رضوان نوح .. أميّ في القراءة والكتابة .. وعالِمً في الإنسانية

23.jpg

 جريدة عنب بلدي – العدد 33 – الاحد – 7-10-2012

أميّ في القراءة والكتابة…

وعالِمٌ في الإنسانية

رجل في غاية الطيبة والبساطة والإيثار والأخلاق العالية… مثال لتحمّل المسؤولية والوفاء بالعهد والالتزام بالموعد… ستُذهل إن اكتشفت أنه لا يستطيع الكتابة وإن استطاع أن يفك الحرف!!

ذلك الشاب صاحب الوجه المريح والابتسامة الرحيمة، كان طالب علمٍ مواظبًا على حضور الدروس في جامع «عبد الكريم الرفاعي»، ولأنه لا يعرف الكتابة؛ كان يتجول حاملاً مصب القهوة المرة كي يسقي أصدقاءه وهم يكتبون دروسهم!

أثبت رضوان، لكل من عرفه، أن الشهادات الجامعية ليست معيارًا للثقافة والعلم والتفكير السليم، فكان برغم أمّيته صاحب عقل راجح متفتح غيورٍ على الحق، يتقبل الرأي الآخر ويناقشه باحترام ورقي… وكان من الصعب أن تجد من يكره رضوان الذي كان ينشر الهدوء والسلام من حوله بروحه الرحبة وقلبه الحنون وإنسانيته الرفيعة… «رضوان نوح» إنسان يصمت الكلام أمام بطولاته وتضحياته…

الثورة.. قضية العدل والكرامة

وجد رضوان – رحمه الله- في الثورة قضيته التي طالما كان يناقشها مع أصدقائه، قضية العدل والكرامة، فنذر نفسه للثورة منذ انطلاقاتها لأنها تتماشى مع أخلاقه التي فُطر عليها وتربى عليها، ليكون من أوائل المنخرطين في المظاهرات السلمية ضد الظلم والقمع مطالبًا بالإصلاح. كان هو والعمل الثوري توأمان متلاصقان لم ينفكا عن بعضهما إلا بعد استشهاده، فكان الجندي المجهول الذي ينسق وينظّم المظاهرات ويساعد في تجهيز الإذاعة، ويشرف على خيام العزاء للشهداء الذين سبقوه، يتابع بأدق التفاصيل تجهيز المكان وتأمين المستلزمات ومتابعة المشاركين بروح مشبعة بالإخلاص والتفاني. وما كانت حملة النظافة لتفوته فحمل مكنسته وهُرع إلى الساحات مشاركًا حتى آخر لحظة في العمل، ذلك الرجل الشهم لا يكاد يسمع بملهوف إلا ويُغيثه، ولا يعرف بموجوع إلا ويسعى لتخفيف ألمه، يعمل بصمت لا يسأل عن أجر، إنْ أجره على الله.

طيف ملائكي يعمل بصمت

كان دوره في المجزرة كالمعجزة! فقد كان كالطيف يتحرك لنقل الجرحى إلى المشافي الميدانية، والشهداء إلى المقبرة. عندما تراه تظنه ملاكًا بأجنحة يحلق حاملاً الجريح أو الشهيد على كتفيه تحت وابل الرصاص وعواصف الصواريخ، غير مبالٍ بالخطر المحدق به، فكل ما يشغل باله هو إنقاذ الحياة من إجرام عصابات الأسد، فكان أن وهب حياته لطفلته الجريحة «داريا». يفاجئك صمته الرهيب في العمل كما يفاجئك غضبه الشديد إن تأخرت عن المصابين. حدثنا أحد أصدقائه كيف انتفض في وجههم عندما توقفوا ليراقبوا الدبابة التي اغتنمها الجيش الحر أثناء المجزرة الأخيرة، ليذكّرهم بأن هناك مصابين تحت الخطر ينتظرون مساعدتهم… لم يستطع تحمل التأخر عنهم ولو لدقائق!!

شهيدٌ يداوي شهيدًا

هل سمعتم يومًا عن شهيدٍ يداوي شهيدًا؟ لقد كان رضوان كذلك! فقد أصيب نضال العبار بشظايا قذيفة دبابة مساء يوم الخميس 23 آب وتمت معالجته في إحدى المشافي الميدانية ليعود إليها بعد ذلك من جديد لتنظيف الجرح وتغيير الضماد، وفي ذلك اليوم ومع انشغال الأطباء والممرضين بالجرحى الكُثر، قام رضوان – رحمه الله- والذي كان موجودًا هناك بما يلزم على الرغم من قلة خبرته بالأمور الطبية… وفي يوم السبت الأسود 25 آب 2012 استشهد نضال برصاص قناص غادر، فيما استشهد رضوان في اليوم نفسه على يد قوات الأسد الذين أعدموه ميدانيًا.

اعتقاله واستشهاده

استمر رضوان حتى آخر لحظة في إسعاف الجرحى إلى المشافي الميدانية ونقلهم بعد ذلك لأماكن أكثر أمنًا تحسبًا من مداهمات الأمن لهذه المشافي. وفي يوم الجمعة 24 آب 2012 يُعتقل رضوان من بيت جده حيث بوحشية ولؤم غادر. تم اعتقاله واستخدمته قوات النظام كدرع بشري رافقهم في جولاتهم في المدينة وهم يعذبونه أشد التعذيب، حتى سلبوه حياته الطاهرة برصاصه في رأسه في صباح السبت 25 آب، فكانت آخر كلماته «أشهد أن لا إله إلا الله» ليجده أبناء أحد أحياء المدينة بعد ذلك ملقيًا على الأرض، رافعًا سبابته اليمنى.

لقد حقق اللهُ تعالى لرضوان حلمه بالشهادة، وهو الذي ما فتأ يكرر من أعماق قلبه كلما سمع عن سقوط شهيد في بلده، يكرر عبارته الشهيرة (الله يهنيه ويطعمنا)…..

الله يهنيك يا رضوان ويطعمنا ياها.

تابعنا على تويتر


Top