دراسة لـ تشاتهام هاوس

إقامة مناطق عازلة في سوريا سيقوض القتال ضد داعش

Untitled-162.jpg

كتبه نيل كويلم 

إضافة لتوفيرها مأمنًا للحلفاء، يرجح أن تكون المناطق العازلة قاعدة لجماعات تعارض الغرب بشدة تمكنها من الاستمرار بحربها ضد نظام الأسد.

في إطار الاستعداد لغزو العراق في 2003، سارع صانعو السياسة الأمريكية إلى اقناع تركيا للانضمام إلى التحالف ضد صدام حسين. ومن وجهة نظرهم، فإن دعم البلد ذي الأغلبية المسلمة كان من شأنه دحض اتهامات بأن الولايات المتحدة تشن حربًا على الإسلام.

رفضت أنقرة مناشدات الولايات المتحدة في نهاية المطاف، وبدل ذلك، تحالفت القوات الغربية مع الكورد في العراق للزحف نحو بغداد.

ورغم معارضة أنقرة، فالتعاون الأمريكي-الكردي وضع حجر الأساس لإنشاء دويلة كردية شمال العراق، القسم الوحيد من العراق الذي يحظى بحكومة فعالة اليوم.

وبعد أكثر من عقد، تشهد تركيا مرة أخرى على تعاون امريكي-كردي على حدودها، هذه المرة في سوريا، وتخشى آثاره على أقليتها الكردية المضطربة.

وباستخلاص العبر من تجربة العراق، اختارت تركيا التحالف مع الولايات المتحدة، وثمن انضمامها إلى التحالف ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” كان إقامة منطقة عازلة على الشريط الحدودي الشمالي السوري، وإذن باستهداف حزب العمال الكردستاني PKK في الجهة الأخرى من الحدود.

قد يتيح ذلك لتركيا إعاقة قيام حكومة إقليمية كردية في سوريا، تماثل نظيرتها في العراق، لكنه سينفر أفضل حلفاء الغرب على الأراضي السورية، ويشتت الولايات المتحدة عن الحرب ضد داعش.

لعبة ثلاثية

منذ زمن وأنقرة تدعم إقامة منطقة عازلة شمال سوريا، وترى فيها البلسم الشافي. فالمنطقة ستنشط الجيش السوري الحر، ومجموعات أخرى معارضة يفضلها الغرب، ستمكنهم من إطلاق هجمات ضد نظام الأسد من المنطقة الآمنة دون مخاوف من غارات انتقامية.

ويمكن القول بأنها ستستخدم أيضًا لإعادة توطين جزء من المليوني لاجئ سوري في تركيا. ومع ذلك فإن تركيا والولايات المتحدة لن تقيما منطقة عازلة بهذا الشكل، بل “بقعًا” من مناطق عازلة، لا يرجح أن تستوعب أعدادًا تذكر من اللاجئين. والأهم، بالنسبة لتركيا، أن وجود منطقة عازلة سيفصل تمامًا منطقة كوباني الخاضعة لسيطرة كردية ومنطقة الجزيرة شرقًا عن عفرين غربًا، ما يمنع الكورد من تأسيس حكومة ذاتية تسيطر على هلال ممتد من شرق العراق وعبر سوريا نحو المتوسط.

وكما تبين دراسة جديدة في تشاتهام هاوس، لا تعارض تركيا إقامة حكم ذاتي كردي كليًا، طالما أنه تابع لأنقرة. وهذا يوصف العلاقة بين تركيا وحكومة إقليم كردستان KRG في العراق، والتي تعتمد على تركيا في طرق التصدير.

تسعى تركيا لإنشاء علاقة مماثلة مع الكورد في سوريا، ومن المرجح أن تعود إلى مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني PKK –القوة الكردية الأكبر في سوريا وتركيا- بمجرد شعورها أنها فرضت على المجتمعات الكردية في سوريا.

تبادل الشركاء

في حين ما زال القضاء على داعش هو أولوية الولايات المتحدة، فهدف تركيا في سوريا هو عزل نظام الأسد والسيطرة على الحراك الكردي. وتتماشى مصالح الولايات المتحدة طبيعيًا مع الحزب الكردي الأبرز في سوريا، PYD المدعوم من PKK، وليس مع النظام السوري. وثبتت فعالية التنسيق بين سلاح الجو الأمريكي والقوات المدعومة من الـ PKK على الأرض في اجبار داعش على التراجع واستعادة مدن وبلدان ومناطق رئيسية.

لذا يقوض الاتفاق الأمريكي-التركي هذه العلاقة الهامة وتتنازل عن الأرض لداعش. بل وهناك أيضًا خطر بالغ بأن التحالف مع تركيا سيبعد تركيا عن تركيزها الضيق على إذلال داعش وتغيير النظام. وإن بدا ذلك نتيجة مرغوبة، إلا أن منطقة عازلة لم تؤمن قواعد لصديق الغرب الجيش السوري الحر غير الفاعل فحسب، بل ولمتشددي جبهة النصرة وأحرار الشام، اللذين يتشاركان الارتباط بالقاعدة.

وكما تركيا، لا يريدان رؤية الـ PKK يسكب ميزات في سوريا أو يعزز جهودها الجريئة لإنشاء كردستان موحد يضم الكانتونات الثلاثة المستقلة والمعلنة ذاتيًا. لذا لا يرجح أن يكونوا شركاء يعتمد عليهم. إذ لا يتعذر عليهم ارسال معلومات كاذبة، تدفع التحالف إلى ضرب مواقع للـ PKK وحلفائه بدل مواقع داعش.

كما يصعب تصور أن بضع مئات من المقاتلين المدربين ضمن برنامج “التدريب والتجهيز” التابع للتحالف قادرون على اقناع الجماعات المتطرفة بتحويل انتباههم بعيدًا عن قتال الأسد ونحو قتال داعش؛ بل المرجح أن يحصل العكس.

وبذلك، يرجح أن تكون المناطق العازلة بمثابة قاعدة للعمليات ضد النظام، تنعم بحماية وغطاء جوي، أكثر من كونها قواعد لقتال داعش.

تبدو إقامة مناطق عازلة في ظاهرها تطورًا ايجابيًا، لكن لا يبدو أنها ستقدم بصيغيتها الحالية ملاذًا للاجئين السوريين ولا مناطق تديرها المعارضة السورية. الاحتمال الأكبر هو أن تكون قواعد للجماعات المعادية بشدة للغرب تمكنهم من الاستمرار بحربهم ضد الأسد؛ وبنفس الوقت ستتنازل الولايات المتحدة عن أراض سياسية هامة لتركيا، التي ستستغل هذه المناطق لفرض نفوذها على الكورد في سوريا، وليس لقتال داعش.

نشر في 29 تموز وترجمته عنب بلدي؛ لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top