في أسباب تأخر النصر، مجددًا

171.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 42 – الاحد – 9-12-2012

عتيق – حُمص

واحدٌ من الأسئلة التي كثيرًا ما تجول في بالنا، وتثير تساؤلات وشكوكًا عدّة، وتناولها مشايخ الثورة بالعديد من خطبهم العامّة أو توجياتهم الخاصّة هو سؤال:

لماذا تأخّر النصر ؟

وللمؤسسة التقليدية (التي ينتمي لها معظم المشايخ المؤيدون للثورة) أرشيفًا كبيرًا من الإرث المكتوب، الذي يمكن العودة إليه للبحث عن الأجوبة كلما استجد حادث وسؤال جديد.

لكن في حالة سؤالنا هذا فلا داعي لكثير بحثٍ وتنقيب، فالأجوبة جاهزة، وهي تدور في معظمها حول ضرورة «العودة إلى الله»، والتوبة عن الذنوب والمعاصي التي تسود في المجتمع، من مثل الغيبة والنميمة والسرقة والتقصير في الصلاة، والإفراط في حرمات الله، وعدم محبتنا لبعض، ونومنا عن صلاة الفجر، وهجرنا للقرآن، وربما تضاف بعض العناصر إلى هذه القائمة.

وهكذا تظهر على المنابر المسافة الشاسعة بين ما يجب أن نكون عليه، كي نكون أهلًا للنصر، وما هي عليه حالنا بالفعل، فما يلبث خطيب الجمعة أن يستدرك بقوله: اللهم لسنا أهلًا للنصر، لكنك أهل الرحمة وأهل المغفرة!

لكن لو تساءلنا مالذي كان سببًا لهزيمة المسلمين في أحُد؟ أليس خرقهم للخطّة العسكريّة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا خسر الحسين حفيد رسول الله وسيد شباب أهل الجنّة في معركته أمام يزيد الفاسق الماجن؟ لماذا كان بعض ملوك بني أميّة أو بني العبّاس ممن عُرف عنهم المجون واللهو المنتشر ضمن قصورهم البازخة يحقّقون إنتصاراتٍ عسكريّة ساحقة فيما نسميه اليوم الفتوحات الإسلامية؟

حقيقة فإننا نعاني من خلط في الخريطة المفاهيميّة، فالذي يرتبط بالنصر العسكري هو الخطّة العسكريّة المحكمة وما يتعلق ويرتبط بها (من قريب أو بعيد).

إنّ الذي أخّر لنا النصر بالدرجة الأولى هو غياب خطّة عسكريّة راشدة عند كتائب الجيش الحر المقاتلة على الأرض، إن هذه الكتائب بقيت لفترة طويلةٍ جدًا (ولربما ما زالت) تعاني من غياب رؤية واضحة، وخطط راشدة، مما أخّر النصر لأشهر طويلة جدًا، وهذا ليس لومها بشكل مباشر، فمعظم من حمل السلاح هم من المدنيين ممن لم يتلقوا أيّ تدريبٍ أو دراسة سابقة، فالأمر يتعلق بغياب القيادة العسكرية الراشدة فهي المسؤولة عن التخطيط والتدريب.

ومن أسباب تأخير النصر، تفشي ظاهرة المخربين والوشاة، التي لم تترك رجلا يعمل في الحراك السلمي أو العسكري إلا وفشت عنه، وأوصلت أخبار تحركاته للسلطات الأسديّة، وأعدّت له الكمائن، وكانت له بالمرصاد.

ولتشرذم الكتائب المسلحة، الذي وصل أحيانًا إلى حد النزاعات! دور بالطبع في تأخير النصر الذي ننشده.

هذه بعض أهم أسباب تأخر النصر، ولا أدري بأي منطق يُربط النصر العسكري بالدرجة الأولى مع العادات الإجتماعيّة (التي لا خلاف بإنعكاس آثارها على مجريات المواجهات، لكن ليس بالدرجة التي تجعلنا نحمّلها ما لا تحتمل).

ثم إن الذي «يطالب» الناس بالتغيير، لأنهم عاشوا «أهوال» القصف والتهجير، ومصاعب التهجير والنزوح، ومصائب الموت والإصابة، لا يدرك أن التغيير الاجتماعي لا يأتي من ذلك، فالقرآن يقول عن الكفار الذين عاشوا أهوال يوم القيامة «ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه»، فالتغيير لا يأتي من ذلك، بل يحتاج إلى دراسة وبحث عن أسباب هذه الأمراض الاجتماعيّة ومعالجتها، وخلق جو من الحريّة والأمان والمساواة، والحراك الثقافي والحضاري.

إن التغيير يحتاج إلى سنوات طويلة جدًا، ولا يمكن أن يتم في أجواء استثنائيّة كالتي نمرّ بها.

فالنقدّر جهود الناس العظيمة في الصمود والتضحية والبذل والتقديم، وصبرهم على كل ما عاشوه من مصاعب وتحديات جسام، بدل من أن نجلدهم كل يوم ونحملهم أسباب تأخير النصر لأشياء لن يقدروا على تغييرها بالوصفة التي نريد!

تابعنا على تويتر


Top