنا الاستهلاكية، لتكون دليلًا لاستخدامها، تقينا شر اختلاطات قد تنتابنا من سوء تخزينها، أو لانتهاء صلاحيتها.

ولوهلة تقول ليت الإنسان يلد ومعه تاريخ انتهاء زيارته الدنيوية، فيستثمر وقته بكل ما يصبو إليه، ويدرك أن حجم أي مصيبة قد تأتيه صغير جدًا أمام اقتراب ذاك التاريخ، فجميل أن تعرف أن يومك هذا في شهرك هذا من عامك هذا هو يوم أفول شمسك عن دنياهم، وكم هو مريح لأشخاص كرهوا حتى ظلك، فمهما طال الوقت سيأتي هذا التاريخ، وبذات الوقت مؤلم لمن هام حتى بعبقك، إذ ستختلط في لحظة ما رائحتك الطيبة بأديم تراب أرضه، بل وسيدوس تلكم الأرض مع كل ذكرياته معك.

لحظات الاعتقال القسري في بلادي تذكرنا كثيرًا بهذا المشهد، ففي تلكم اللحظة يعلن السجّان انتهاء مدة اجتماعنا وأحبابنا تحت شمس واحدة، فمع أن سماء واحدة نصبت فوق رأسينا ورأسه، إلا أن الشمس ذاتها لم تعد تنسج خيوطها على كلينا، نعم! فلقد انتهى ذاك العهد، انتهى صوت ارتطام خطانا على أرض واحدة، انتهت رائحة قطرات المطر تداعب خدّينا، ولئن بقيت صباحات فيروز تصدح «راجعين يا هوا راجعين» إلا أن نكهة صوتها باتت مختلفة، ممزوجة بغصّة الخوف من القادم، كبسة زر من ذاك السجان أنهت مدة صلاحية أحلامنا وخططنا المستقبلية، وأبقت قلبًا ينزف شوقًا وأملًا، يغلّف شغافه مشهد لقاء من جديد خوفًا من استحالته سرابًا.

أما أن تصلك صورة مسرّبة –بكل ما تحمله هذه الكلمة من تحجر قلب السجّان- فحتى الاطمئنان عن المعتقلين بات أمرًا مستحيلًا يحتاج عملية تسريب وتوثيق وانشقاق ووو… لا قِبَل لقلوبنا بها، صورة لعزيز (أب، أخ، زوج، ابن، أخ لم تلده أمك،…) زيّن كل لحظات حياتك يومًا، وأحال صحراء وحدتك حدائق ذات بهجة، عينها جارية لا تنضب يغذّيها بجميل صنعه، وجمال روحه، صورة تستعيد معها أدق ما دار بينكما مذ التقت عينيكما ببعض، يتوقف الزمن عندها، غير دارٍ، أيدور مع عقارب الساعة يمينًا ويحلم بغد أفضل، أم يسارًا، ويستعيد ما كان بينهما، بمرارة أنه سيتركه الزمن هو الآخر، وينسلخ عنه.

تتنقل بين تلكم الصور، وكل صورة تخالها هو ذاك العزيز، رهبة تفقدك صوابك وأنت تدقق في الصور، تعبث بذاكرتك، باحثًا ولو عن شعرة بلون مختلف تقصم ظهر ذاك المسرّب وذاك السجّان، وتقنع بها عقلك قبل قلبك أن صاحب الصورة ليس بذاك العزيز.

في منتصف تلكم الليلة من آذار الذي عهدته ربيعًا يحمل بهجة لبلادي، فكم كتبنا في مرحلة الابتدائي موضوعًا تعبيريًا عن شهر آذار، شهر الورود والأزهار، شهر تخلع الأرض فيه عن ذاتها كل قتامة الشتاء ودخان مدافئه، لترتدي ثوبها الأبيض، وتزركشه بأزهار الربيع من كل لون وعطر، ولطالما حلمتُ وبنات بلادي أن نفعل كهذي العروس، وأن نرتدي ثوبًا أبيض مرصّعًا بالفل والياسمين جميلًا كما آذار بلادي.

في تلكم اللحظة من ليل آذار، لحظة وصول الصور، تتجمد العروق في دماء حامل الصورة، لا يدري أهو آذار الذي لم يأت هذه المرة بطلّته البهية، أم هو نزيف الصور الذي حرّك الأشجان، بل أوقف كل المشاعر غير آبه لا بآذار ولا ببلادي، أم شباب وورود بلادي عادت هذي المرة في آذار تفوح عطرًا من لون آخر.

فكل ما أدريه اليوم أنه ولو تطابق الشبه لحد 100% بين الصورة وذاك العزيز، فسيبقى الأمل معقودًا بأن لا شيء يثبت استشهاد صاحب الصورة، مرة أخرى ومع أن تاريخ صنع الطاغية معروف، ولكن ليت مدة انتهاء غيّه، لا صلاحيته –فكيف يمتزج الصلاح مع سوء الاحتفاظ بهؤلاء المعتقلين- حددت من قبل.

تابعنا على تويتر


Top